نقاش مع السيد رائد فهمي

عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي

على خلفية رده على رسالة  السيد فيصل جلول للامين العام لحزب الله المنشورة في "النهار"

 

بقلم: الدكتور محمد نعمة فقيه*

 

ارى من المفيد تهنئتكم بداية على نجاح مساعيكم ونضالكم لعدة عقود للتخلص من الحكم الاستبدادي في العراق ، الذي ما كان بالوسع ان يحصل لو لم يتسنى للادارة الاميركية ان تحقق ما حققته من نجاحات على امتداد القرن العشرين فأسفرت سياساتها الدولية عن تدمير النظام الاستبدادي الام ، النظام السوفياتي ، وحولت العالم باسره الى مزرعة خاصة بها يسرح ويمرح بها الكاوبوي الاميركي فيحدد التخوم ويسن القوانين والشرائع التي تلبي احتياجاته وترضي شهوته الجامحة لتأكيد تفوقه وعتوه.                            

 

قد يكون اهل مكة ادرى بشعابها ، هذا اذا كان الامر يقتصر على مكة ، اما وان الامر الذي نحن بصدده فهو يتجاوز الحيز الجيوسياسي الضيق الذي يبدو انه يحرك ضمن أطره ، اي العراق ، ليشمل ليس دول المنطقة برمتها وحسب ، بل وايضا يطال البنية الكلية للسياسة الاميركية في العالم ، اي ما اشرت اليه جنابك بان العراق اضحى"حلقة اساسية في مجمل الاستراتيجية الكونية والاقليمية الاميركية ، وانهزامها فيه سوف يهز  مكانتها الدولية"، وهذا ما يجعلني اعتقد انك توافقني الرأي بأن المشروع الاميركي في العراق ابعد مدى واوسع افقا مما يبدو للكثيرين .                                                

 

انا لست ممن يعلق الكثير من الآمال على المقاومة العراقية الراهنة بأنها قادرة بأمكاناتها واعتمادا على منطلقاتها ونصها السياسي والتعبوي ان تخلق المناخ الملائم لدحر قوات الاحتلال وبناء الدولة المثلى ، اذا كان بالامكان اقامة مثل هذه الدولة في مكان وزمان ما، وذلك لسببين اثنين وليس لسبب واحد وهو " الخوف على مكانتها الدولية من الاهتزاز" كما اشرت جنابك ، بل وايضا لوجود نخب وفعاليات ناشطة في وسط الشعب العراقي تختزن رغبة جامحة لسلطة تمارسها ترى بالوسع تلبيتها مع وجود الاميركيين ومن ضمن برنامجهم "العراقي" ، فنجد هذه الرغبة تدغدغ خيالهم وتجعلهم يتنكرون لبديهيات الواجب الوطني ، وينقلبون حتى على شعاراتهم التي جعلهم النظام الاستبدادي  المخلوع مطاردين ومضطهدين على اساسها .                                                           

 

اعتقد بأنك قرأت "الثامن عشر من برومير" لكارل ماركس عندما يشير الى ان التاريخ قد يعيد نفسه ، فيظهر في المرة الاولى كمأساة ، اما في الثانية كمهزلة . وحتى لاتفهمني خطأ ، فانا لست ماركسيا مع العلم اني كنت اعتقد نفسي كذلك لسنوات طويلة، الا ان الشيء بالشيء يذكر .                                                                                                                                                              

 

الحدث بمظهره الاول الذي اشار اليه ماركس كان مع نابليون بونابرت في فرنسا واوروبا، وما اريد الاشارة اليه ايضا نتج مع نابليون بونابرت نفسه ، وانما في مصر، اواخر القرن الثامن عشر ، عندما جاءت جيوشه لتغزو مصر وبلاد الشام وهي ترفع شعار تخليص الناس من الاستبداد العثماني حيث ادعى نابليون نفسه في رسالته الشهيرة لاهل مصر بأنه مسلم مثلهم وبانه هاجم كرسي البابوية المسيحية في روما ودمرها قبل ان يأتي اليهم ناصرا ومحررا لهم من جور وعسف الاتراك والمماليك. وما يتعمد تغييبه الكثير من المؤرخين حول تلك الفترة هو التنسيق الذي كان قائما فيما بين نابليون بونابرت والحركة الوهابية وآل سعود في الجزيرة العربية حيث كان لنابليون موفد مقيم لديهم في عاصمتهم آنئذ "الدرعية" ودخل معهم على رأس القوات التي غزت مكة والمدينة وكامل الحجاز في الفترة نفسها التي كانت قوات نابليون تتوغل في البر المصري وشاركهم في الهجوم على بلاد الشام حيث وصلت غزواتهم الى تخوم حلب في الوقت الذي كانت قوات نابليون تحاصر عكا بداية القرن التاسع عشر .  وهذا الموفد الذي اخذ لنفسه اسما اسلاميا هو "علي بيه العباسي" ليس سوى دومينغو اي ليبلخ الاسباني الاصل ومستشار جوزيف بونابرت شقيق نابليون وقد وصفه امين الريحاني متهكما قائلا "الامير المكرم والعالم المحترم والحاج الورع الموقر، رسول بونابرت الى   البلاد العربية ."

 

المشهد يكاد يكتمل مع وفود العلماء و النخب السياسية التي اخذت تتحلق حول نابليون وتتأطر ضمن مشروعه ليس فقط في مصر ، بل وايضا في بلاد الشام ، نخب مثقفة ، نخب سياسية سلطوية رأت ان تعزز مواقعها بالتحالف معه، او مبعدة عن السلطة رأت فيه الأمل في استعادة دور لها ، وفئات اخرى كانت تغرد خارج السرب ، وصف تغريدها بالنعيق ومحاباة السلطان العثماني .

   

 

لا يدعي احد بان المقاومة المصرية لجيوش نابليون هي التي اخرجته ، على الرغم من اهمية تلك المقاومة الايجابية منها والسلبية ، الا ان النصر الذي حققه نابليون بحملته لم ينجم عنه هزيمة لمشروعه بعد انهزام جيوشه وخروجها من مصر . على الرغم من ان مشروعه الشخصي قد اندحر ، انما العنوان الرئيسي لذلك المشروع الا وهو "زرع نبتات الغرب" و خلق الظروف الملائمة للاستتباع والاخضاع الثقافي والاقتصادي، فقد نجحت واستمرت تورق وتزهر وتمد جذورها في تربة يتم ارواؤها باستمرار بمعين لاينضب .

 

لك ان تكون امينا على ماركسيتك وتصر على ان "النهضة" العربية بدأت مع احتلال نابليون لمصر ، وان تدمير كل ماهو قديم يساعد على بناء الجديد، ولكن الا تعتقد ان الامور تجري دائما حول حياتنا وماضينا ومستقبلنا ، نكون نحن الهدف والوسيلة، ولكننا غالبا ما نأخذ موقعا هامشيا ازاء الفعل ، اي يكون فعلنا تلبية لرغبات الفاعل ومشيئته ومصالحه؟ نصفق او نلطم تبعا لاحتياجاته؟ قد نساعد في تدمير القديم ، ولكن لن يكون لنا  ان نبني بما يتلاءم مع مصالحنا ورغباتنا الا اذا كانت ترجمة لمصالح ورغبات الفاعل فينا ؟

 

لك انت ان تكون ما تراه انه يجب عليك ان تكون عليه، ولي انا ان ارى في "عصر النهضة" العربية المزعوم ، انه نقل العرب من الانحطاط الى الانحلال بعد ما احدثه من قطع حضاري بين حاضرهم وماضيهم ، فاغرقهم في حاضر ليس حاضرهم ولايمكن ان يكون حاضرهم ، ومنع ما بينهم وبين امكانيات تطوير حاضرهم الخاص والتخلص من عوامل الانحطاط والتخلف والتعسف والاستبداد بادواتهم الخاصة وفي سبيل تحقيق اهدافهم الخاصة التي تلخص رؤيتهم الخاصة للحياة والكون.

 

ان التاريخ الذي اعتبرناه يعيد نفسه فتمظهر بمظهر مأساوي مع تحلق النخب والقوى السياسية حول نابليون ومشروعه وانتج "عصر النهضة" المزعوم ، ها هو مع حملة بوش يعود ليظهر كمهزلة .

 

المظهر الهزلي يتجلى في كوننا لا نتعلم حتى من تجاربنا ، ان الحدث يؤلمنا ويدمينا ويبكينا حتى الضحك على انفسنا من فرط الغباء. نكون على ثقة بأن الذئب قادم لافتراسنا فلا نكلف انفسنا حتى مشقة الهرب من بين فكيه، ولا تتحرك فينا غريزة البقاء، فنذهب في نقاشات حول الكيفية التي سيلتهمنا بها ، وفي اي تجويف من معدته سوف يأوينا ، وكم سيتكبد من عناء وهو يهضم عظامنا ، وهل انه سيستسيغ طعمنا . ومن ثم يبدأ التداول بين "النخب" حول مرحلة "مابعد الافتراس والهضم" فينقسم الجمع ما بين هضم يسير او عسير !

 

هذا الواقع هو ما انتجه "عصر النهضة"، فأخبلنا  وأفقدنا هويتنا الحضارية ، ومن فقد انتماءه الحضاري والبعد الانساني لهذا الانتماء ، لايظن احد بأنه سيستطيع ان يتقمص حضارة غيره ، ولن تكون لديه الحوافز لأن يكون بطلا ، فليس هناك ما يعتبره يستحق الدفاع عنه ، و هو حكما لن يقف بوجه الذئب بل سيمده بكل وسائل العون والمساعدة حتى يرى الذئب فيه ما يرى .

 

يعيب السيد رائد فهمي في رده على السيد فيصل جلول ، ان الاخير يرتكز في تحليله للوضع في العراق على مرتكزات خاطئة ادت الى استنتاجات خاطئة برأيه ، وهذه المرتكزات التي يعيبها السيد فهمي على السيد جلول هو اعتباره  لمسألة  مقاومة الاحتلال الحلقة المركزية في التناقض القائم على الساحة وان هذا التناقض هو الذي يحكم التحليل السياسي والتحالفات العريضة وعلى اساسه يتم بناء الجبهة الوطنية التي تأخذ على عاتقها مهام طرد  قوات الاحتلال ، فيكتفي عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بالقول ان هذا التحليل خاطىء ادى الى استنتاجات خاطئة ومعتبرا ان القول بوجود تعارضات وتشابكات متداخلة في الواقع العراقي وان القسم الاكبر من الشعب العراقي بما في ذلك قسم كبير من مؤسسات النظام والحزب الحاكم  لم يواجه قوات الاحتلال ووقف موقف المراقب السلبي من الحرب بانتظار التطورات ، يكفي ، هذا الوصف لتبرير ادعاءه بأن اعتبار السيد جلول للتناقض مع قوات الاحتلال كتناقض رئيسي استنتاجا خاطئا !

 

لم يتسنّ لي عبر الزمان والمكان الاطلاع على تجربة كان فيها الشعب الاعزل هو من يتولى مواجهة قوات ضارية تسعى الى احتلال بلاده ، بل ان هذه المفردة يستخدمها الجميع ، في طرفي الصراع ، على قدم المساواة ، فكل يدعي انه يسعى الى ما فيه مصلحة الشعب وان الشعب يقف مؤيدا له في مسعاه. اما ان يأتي ممثل لحزب يفترض انه حزب طليعي وقيادي ليقول بانه وقف مع الاحتلال لأن الشعب وقف موقفا سلبيا من مقاومة الاحتلال خلال الحرب ، فاني ارى في ذلك سابقة تسجل على الشيوعيين العراقيين وعلى كل من يقول قولهم الى اية ملة مالوا ولأي وجهة اتجهوا.

 

ويتابع السيد رائد فهمي توصيفه للواقع المعقد والشديد التشابك الذي نتج عن سقوط النظام الديكتاتوري ونجاح قوات الاحتلال في تدمير وخلخلة الواقع السياسي والاقتصادي ، فيحمل كليهما مسوؤلية الخراب وغياب البرنامج السياسي. فمسوؤلية النظام السابق نجمت عن هروبه من المواجهة ، ومسوؤلية قوات الاحتلال ناجمة عن مساع وجهود يقول انها بذلتها على امتداد عشر سنوات لمنع اقتران سقوط النظام مع بلورة بديل يحمل مشروعا سياسيا او شخصية يتحقق حولها الاجماع وتجسد المصالح الوطنيةوالمشروع الوطني البديل.

 

هل هناك ما يثير العجب اكثر من ذلك ؟

 

هل كان يتوقع القائد الطليعي من قوات الاحتلال ان تكون على غير ما هي عليه ؟  هل  كان يتوقع من قوات الاحتلال ان تبني له السطة الوطنية وتفصلها على مقاسه او مقاس غيره وان تحافظ لهم على ممتلكات الدولة وبنيتها الاقتصادية وتقول لهم تفضلوا ابنوا عراق الغد السيد الحر المستقل ؟

 

لقد حاول أحدهم في لبنان ، وهو بشير الجميل ، الايحاء بأنه تشاطر على الاسرائيليين، وبأنه وظفهم لخدمة مشروعه في التخلص من النفوذ الفلسطيني في لبنان ، وعندما تحقق له ذلك ، سعى الى اقامة تحالفات دولية تخفف عن كاهله الضغط الاسرائيلي، فما كان من  اسرائيل الا ان اطاحت به وبمشروعه، على الرغم من ان الظروف الدولية كانت عام1982 مغايرة كليا وتلائم من يرغب اللعب على التناقضات ، ولكن بالرغم من ذلك فان لعبة كهذه لم يكن بالامكان ان تمر. وعلما ايضا ان بشير الجميل يملك واقعا داعما له على الارض والعصبية التي بناها حول شخصه ومشروعه عصبية اصلية وفاعلة، ولكنها تبقى اضعف بما لايقاس من قوة الاحتلال.

 

يقول السيد رائد فهمي في معرض رده ان المشروع الوطني غاية وليس حقيقة قائمة وانه مازال موضع حوار وصراع . كيف يمكن له ان يشرح لنا امكانية قيام المشروع الوطني الجامع في بلد يرزح تحت نير احتلال من دون ان يكون هذا المشروع قائما على قاعدة المقاومة ؟ هل بالوسع عندئذ ان يكـون هذا المشروع الوطني الجامع وطنيا ؟ ام علينا ان نسأله اولا عن معنى "الوطني" علّ ان يكون المعنى قد تغيّر ايضا من ضمن جملة المتغيرات التي طرأت على المفردات السياسية  في ظل النظام العالمي الجديد ؟

 

فهو يرى ضرورة ان تتوفر جملة شروط لابد منها لاقامة المشروع الوطني الجامع، اهمها التوافق " على مجموعة قضايا في آن واحد ، استعادة السيادة وانهاء الاحتلال ، حول طبيعة النظام السياسي وشكل بناء الدولة، طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي ، الموازنة بين محاكمة مجرمي النظام السابق وتحقيق المصالحة الوطنية ، اعادة توزيع نظام السلطة".ويرى " انه في ظل الاوضاع السائدة يصبح النضال من اجل انهاء الاحتلال متلازما مع العمل من اجل الحيلولة دون عودة نظام استبدادي ، سواء اكان قوميا  او اسلاميا او تحت اغطية ايديولوجية اخرى".

 

ان كلاما كبيرا كهذا لاينمّ عن جهل القائل ، بل يعبر تعبيرا صريحا وواضحا شديد الوضوح عمّ يختلج في صدره ويعتمل في فكره ، فهو يدري تماما ان انهاء الاحتلال وتحقيق السيادة وبناء "العراق الجديد" لايتم تبعا للرغبات الصادقة ، وهو يشير في مكان آخر من رده الى ان الوقت لصالح قوات الاحتلال ، فلما يرى ضرورة اعطائها المزيد من الوقت؟ ولا أظن انه لا يعلم علم اليقين ان ما من مقاومة قامت على  قواعد ومبادىء غير مبدأ وقاعدة مقاومة الاحتلال ومنعه من ان يتمكن من اخضاع كامل مقومات الامة ووضعها تحت رحمته، وكلما ازدادت قوة المقاومة تضعف سلطة الاحتلال ، وان لاشيء أهم من منع قوات الاحتلال من ان تبسط نفوذها العسكري وهيمنتها السياسية .

 

ان من يريد معرفة الى ما يؤدي نمط التفكير هذا وعلى ما يدل ، عليه مراجعة نقاشات ومداولات علماء مصر وقياداتها المحلية عندما كانت جيوش نابليون تتوغل في البلاد وتخضع العباد وتستولي على كل المقدرات ، العلماء يتداولون في تفاصيل الامور العظيمة وفي كيفية تهدئة روع الناس وطمأنة الاحتلال الى حقيقة اخلاصهم له، بينما الطلائع الحقيقية للشعب ، تمارس المقاومة بشتى اشكالها ومستوياتها. ولكن تخلي العلماء والقيادات عن دورهم الطليعي ، افقد المقاومة زخما كبيرا كانت بحاجة  له في سبيل منع نابليون من تحقيق اغراضه واقامة سلطتها الوطنية ، وهو الذي افسح المجال لعودة  نظام استبدادي أشد وطأة من سابقه فجمع بين نقمتي الاستبداد والاحتلال .

 

فعسى ان نجد من يتعظ ويستفد من تجاربه ويرفع عن هذه الامة تهمة الغباء والحمق. اقول كلمتي هذه موجهة الى السيد رائد فهمي لأن صدره قد يكون أرحب من صدور غيره ، فقد يقبل الرأي الآخر لأنه ما زال ابعد من غيره عن السلطة ، اما هؤلاء المشدودة اعناقهم الى اعلى ، وباتوا يتلقون الدروس في كيفية تحسين مواقعهم في السلطة وشطب الآخرين، وفي داخل كل واحد منهم صدام حسين جديد ينمو ويكبر ، فاني اربأ بنفسي عن الغلط معهم .

 

                                            * محمـد نعمة فقـيه

                                                                            كاتب وباحث لبناني ـ رئيس تحرير     

                                                                           مجلة "البلاد" البيروتية سابقا   

 

1