الشهادة في الزمن البذيئ

كمال حسين

عندما يكون الزمن بذيئا تخرس كل الألسن ...

وعندما تقترن البذاءة بكل صور العنف والاضطهاد تخرس الألسن وينزوي جلّ الشرفاء . عندما ينبري أشباه الرجال ينظرون للقبول بالأمر الواقع وفضيلة السلامة الشخصية فيضوون تحت راية المضطهد يهتفون ويصفقون ويهللون .

ويصبح الشريف عندهم مارقا

والمناضل ارهابيا

وحامل راية التحرير ملعونا  خارجا عن الجماعة هؤلاء على كثرتهم لا يزيدون عن كونهم ظاهرة صوتية , لكنها مؤذية تتنافس فيما بينها على إرضاء الغادر ضد المغدور والظالم ضد المظلوم .

في مثل هذا الزمن الموبوء عاش راشد واختار بمحض ارادته أن يسبح ضد التيار . فكانت الكلمة سلاحا وقد كانت كلمة نفاذة ... والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر

أنا لم أعرفه كما عرفه سميح القاسم ومحمود درويش وآخرون من أترابه .

بالنسبة لي ولد راشد يوم شبعه الآلاف الى مثواه الأخير

وشبَّ يوم تمرّد الشيخ والعكاز والحجر

وتراءى لي بعد ذلك كحنظلة ناجي العلي وقد أدار ظهره لكل ما يحدث .

لكني الآن أقول له :

لم يكن استشهادك عبثا . فأنت ممن يشملهم قوله تعالى :

" من المؤمنين رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا  تبديلا " صدق الله العظيم

واحتفالنا بذكراك الثلاثين يشهد أن هذا الشعب زال فيه الكثير من الخير , حتى أجدني انشد مع الشاعر :

ما زال يصنع واحدا أقداره             حتى انتهى عند الشهادة جيلا

لو شكرت القائمين على هذا الاحتفال والمشاركين به لبخستهم حقهم .

لأني لست بأحقَّ بك منهم . ربما يكونون أحق بك مني , فهم يحملون هموم فلسطين في قلوبهم . أوفياء لكل من استشهد من اجلها . فلهم منا ومنك تحية اجلال .. أدر أخي وجهك لهم وتوسّم في وجوه الشباب منهم أملا بأنهم سيحملون راية النضال علما وتفوقا وابداعا . ثم انصت اليَّ أنشدك بلسان لم يبقَ له إلا بقايا من حنين وطوفان من القهر أنشدك بعض ما قلت بعدها ترحّم علينا وادر ظهرك وانطلق حيث ترانا ونراك .

 

 

 

      ثورة على سفر

 

ما الذي ظل من الثورات ِ, من أجمل أحلامي القديمة

غير آثارِ وليمهْ

ونجومٌ فوقَ أكتافِ الذينَ امتهنوا شرحَ الهزيمهْ ؟!

ما الذي ظل سوى جيش ِ مقالاتٍ حبالى

بحسابات ِ بنوكٍ

وتفاسيرَ لتبريرِ الجريمهْ؟!

ما الذي ظلَّ سوى مطربةٍ , ان ولولت حيفا ويافا

عرقَ البنكُ دنانيرَ من القدس ِ القديمة ؟!

ما الذي ظل َّ سوى أن تبدأ الثورةُ من أول ِ حرف

ما الذي ظل سوى قتل الجريمة ؟!!

تولد الثورةُ في عينين من دون ِ وطن

تولدُ الثورةُ فلاحاً بل أرض ٍ

وبوليسا ً له أرضٌ

وأرضٌ كُلُ ما فيها انسجنْ

تولدُ الثورةُ لمّا يعرفُ الاميُّ والكاتبُ والأعمى الحقيقهْ

فيصيرَ الحرفُ من دون ثمنْ

ويصيرَ الصدقُ من دون ِ ثمنْ

 

ولهذا يا رفاق

أن تعبانٌ من التخدير من كلِّ خطاباتِ المماليكِ العربْ

ومن الربِ الذي يسكُن في سبع ِ سماواتٍ طباقا

 ذلك الربُ الذي لم نبق ِ له

غيرَ تحريم ِ الخنازيرِ وتحليل ِ الذهب ْ

أنا تعبانٌ من الربِ الذي حوله جدي بياع جنان ٍ وجواري

والذي من أجل ِ حرقي

سوفَ العمرَ في جمع ِ الحطبْ

 

ولهذا ياعرب

أصبحَ الصبرُ تعبْ

فاغضبوني واغضبوني واغضبوا

تشتهي الثورةُ لحظاتِ الغضبْ

ثُمَ ماذا ؟

ولدتني طفلة ٌ في السوق ِ قُدّامَ جميع ِ الكهنهْ

ثم جَرّوها الى السوق ِ وما زالت هُناكْ طفلةً ممتههْ

ولهذا حينما أكتُبُ شعراً أتمزّقْ

ودمٌ من رحم ِ أُمي فوقَ وجهي يتدفّق

عندها ينجن شعري باحثا ً

عن وجوه الخونة

 

ولهذا سوفَ أبقى العمرَ

               فلاحاً

               وشاعر

أينما أمشي تَرَوْا

             ميلادَ ثائرْ

 

 

1