إذا كانت العلاقات بين الدين
والدولة من القضايا التي استأثرت باهتمام
الفكر السياسي وشغلت الفلاسفة وعلماء
الاجتماع ورجال الدين، في الغرب، من خلال
الصراع بين الكنيسة وملوك اوروبا، وفي جو
المنازعات والمذابح التي تفجرت بين
الكاثوليك والبروتستنت. وإذا كان استقر الفكر
السياسي والفلسفة الاجتماعية والدينية على
تحقيق الفصل بين السلطتين الدينية والمدنية،
من ضمن ابراز الاختلاف في طبيعة كل من الدين
والدولة والاختلاف في حقول نشاط كل منهما
وصلاحياته.
وإذا كان انتهى الأمر، في
البلدان الاوروبية، إلى تسليم الكرسي
الرسولي في روما والسلطات الكنسية بالكف عن
التدخل في الشؤون السياسية والتنظيمية
والقضائية للدولة والمجتمع، وطي صفحة الدولة
الدينية لتقوم الدولة المدنية (العلمانية)
على أسس من احترام حرية المعتقد وحرية
الممارسة الدينية، ومن حياد الدولة تجاه
الأديان وتجاه نشاط المؤسسات الدينية بما
فيها المؤسسات الدينية التعليمية، وهو حياد
يمكن تسميته بالحياد الإيجابي بالقياس إلى
الدولة المدنية الماركسية.
ففي عالم الاسلام، وفي دنيا
الدول العربية بالذات، وفي وسط مجموعة الدول
التي قامت على أنقاض الخلافة العثمانية، ما
زالت علاقة مدنية السلطة والحكومة بالدين، إن
على صعيد النظر والفكر السياسي الاسلامي أو
في ميدان العمل والتطبيق الدستوري والفعلي،
علاقة يكتنفها الإبهام والغموض فلا هي علاقة
توحد وتطابق ولا هي علاقة افتراق وفصل.
كل النصوص الدستورية حملت
بشكل أو بآخر طابع الهوية الاسلامية، بعضها
حرص على الاعلان أن دين الدولة الاسلام،
وبعضها اكتفى بالإعلان أن دين رئيس الدولة هو
الاسلام وأن الفقه الاسلامي مصدر رئيسي
للتشريع، ولكن الدولة الدينية الاسلامية
التي قامت (لحراسة الدين ولسياسة الدنيا
بالدين) كما جاء في تعريف ابن خلدون بها، لم
تكن هي ما تعبر عنه بقية مواد الدستور فليس
مرجع التشريع مرجعاً دينياً ولا الشرائع
الناظمة للعلاقات من مدنية وجزائية وتجارية
ودولية وغيرها مما يمكن معه اعتبار أن الدين
هو الذي يسوس الناس.
في كل هذه الدساتير المكتوبة
تستمد السلطة الدستورية سلطاتها من الإرادة
الشعبية كما تقوم الهيكلية الدستورية على
الفصل بين سلطات التشريع والتنفيذ والقضاء،
وعلى ايلاء سلطة التشريع مجلساً منتخباً من
الشعب ليس من شروط العضوية فيه أن يكون النائب
من علماء الدين، فهل هذا يتوافق مع الدولة
الدينية الاسلامية، كما جاء في تعاريف علماء
الفكر الديني الاسلامي السياسي والاجتماعي
في قرون الاسلام الغابرة وهي الدولة التي
مستند السلطة فيها هو إلى (الشرع) أي الله وليس
إلى الشعب، مما ينجم عنه أن يكون للخليفة فيها
على (الأمة) حق الولاية العامة المطلقة
والطاعة التامة والسلطان الشامل في شؤون
الدنيا والدين (وأن يكون عصيانه من عصيان
الله، وأن تكون كل ولاية مستمدة منه، وكل
وظيفة متفرعة عنه (لاشتمال منصبه على الدين
والدنيا)؟
إن عديداً من دعاة الدولة
الدينية الاسلامية وقادة الحركات السياسية
الدينية الاسلامية أسهم في صياغة بعض هذه
الدساتير الحديثة، ولم يجدوا في (الشرع) ما
يتعارض مع المبادئ الدستورية والنظريات
الديمقراطية التي أمكن بها لدعاة الدولة
العلمانية في الغرب، أن يحملوا الكنيسة على
التخلي عن التدخل في الشؤون السياسية
والتنظيمية والقضائية للدولة والمجتمع وأن
تسلم بفصل الدين عن الدولة.
موقف
دعاة الدولة الدينية الاسلامية من الأنظمة
الدستورية الحديثة:
ندع جانباً موقف الذين، من
علماء الدين وقادة مراكز التوجيه الفكري
والديني في العالم الاسلامي، يقفون من كل ما
يتصل بحضارة الغرب وأنظمة حياته السياسية
والاجتماعية ومذاهبه الفكرية والاجتماعية
ومن كل ما تنشغل له أوساطه الثقافية
والسياسية موقف الرفض الشامل المطلق. هؤلاء
اعتبروا ويعتبرون التعامل مع أي جانب من
جوانب حضارة الغرب، ضعفا في الوازع الديني
وتخاذلاً في الاعتصام بالاسلام.
ونلاحظ فقط الذين، من علماء
الدين وقاعدة الحركات الدينية الاسلامية
الفكرية والسياسية ـ تعاطوا ايجابياً مع
الأنظمة الدستورية الغربية وفلسفتها في
الديمقراطية وفصل السلطات وغير ذلك.
لقد تجاوز هؤلاء صورة الدولة
الدينية الاسلامية، كما عرفها تاريخ
الإسلام، ولم يأخذوا بالمذهب الذي يعتبر
الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله وقوته من
قوته، وهو المذهب الذي تسري روحه بين لفيف من
العلماء وعامة المسلمين أيضاً.
إذا كان مذهب الخلافة يعتبر
الخليفة يقوم في منصبه مقام رسول الله، فيما
يتصل بحفظ الدين وسياسة الدنيا به، مما يضفي
على من أستخلف على منصب رسول الله مسحة دينية
وكأنما سلطانه هو من سلطان الله، ما دام هو
خليفة الرسول الذي أختاره الله لهذا المنصب،
فإن المذهب الذي اعتمده دعاة الدولة الدينية
الاسلامية يذهب إلى أن الخليفة يستمد سلطانه
من الأمة، فهي مصدر قوته وهي تختاره لهذا
المقام.
استناداً إلى هذا المذهب
انطلق هؤلاء الدعاة إلى اعتبار أن الدولة
الدينية الاسلامية، التي يستمد الخليفة فيها
سلطانه من الامة، غير محصورة في طريق معين،
وإنه إذا كانت الشورى هي الواجب الشرعي فإن
للدولة الدينية الاسلامية (أن توافق، في
كيفية الشورى، الأمم التي أخذت هذا الواجب
عنا وانشأت له نظاماً مخصوصاً، متى رأينا في
الموافقة نفعاً ووجدنا منها فائدة تعود على
الامة والدين) هكذا قال الإمام الشيخ محمد
عبده بل هو يؤكد (أن كل شكل من الأشكال نراه
مجلبة للعدل وجب علينا أن نتخذه، وكما يقول
ابن الجوزية: إمارات العدل، إذا ظهرت، بأي
طريق كان، فذاك شرع الله ودينه والله تعالى
أحكم من أن يخص طرق العدل بشيء ثم ينفي ما هو
أظهر منه وأبين).
وإذا كان قام، في الغرب،
نزاع بين السلطة الدينية والسلطة المدنية
فالإمام محمد عبده ينكر أن يكون في الاسلام،
أي شكل من أشكال السلطة الدينية، ليؤكد على
مدنية السلطة في الاسلام فيقول: ليس في
الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة
والدعوة إلى الخير والتنفير عن الشر، وهي
سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها
أعلاهم كما خولها الأعلى ليقرع بها الأدنى.
أما في شؤون الدين (فلكل مسلم أن يفهم عن الله،
في كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله، بدون
توسط أحد من سلف ولا خلف)(9)
ويضيف الاستاذ محمد عبده: (إن صاحب السلطة في
الاسلام حاكم مدني من جميع الوجوه، والأمة هي
صاحبة الحق وهي التي تخلع صاحب السلطة متى رأت
ذلك في مصلحتها). حكم ديمقراطي مدني كامل.
ومع أن الشيخ محمد عبده لا
يتنازل في كل ما طرح وفي كل ما جنح، عن وجوب
الدولة الدينية الإسلامية باعتبار الإسلام
ديناً ودولة، ولا عن التمسك بالجنسية الدينية
وليس بالجنسية القومية، فإن فصله بين المضمون
وبين كيفية تحقيقه، بين الشورى وكيفيتها، بين
العدل وطرق العدل، ثم تغليبه للمذهب الذي
يعتبر الخليفة يستمد سلطانه من الأمة، على
حساب المذهب الذي يرى سلطان الخليفة من الله،
كل ذلك كان في أساس موقف من أرتضى من دعاة
الدولة الدينية الاسلامية، بأن ينبع النظام
الدستوري لدولة الاسلام على غرار ما هو مثبت
في الدساتير الوضعية (العلمانية).
وإذا صح رأي هؤلاء من (دعاة
التحديث) بين طلاب الدولة الدينية الاسلامية،
فأن تحديثهم، وصل بهم، بعد وفاة الإمام محمد
عبده وسقوط الخلافة العثمانية إلى أن يقفزوا
فوق نظام الخلافة نفسه فيجنحوا إلى عـدم
تلازم نظام الخلافة مع الدولة الدينية
الاسلامية، بالرغم مما يذهب إليه العلماء
والفقهاء من أن نصب الخليفة واجب وأن الاجماع
انعقد على وجوب الخلافة وبالرغم مما استعر،
في أعقاب سقوط الخلافة العثمانية، من منازعات
فكرية ودينية لاهبة بين المتمسكين بالنظام
الاسلامي وقوامه نظام الخلافة وبين المفرطين
بالخلافة ممن اعتبروا مفرطين بالنظام
الاسلامي.
إن دعاة التحديث من طلاب
الدولة الدينية الاسلامية وقفوا، في كل
الشؤون المتعلقة بدولة الاسلام موقف
الانتقاء يأخذون ما اعتبروه في الأنظمة
الوضعية الغربية الدستورية جوانب خير وطرق
عدل، ثم يجنحون على صعيد الشرع إلى اعتماد ما
يساعدهم في تثبيت (شـرعية) موقفهم بنزوعهم نحو
المذاهب العقلية والشرعية التي تدعم موقفهم
الانتقائي.
ولكن هل كل علماء الدين
ورجال الفكر الاسلامي يتوافقون على وجوب
الدولة الدينية الإسلامية، على أساس أن
الاسلام دين ودولة، أم وجد في أوساط علماء
الدين ومفكري الاسلام، من يذهب إلى الفصل بين
الدين والدولة، بأدلة شرعية وعقلية استقاها
وانتقاها بدوره من تراث الإسلام الشرعي
والتاريخي؟
الفصل
بين الدين والدولة وأدلته الشرعية:
عام 1925 أصدر الشيخ علي عبد
الرازق، أحد علماء الأزهر والقاضي الشرعي
بالمنصورة، كتاباً باسم (الاسلام وأصول الحكم)
تطرق فيـه إلى موقف الاسلام الديني والشرعي
من الدولة، فأثار كتابه ضجة فكرية وسياسية
ودينية كبرى انتهت إلى إصدار الأزهر قراراً
باخراجه من زمرة العلماء وإصدار الحكومة
قراراً بأقالته من منصبه كقاضي شرعي والي
إصدار السراي قراراً بإقالة وزير الحقانية (العدل)
لإحجامه عن إقالة الشيخ من منصبه.
في كتابه الذي تناول بحث
الخلافة والإمامة والدولة من وجهة نظر الدين
خرج الشيخ العالم بنتيجة مؤداها أن نظام (الخلافة
ـ الدولة الـدينية) غريب عن الدين ولا أساس له
في المصادر والأصول المعتمدة للدين عند
المسلمين من كتاب وسنة.
ولما كانت قضية الخلافة، في
أعقاب سقوط الخلافة العثمانية، من أهم
القـضايا التي كانت شغل الأوساط الأسلامية
والدوائر السياسية الشاغل، باعتبار أن الملك
فؤاد، كان يعمل بكل قواه وتؤيده الدوائر
السياسية البريطانية، ليكون خليفة المسلمين،
فقد استشاطت دوائر القصر غضباً على الكتاب
وصاحبه، وأدت ضغوطها إلى قرار الأزهر بإخراجه
من زمرة العلماء وقرار الحكومة باقالته من
منصبه.
طرح الشيخ العالم مسألة
الاسلام كنظام سياسي فأنكرها وأنكر أي شيء
يسمى دولة إسلامية. أنكر أن يكون الرسول أسس
دولة إسلامية أو شرع في تأسيسها، وما قام به
الرسول خلا من كثير من دعائم الحكم فلا نظام
حكومي ولا نظام قضاة وولاة ولا نظام للشورى.
وفي سياق أدلته الشرعية
والعقلية على وجهة نظره، يقول:
" كيف يتفق أن يكون الرسول
ترك فراغاً أو إبهاماً في نظام الإسلام لو أن
الاسلام دين ودولة والله عز وجل قال: (اليوم
أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت
لكم الإسلام دينا).
ثم لو أن نظام الخلافة
والدولة الدينية من الدين لما نفاها الخوارج
وبعض المعتزلة ولو أن الخليفة منصب ديني لما
نازع أبو بكر رهط من الصحابة ورفضوا البيعة له
واستمروا على إسلامهم.
ثم إن الدعوة الاسلامية دعوة
دينية إلى الله تعالى ومذهب من مذاهب الإصلاح
للنوع البشري ومعقول أن يأخذ العالم كله بدين
واحد وأن تنتظم البشرية كلها وحدة دينية،
فأما أخذ العالم كله بحكومة واحدة وجمعه تحت
وحدة سياسية مشتركة فذلك مما يوشك أن يكون
خارجاً عن الطبيعة البشرية.
إن الدولة غرض من الأغراض
الدنيوية التي خلى الله بينها وبين عقولنا
وترك الناس أحراراً في تدبيرها على ما تهديهم
إليه عقولهم وعلومهم ومصالحهم وأهوائهم
ونزعاتهم. وعلى هذا جاءت سنة الرسول تقول: (أنتم
أعلم بشؤون دنياكم).
ويخلص الشيخ العالم إلى
القول (إن القرآن صريح في أن محمداً (ص) لم يكن
إلاّ رسولاً قد خلت من قبله الرسل وصريح في
أنه ليس على الرسول أن يأخذ الناس بما جاءهم
به ولا أن يحملهم عليه (إنما عليك البلاغ
وعلينا الحساب) فإن تولوا فإنما عليك البلاغ
المبين)،(وما أرسلناك إلاّ مبشرا ونذيراً).
وينتهي إلى أن يؤكد (التمس بين دفتي المصحف
الكريم أثراً ظاهراً وخفياً لما يريدون أن
يعتقدوا من صفة سياسية للدين الاسلامي ثم
ألتمس ذلك الأثر مبلغ جهدك بين أحاديث النبي.
تلك منابع الدين صافية بين يديك وعلى كثب منك
فالتمس منها دليلاً أو شبه دليل فإنك لن تجد
عليها برهاناً إلا ظناً وإن الظن لا يغني من
الحق شيئاً).
وإذا كان الاستاذ الشيخ علي
عبد الرازق تناول فكرة الدولة الدينية
الاسلامية ليوضح أنها ليست متلازمة مع الدين
من ضمن فحص ديني وفقهي واسع وعميق، فإن بعضاً
آخر من علماء الأزهر ما لبث أن وقف من الدولة
الدينية الاسلامية موقفاً معادياً واعتبرها
تتعارض مع الدين.
لقد وافق الاستاذ الأزهري
الشيخ خالد محمد خالد الشيخ علي عبد الـرازق
في البحث الشرعي والفقهي والعقلي حول عدم
تلازم الدين مع الدولة الدينية وحول أن
الاسلام ديـن عالمي ورسالة إنسانية وليس دولة
ولكنه لا يقف من الموضوع عند هذه الحدود بل
يتناول فكرة الدولة الدينية نفسها، على ضوء
التاريخ، وعلى ضوء النتائج التي عانت منها
المجتمعات الانسانية، بما في ذلك مجتمعات
الاسلام ــ ليؤكد أن الدولـة الدينية أداة من
أدوات (قتل الانسان) وبالتالي هي في تعارض مع
الدين في هديه واستهدافاته الروحية
والانسانية والاجتماعية. أولم تفرز طبقة
الكهانة الخبيثة ومعها شرور الإرهاب
والتكفير وخنق الرأي ودعم الاستعباد والقهر
والاستبداد.
ثم يتناول موقف الاسلام
العقلي من التشريع فيقول (الاسلام لا يفرض على
الناس أن يلتزموا في أمور دنياهم نهجاً
معيناً سوى ذلك الذي تمليه عليهم مصلحتهم
العامة وتلهمه إرادة التطور والارتقاء،
والاسلام يحترم حق الناس في التشريع لأنفسهم
ولم يهتم بالتشريع ولا بالقوانين إلاّ ليساعد
الناس على ضمان مصالحهم. لذلك لا يضيق الاسلام
ذرعاً بالقوانين الغريبة عنه ولا بالقوانين
التي لم يساهم في وضعها. فإذا وجد تشريع يرعى
المصالح باركه الاسلام، لأن الاسلام قام على
احترام كلمة العقل في التشريع.
والاسلام بدأ باقناع الناس
أن الجمود ضد طبائع الأشياء والشرائع (تتبدل
الاحكام بتبدل الازمان) وأن كل نصوص فيما يتصل
بالاحكام المنظمة لشؤون البشر تفقد ذاتها إذا
هي استعصيت على التعديل والتحوير والتطوير.
لقد جاء الفصح في القرآن كاسحاً يجرف المخاوف
والاوهام ليؤكد استبدال حكم بحكم في كل
الشؤون (الاحوال الشخصية، الأرث، عدة المتوفي)
ألا ما يتعلق بالعبادات وبالاخلاقيات كالأمر
بالعدل والاحسان والنهي عن المنكر والفحشاء
والبغي.
وتطالعنا كتب الشيخ خالد
محمد خالد زاخرة بالنقاش والفقهي حول دول
العقل في الاسلام، في شؤون الايمان كما في
التشريع بل وموقف الاسلام العقلي من حدود
الله وكيف طور الاجتهاد والرأي، الفقه
الاسلامي تطويراً بعيد المدى وكيف لعبت قاعدة
(المصالح المرسلة) أي المصلحة العامة دورها
الرئيسي في تلبية الضرورات والمصالح.
ويتناول تباين المجتمعات
وكيف أنها من أهم العوامل في التباين
والاختلاف بين المذاهب الفقهية وكيف أن مذهب
الامام مالك في الجزيرة العربية، شديد البعد
عن الرأي بعكس المذهب الذي ترعرع في بغداد
التي اختزن عقلها الباطن كثيراً من الثقافات
القانونية والعقلية فكان أن سمي مذهب الرأي (مذهب
أبو حنيفة. ويذكر كيف أن الشافعي في بغداد حين
انتقل إلى مصر تغيرت نظراته الفقهية وأنشأ
مذهباً جديداً مختلفاً وحين سئل عن سر هذا
التحول أجاب في بساطة وصدق (لقد سمعت أشياء لم
أكن سمعتها. ورأيت أشياء لم أكن رأيتها) أي أن
الشافعي استخدم حواسه، سمعه وبصره فتأقلمت
بالحياة الجديدة شخصيته وبالتالي فكرته
ويضيف هل فرغت وانتهت مستحدثات الحياة: أن
الايام مثقلات بكل جديد تنتظر الاذن التي
تسمع والعين التي ترى.
ويؤكد الاستاذ خالد أن
استعمال العقل في تطوير الفقه الاسلامي لم
يعرف الحدود والحواجز وأن الحكمة المقصودة من
الفقه هي تلبية الضرورات والمصالح لذلك كان
الفقه هو العلم المستنبط بالرأي والاجتهاد
ويحتاج فيه إلى النظر والتأمل.
ويحيل الاستاذ خالد محمد
خالد على ما ورد عن الامام نجم الدين الطوفي
الحنبلي ـ وهو من هو. من علماء المسلمين
(إذا تعارض النص من قرآن وسنة مع المصلحة
قدمت المصلحة على النص) فقيل له (هذا أفتيات
على النص) قال (بل هذا تخصيص له وتبيان) قيل له (الشرع
أعلم بالمصلحة فلتؤخذ من أدلته (أي أدلة الشرع)
أجاب (المصلحة نفسها من أدلته (أدلة الشرع) وهي
أقوى الادلة وأولاها بالاعتبار)..
ويسوق الاستاذ خالد محمد
خالد كل هذا ليؤكد أن الدولة المدنية لا
تتعارض مع الدين بل هي تعزيز له لأن لا نهضة
للمجتمع ولا بقاء للدين نفسه إلاّ بالحد من
سلطة الكهانة وفصل السلطة المدنية عن السلطة
الدينية. فالدين لن يقوى على تحقيق أغراضه
السامية إلاّ عن هذا السبيل.
وإذا كان الفكر الاسلامي وجد
من علماء الدين ورجال الأزهر، من ينكر الوجوب
الشرعي للدولة الدينية في الاسلام، ومن يتصدى
للدولة الدينية كعامل من عوامل أفساد الدين
نفسه، ومن رفع لواء العقل في الشريعة
الاسلامية ودوره الديني في رعاية المصلحة
الاجتماعية وتحقيق النهوض المناقبي والروحي
والمادي في حياة الانسان، في اطار النظام
المدني الذي يقيمه، فإن العديد من المفكرين
الاسلاميين ذهبوا، في تأكيدهم على الدولة
العلمانية، إلى أبعد وأطلقوا دعوة تثوير
الفكر الديني الاسلامي.
يكفي أن نعود إلى الدكتور
محمد نويهي في كتاباته لنرى، أنه من خلال درسه
للدولة المدنية على هدى تعاليم القرآن، يكشف
أن معظم الاحكام الفقهية لم تستخرج من الكتاب
والسنة بل أخذت عن تشريعات البلدان المفتوحة
ومعاملاتها وأنظمتها على أساس عدم مخالفتها
المثل الاسلامية العليا.
وهو يخلص بالتالي أن ليس ما
يمنع علينا، ونحن نواجه تطوراً أسرع وأكبر
جسامة من كل ما واجهه المشرعون القدامى حين
فتحوا الامصار واختلطوا بالشعوب الاخرى، أن
نأخذ من التشريعات ما لا يتعارض أو ما يدعم
المثل الاسلامية العليا. وأن ما قرره القرآن
من أوامر ونواه ليس على درجة واحدة من
الالزام، فمنه المكروه ومنه الحرام ومنه
المباح ومنه الواجب ومنه الفرض، وحتى الاحكام
الملزمة عمد الخليفة عمر ابن الخطاب إلى
ايقاف تطبيق بعضها أو الغائه الغاء تاماً على
قاعدة المصالح المرسلة وأن كل التشريعات التي
تخص أمور المعاش الدنيوي والعلاقات
الاجتماعية بين الناس والتي يحتويها القرآن
والسنة، لم يقصد لها الدوام وعدم التغير، لم
تكن إلا حلولاً مؤقتة احتاج لها المسلمون
الاوائل وكانت صالحة وكافية لزمانهم ولكنها
ليست بالضرورة صالحة وكافية لنا (تتغير
الاحكام بتغير الزمان).
حتى أحكام الفرض والحرام
القرآنية ليس من الضروري أن تبقى كذلك، ذلك أن
مبدأ المصلحة العامة يقف دائماً وراء كل
تشريع كما يقرر الفقهاء (والضرورات تبيح
المحظورات) (ودفع الضرر مقدم على جلب الخير)
ويضرب الدكتور محمد نويهي مثلاً على ذلك،
نصيب الانثى كنصف نصيب الذكر وأنه إذا كان هذا
في وقته صالحاً وكافياً، في الطور الاجتماعي
والاقتصادي الذي كانت عليه أوضاع الحياة
الاقتصادية والعائلية والاجتماعية فإن
أحوالنا الاجتماعية والاقتصادية تغيرت
تغيراً يستلزم تعديل التشريع القرآني:
فالاوضاع التي كانت تفرض على الرجل التزامات
مالية لا تفرضها على المرأة، طرأ عليها من
التغيير ما طرأ، فهل تبقى الحال على ما كانت
عليه؟
وإذا كان الدكتور نويهي يطرح
مثل هذه الفكرة الثورية بعدم ضرورة ابقاء
الاحكام القرآنية في الفرض كما كانت. ويطرح أن
التشريعات التي تخص أمور المعاش الدنيوي
والعلاقات الاجتماعية بين الناس والتي
يحتويها القرآن الكريم والسنة الشريفة لم
يقصد لها الدوام، فإن الاستاذ العلامة الشيخ
عبدالله العلايلي يذهب إلى أنه لا تناقض بين
الاسلام والعلمانية ويطرح قضية الزواج
المختلط الذي تثور حولها المجادلات فيقول:
(بين آونة واخرى، تعصف، في
الساحة، دينياً وقومياً، قضية الزواج
المختلط، ويتفاقم النزاع فيها إلى درجة
التراشق بالمروق والكفران والخروج من الله.)
درج الفقهاء بشكل اجماع على
القول بعدم حلية الزواج بين كتابي ومسلمة.
والاجماع وإن يكن حجة عند من
يقول به منهم، فهو، في هذه المسألة بالذات، من
نوع الاجماع المتأخر الذي لا ينهض حجة إلاّ
إذا استند إلى دليل قطعي، ولذا لم يأخذ أبو
حنيفة باجماع التابعين بقولته الشهيرة (هم
رجال ونحن رجال).
وبالرجوع إلى القرآن، وهو
المصدر الاستدلالي الأول للفقه، نجد آيات
تنير أمامنا البحث: (ولا تنكحوا المشركات حتى
يؤمن، ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم،
ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن
خير من مشرك وان أعجبكم) (سورة البقرة).
(اليوم أحل لكم الطيبات
وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل
لهن، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من
الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) (سورة المائدة).
وبعد أن يناقش الاستاذ
العلايلي آية (البقرة) المذكورة لاثبات أنها
لا تنهض دليلاً على من يدعي بعدم حلية الزواج
بين كتابي ومسلمة ويناقش معها الآيات التي
يصح الاستئناس بها ويرى أنها هي أيضاً لا تصلح
للحجية يعود إلى آية (المائدة) ويقول ما يلي:
(فلنحصر النظر بآية المائدة
وحدها إذن، فهي صريحة في حلية الطعام بتبادل.
وفي الزوجية في حليتها بين مسلم ومحصنة من أهل
الكتاب، وهذا في ظني ما أوهم الفقهاء، قديماً
وحديثاً، وما دروا أن الآية القرآنية
الكريمة، شأن النظم القرآني كله، خارجة مخرج
الاكتفاء، فهو بعد أن نص على التبادل في حلية
الطعام عطف عليه الزوجية كذلك.
وإن الاحتجاج بأن الاقتصار
في مقام البيان يفيد الحصر فليس بوارد مع
العاطف... وقياس المسكوت عنه من انكاح مع
المنطوق به من الأكل أولى، وهذه كل كلية قررها
ابن رشد في بداية المجتهد في غير هذا المطلب
ولكن يمكن تطبيقها عليه).
ويردف الاستاذ العلايلي (ولا
يتوهمن متوهم أنني في سياق دعوة جديدة إلى عقد
مدني إلاّ كان بحثي أصلاً من نوع (تحصيل حاصل)
فالعقد الزواجي في الاسلام عقد مدني بكل
معناه إلاّ في بعض نواشئ، أكثرها مالي، لا
يعتد بها اعتداداً يخرج العقد عن هذا النعت
على أن الناشئ المالي من أهل الكتاب، ساقط
أصلاً، ما دمنا نجعل اختلاف الدين المانع
محصوراً بالشرك وحده).
الخلاصة:
ماذا يمكن أن نستخلص من كل ما
عرضنا فيما يتعلق بموقف الاسلام من علاقة
الدين بالدولة.
أولاً: (ان اسلامية الدولة أو
الاعلان عن اسلامية الدولة أمر يرضي المسلمين
بأغلبيتهم، وهي الأغلبية التي ــ كما ذكر أحد
قادة الأخوان المسلمين المصريين، في معرض
الدفاع عن دينية الدولة ــ من حقها باعتبارها
أغلبية، وطبقاً للأنظمة الديمقراطية أن تأخذ
بالنظام الذي تراه).
وحين يفسر هذا القيادي
موضوعة (دين الدولة الاسلام) يقول (أن النص على
دين الدولة الاسلام، في صياغته ركاكة لأن
الدولة شخصيتها معنوية لا مادية، والشخصيات
المعنوية لا تتدين).
ويردف (الاسلام مجموعة
أنظمة، فهو نظام ديني ونظام سياسي واقتصادي
واجتماعي، وما يتعلق بالدين خاص بالمسلمين
وحدهم ولا ينطبق على غيرهم، وما عدا ذلك
فينطبق على الجماعة كلها، باعتباره تشريعاً
ونظاماً دنيوياً.
وأنظمة الاسلام الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية هي خير ما عرفه العصر
الحديث، فإذا نص الدستور الجديد على أن مصر
دولة اسلامية أو دولة يقوم نظامها على
الاسلام، فليس في ذلك ما يمس عقائد غير
المسلمين وهو في نفس الوقت أمر يرضي المسلمين
الخ...).
ان
دعاة الدولة الدينية الاسلامية ينقسمون مع
ذلك إلى فئتين:
فئة أولى ترفض كل ما يتصل
بحضارة الغرب وأنظمة حياته السياسية
والاجتماعية بدافع الوازع الديني الذي يأبى
إلاّ الاعتصام بالاسلام، في الشكل والكيفية
التي حملتها الينا أخبار التاريخ وبطون
الكتب، بما في ذك الخلافة الملازمة لنظام
الحكم الاسلامي، عندهم باعتبارها واجبة
الوجب شرعاً أو عقلاً. هذه الفئة هي الأضعف
شأناً وتأثيراً في التيارات الدينية
المعاصرة وأن تكن طروحاتها تستهوي عاطفة
المسلمين وتفيد الفئة الثانية من تأثيرها
العاطفي على عامة المسلمين استفادة كبيرة.
فئة ثانية يمكن تسميتها دعاة التحديث في
الدولة الدينية الاسلامية وهي تجد سندها
الكبير في طروحات الامام الشيخ محمدعبده
وموقفه الانتقائي وعنها عبر القيادي
الاخواني الذي أوردنا بعضاً من أفكاره في
دفاعه عن اسلامية الدولة.
(انطباع) المطلوب، بالنسبة
إلى هؤلاء، هو أن تأخذ الدولة بالنظام
السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يقدمه
الاسلام، باعتبار أن (النظام الديني شأن خاص
بالمسلمين وحدهم وليس بالجماعة كلها)، ويرون
أن في ذلك تحقيقاً لأرادة الأغلبية، وفقاً
للأنظمة الديمقراطية، ما دامت الأغلبية
مسلمة ومن حقها أن تأخذ بالنظام الذي تراه.
ومع ذلك فإن النظام السياسي
للدولة، حين شارك في صياغته هؤلاء وأقروه، لم
يخرج عن البنى الدستورية في الأنظمة
الدستورية الوضعية المعمول بها في الدول
الغربية (العلمانية).
وقد أوضحنا أن تفسير ذلك
يعود إلى أنهم يميزون بين الشورى التي هي واجب
وبين كيفيتها، بين العدل وطرق العدل وآيتهم
في ذلك كما جاء على لسان الاستاذ الامام محمد
عبده، انه ليس من (أن توافق الدولة الاسلامية،
في واجب الشورى، الامم التي أخذت هذا الواجب
عنا وأنشأت له نظاماً مخصوصاً، متى رأيناه في
الموافقة نفعاً ووجدنا منها فائدة تعود على
الأمة والدين باعتبار أن كل شكل من الاشكال
نراه مجلبة للعدل وجب علينا أن نتخذه، ذلك أن
امارات العدل، إذا ظهرت، بأي طريق كان، فذلك
شرع الله ودينه).
أما بالنسبة للنظام
الاقتصادي والاجتماعي، فإن موقف هؤلاء لا
يختلف في هذا الموضوع، عن موقفهم من النظام
السياسي المجيز موافقة الامم الاخرى فيه على
قاعدة النفع والفائدة بالنسبة إلى الأمة
والدين.
حين أقر دستور الجمهورية
السورية عام 1950، كانت قد نشبت معركة لاهبة حول
النص على أن دين الدولة الاسلام، انتهت بالنص
على أن دين رئيس الجمهورية الاسلام والفقه
الاسلامي مصدر رئيسي للتشريع.
وفي أعقاب ذلك نص الدستور في
أحكامه الانتقالية، وبناء على طلب دعاة
الدولة الدينية الاسلامية (الاخوان وغيرهم)
على تشكيل لجنة خاصة تسمى بلجنة القوانين
العامة مهمتها اعادة النظر في التشريعات
النافذة، لجعلها متوافقة مع الدستور
وبالتالي مع الفقه الاسلامي.
وكانت صدرت، قبيل ذلك،
قوانين الجزاء المدنية والعسكرية والقانون
المدني وقوانين العمل والتجارة وغير ذلك
وكلها تشريعات أثارت الاوساط الدينية إذ تم
استبدال أحكام المجلة بها فأنيط بلجنة
القوانين العامة، النظر بهذه التشريعات وكشف
ما هو مخالف للفقه الاسلامي فيها.
وتشكلت لجنة القوانين
العامة وضمت عدداً من دعاة الدولة الدينية
الاسلامية والنظام التشريعي الاسلامي، من
نواب ومن غير النواب من أساتذة الفقه
والقانون في الجامعة السورية كما ضمت عدداً
من النواب يمثلون مختلف التيارات السياسية في
المجلس النيابي.
وعقدت اللجنة الاجتماعات
المتواصلة على امتداد عام بكامله، تدارست
وقلبت النظر في كل هذه التشريعات ولم تستطع أن
تتقدم من المجلس النيابي بنتيجة واضحة محددة
فكان أن قرّر المجلس النيابي على ضوء
النتائج، اعتبار مهمة اللجنة منتهية وأن ليس
في التشريعات ما يتعارض مع الفقه الاسلامي.
كان هذا في الجمهورية
السورية وإذا أضفنا أن الدول التي ينص
دستورها أيضاً على ما يسمى بالنظام الاسلامي (دين
الدولة أو غير ذلك) هي أيضاً تطبق القانون
المدني المستمد من قانون نابليون وقوانين
الجزاء وغيرها دون أن يغير النص على اسلامية
النظام من واقع تنفيذ هذه القوانين الوضعية (الغربية
الطابع) أمكننا أن نستدل أن دعاة النظام
الاسلامي، لم يجدوا ضيراً من القبول (بأخذ
الانظمة القانونية المخصصة حين وجدوا في
الموافقة عليها نفعاً وفائدة تعود على الامة
والدين وأن امارات العدل، إذا ظهرت، بأي طريق
كان، فذاك شرع الله ودينه).
معنى كل هذا، وعلى ضوء
التوافق الواقعي والعملي لدعاة الدولة
الدينية الاسلامية مع الأنظمة الدستورية
والتشريعية المنسوجة على غرار التشريعات
الغربية وأنظمتها، فإن النص على اسلامية
الدولة أي الدولة الاسلامية أو ما هو في
معناها انما ينشدون منه أثراً واحداً وحيداً،
هو تحقيق التجاوب مع مشاعر عامة المسلمين
التي تؤمن بالاسلام، ديناً ودولة، والتي يعز
عليها اسقاط شمول الاسلام للدولة، كي لا يحسب
انها فرطت بحق دينها، وبحقها كأغلبية في أن
تأخذ بالنظام الذي تراه).
ترى إذا كان مفهوماً من عامة
المسلمين أن يكون تعلقها بدينها وفهمها
للاسلام، ديناً ودولة، يكفي فيه عندهم
الاعلان بأن دولتهم اسلامية فكيف يمكن فهم
اولئك الذين يغذون في عامة المسلمين هذا
التعلق والتمسك بالنص على دينية الدولة باسم (ان
أنظمة الاسلام الاقتصادية والاجتماعية
والسياسية هي خير ما عرفه العصر الحديث وباسم
(ان من حق الاغلبية، طبقاً للأنظمة
الديمقراطية أن تأخذ بالنظام الذي تراه). فلا
تبدو مقهورة الحقوق، مثلومة الارادة، دون وجه
حق، ثم عند الممارسة نجدهم يأخذون بالنظام
السياسي الوافد، دون تعديد (اسلامي) يذكر،
ويرتضون بالتشريعات الناظمة للعلاقات
الاجتماعية المستمدة من القوانين الغربية
الوضعية في اطار (ان الكيفية، كيفية التحقيق،
يمكن الاخذ فيها عن الامم الاخرى، متى رأينا
في هذه الموافقة نفعاً ووجدنا منها فائدة
تعود على الامة والدين..؟) هل يغيب عنهم، (انطباع)
الأنظمة، كل الأنظمة هي الوسائل والأدوات، أو
هي كما يعبرون هم، ليست سوى الكيفية، كيفية
تحقيق المثل والموجبات الدينية والانسانية
العليا وهي هذه المثل والموجبات التي لعب
الدين دوره الرئيسي في شحن النفوس والعقول
بها).
وهل إذا لم ينص على اسلامية
الدولة، يصار إلى صياغة الأنظمة على غير
قاعدة النفع والفائدة للأمة أو (للدين) في
المثل والتطلعات التي يدعو إليها.
وماذا تكون عملية التفاعل مع
الغير وعملية كشف النفع والفائدة وتحديدهما،
(انطباع) لم يكن مرجعها اعمال العقل الانساني،
على هدى تعاليم القرآن الانسانية
والوجدانية، في تدبر الأصلح والأصح في
التشريع للناس والنهوض بالمجتمع والانسان.
ونأتي إلى بدعة ديمقراطية
الأكثرية الدينية التي باسمها وتحت شعارها
تتم الدعوة للدولة الدينية الاسلامية.
وقفة
مع الديمقراطية
الديمقراطية، ودون أن نعوض
في أبحاثها الدستورية أو المضامين
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي
تتوازع مذاهبها، تعني، في أبسط مفاهيمها
التلازم بين سيادة الارادة الشعبية وحرية
الارادة الشعبية ومصلحة الارادة الشعبية
بحيث جاء القول الجامع المانع في تعريفها: هي
حكم الشعب، بالشعب وللشعب.
انها تقوم على الارادة
الشعبية منطلقاً وحرية ومصلحة وهي في قيامها
على مبدأ سيادة الارادة الشعبية وحريتها
ومصلحتها تدرك أن الارادة الشعبية ليست شأناً
جامداً ساكناً منفصلاً بل ارادة حية فاعلة
متوثبة تتفاعل مع معطيات الحياة في تنامي
قيمها ونمو حركتها ومصالحها وحاجاتها.
الارادة الشعبية هي فعل الثقافة المادية
والروحية والفكرية والمناقبية في المجتمع. من
خلال حركة نموها الذاتي ومن خلال فعل تشابكها
مع مصلحة الحياة في المجتمع والعالم، كل ذلك
في اطار نظام من المؤسسات.
وإذا كانت الارادة الشعبية
لا تتقيد في الديمقراطية إلاّ بذاتها، فإن كل
ما يتجه إلى الحجر على حريتها في التفاعل مع
الحياة ومع مصلحتها في الحياة يسجل اعتداء
على سيادتها وخروجاً على حريتها وانتهاكاً
لمصلحتها.
ثم إذا كانت الديمقراطية
اشكالاً من الديمقراطيات إلاّ انه لا
ديمقراطية خارج نظام من المؤسسات تتوزع
السلطات والصلاحيات، وفي اطار كل منها تنصاع
الأقلية لقرار الأغلبية حسبما ينص على ذلك
النظام الذاتي في كل مؤسسة.
لا تختزل أو تشوه
الديمقراطية بأنها خضوع الأقلية لحكم
الأكثرية وانما هي نظام من المؤسسات التي
يمارس كل منها سلطته وصلاحياته من ضمن قرارات
الأكثرية في كل منها حسبما يحدد ذلك النظام
الذاتي لكل مؤسسة من مؤسساتها.
لذلك لا يمكن التحدث عن
الديمقراطية بمعزل عن نظامها ونظام مؤسساتها.
من داخل نظامها تكون الديمقراطية وتتشكل
الاكثرية التي لها التقرير.
أما المعتقدات الدينية
فليست هي الفيصل الذي يحدد الاكثرية والاقلية
في أي مؤسسة من مؤسسات الديمقراطية وليس
نظاماً ديمقراطياً (النظام) الذي ينيط بدائرة
النفوس وسجلاتها أن تكون هي جهاز الديمقراطية
في التعبير عن الارادة الشعبية والحرية
الشعبية والمصلحة الشعبية.
وكأني بمن يريد أن يستبدل
دوائر النفوس والاحصاء بمؤسسات السياسة
والحكم والتشريع الديمقراطية، يتوهم دوائر
النفوس مؤسسة تشريع أو جمعية تأسيسية لسن
دستور المجتمع، فضلاً عن ضلاله الخطير في
توهم المجتمع تراكماً عددياً لمجموعات من
الافراد واعتباره أن ما هو مدون على الهوية،
هو بديل ديمقراطي عن حق الانسان في الرأي
والقرار أو تصويت ديمقراطي على القانون
والدستور أو تفويض ديمقراطي في التشريع
والحكم.
حين تغدو دوائر النفوس هي
مرجعنا في التعبير عن سيادة المجتمع وحرية
المجتمع ومصلحة المجتمع تنتفي الحاجة إلى
مؤسسات تشريع وقوانين انتخاب واقتراع وتنبت
مؤسسات اخرى ويغدو طبيعياً، عندها أن يتخذ
الصراع (الديمقراطي) وجهة الاكثريات
والاقليات الدينية ولا يعود، من ثم، من حقنا
أن نفاجأ (بديمقراطية) الفتن الدينية
والحزبيات الدينية ولا أن نفاجأ (بديمقراطية
التشريعات والاوامر) بالذبح والسحل والتهجير
على الهوية الطائفية باسم أكثرية دائرة
النفوس في المنطقة والاقليم والحي.
في الديمقراطية من حق كل
اتجاه أن ينشط لتوجيه الاكثرية في الشعب
باتجاه تطلعاته ونظامه وحلوله، ليكسب، في
اطار مؤسسات الحكم الديمقراطية، أغلبية
القرار، أما أن يرفع احصاءات النفوس بديلاًُ
عن النضال الديمقراطي الشعبي، فمؤشر إلى
عقلية ونهج أنتجا، في تاريخ البشرية، محاكم
التفتيش ومذابح الاضطهاد الديني باسم
الأكثرية المؤمنة وينتجان، على صعيدنا نحن،
أقبح ما عرفه تاريخنا الحضاري من أحقاد
ومذابح وفتن دينية وطائفية وأحط الافرازات
والطروحات الفكرية المهدمة لوحدتنا
الاجتماعية الانسانية.
يبقى أن دعاة الدولة الدينية
الاسلامية، في دعواهم لتطبيق نظام الاسلام
السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفي أخذهم،
عند التطبيق، بالكيفية التي نجد فيها النفع
والفائدة للامة، استثنوا أحكام الاحوال
الشخصية وحدها من تطبيق مبدأ اتباع امارات
العدل، إذ أظهرت، بأي طريق كان، وكأنما أحكام
الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وارث ونسب وكل
ما يتصل بالحياة الاسروية هي كالعبادات سواء
بسواء وكأنما أركان الاسلام الخمسة تقرن هي
الاخرى بركن سادس هو أحكام الاحوال الشخصية
وحدها دون سائر الاحكام.
لقد رأينا كيف أن هذه
الاحكام ليس عليها اتفاق فقهي عام، ورأينا
علامة كبيرا كالاستاذ الشيخ عبدالله
العلايلي يرى أن الزواج المختلط بين مسلم
وكتابية كما بين كتابي ومسلمة، يجيزه القرآن
الكريم وقد استدل على ذلك من آية المائدة، كما
أن ليس من نص قرآني آخر يمكن الاستدلال به على
العكس.
ورأينا أن الاستاذ العلايلي
يسخر ممن يتوهمون أن العقد الزواجي في
الاسلام هو عقد ديني فيقول أنه عقد مدني بكل
معناه وكلنا نعرف كم هو ميسر عقد الزواج في
الاسلام (شاهداك زوجاك).
وإذا أضفنا ما أخذ رجال
الفكر الاسلامي يطرحونه فيما يتعلق بفرائض
المواريث وكل ما يتصل بشؤون الاحكام الشخصية،
من موقف ثوري يأخذ بقاعدة تبدل الاحكام بتبدل
الازمان، وبقاعدة (دفع الضرر أولى من جلب
المنفعة) وبقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)
مع دراسة التبدل والتطور الذي طرأ على الحياة
الاقتصادية والاجتماعية العامة وما نشأ عنه
من أطوار والتزامات ومواضعات أسروية ومعاشية
جديدة، كان لنا أن نتساءل ما إذا كان موقف
التحديثيين من دعاة الدولة الدينية
الاسلامية، في الشحن ضد القانون المدني
للزواج، مع أن عقد الزواج الاسلامي هو مدني
بكل معنى الكلمة، وفي اخراج أحكام الاحوال
الشخصية في شؤون الطلاق والميراث من الخضوع
للمبدأ الفقهي الرائع فيما يتصل بأنه حيث
تكون المصلحة وحيث تكون امارات العدل فذاك
شرع الله ودينه، إذا لم يكن كل ذلك هو لتجميد
الاوضاع الشخصية للمسلمين فيكون لهم مبرر
حركاتهم السياسية المستظلة للدولة الدينية
الاسلامية ويكون لهم في ذلك ما يدعم نشاطهم
السياسي باستغلال عاطفة عامة المسلمين
الدينية وتعبئتها لصالح أغراضهم السياسية.
العلمانية والمادية:
يبقى أن نشير أن عالماً
دينياً جليلاً في معرض معارضته لفصل الدين عن
الدولة يقرن بين المادية وبين العلمانية
وحجته في ذلك أن العلمانية هي وليدة الحضارة
الحديثة وافراز من افرازات فلسفتها المادية،
وانها بالتالي وليدة النظرة المادية للكون
والانسان التي يرفضها المتدينون بوجه عام ــ
مسيحيون ومسلمون ــ ومسلمون بوجه خاص.
لا نريد أن ننساق إلى اعتبار
الموقف من الدولة الدينية هو موقف من الحضارة
الحديثة ولكننا، في معرض تفنيد أن تكون (افرازات).
الحضارة الحديثة كلها موسومة بالمادية،
تتوقف عند موافقة اتباع مذهب الانتقاء من
دعاة الدولة الدينية وفيهم الأئمة الكبار
كالاستاذ محمد عبده وفيهم قادة الحركات
السياسية الدينية كجماعة الاخوان المسلمين،
على أخذ ما وجدوه نافعاً ومفيداً في بني
الدولة الدستورية كما وفي تشريعاتها
الاساسية الناظمة للعلاقات الاجتماعية
والاقتصادية والدولية.
وما نحسب أن ما أخذه هؤلاء
الدعاة الدينيون يمكن ادراجه في اطار (علوم
الطبيعة ومناهجها التجريبية العلمية وما
يؤدي ذلك بالضرورة إلى تنظيم الحياة في
المجتمع تنظيماً شاملاً للاستفادة من منجزات
العلم)، بل أن ما أخذوه يتصل بما يمس معايش
الناس وعلاقاتهم الانسانية التي لا تدخل في
دورة العمل والانتاج والاستهلاك، بل تدخل في
صميم البنى الثقافية والروحية وقيم الحياة
العليا.
ولولا أن تكون هذه البنى
الناظمة والفاعلة في العلاقات الانسانية
مساعدة على النهوض النفسي والوجداني
والاخلاقي في الانسان والمجتمع وليست
بالتالي من النزعات الالحادية أو الغرائزية
المادية لما وجدوا فيها (امارات العدل التي
إذا ظهرت، فذلك يكون شرع الله ودينه).
فإذا لم تكن كل (افرازات)
الحضارة الحديثة موسومة بميسم المادية
الالحادية والغرائزية، فلماذا يكون فصل
الدين عن االدولة بالذات يحمل طابع المادية
الالحادية ويطبع علاقات الناس بهذا الطابع.
في معرض اعتراضه على ركاكة
الصياغة المتعلقة بالنص على أن دين الدولة
الاسلام، أشار أحد قادة الأخوان المسلمين إلى
حقيقة أن الدولة شخصية معنوية وأن الشخصيات
المعنوية لا تتدين. كذلك نحن نقول أن الشخصية
المعنوية لا يمكن وسمها لا بالمادية ولا
بالروحية، وأن الدولة، في حقيقتها وطبيعتها،
مظهر حقوقي وسياسي للمجتمع.
لذلك فإن ما يشيع في المجتمع
معاييره الاخلاقية وقيمه المناقبية ونظامه
العام، هو من فعل الثقافة المادية والنفسية
والروحية والفكرية الفاعلة فيه.
وإذا كان فصل الدين عن
الدولة يعني حياد الدولة تجاه الاديان وتجاه
مؤسساتها بما فيها المؤسسات التربوية، فليس
يعني هذا وضع العصي في طريق دعاة الدين
ومؤسساتهم في أضطلاعهم بمسؤولياتهم، في
التثقيف المادي والنفسي والروحي والفكري
والمناقبي لتشيع في الحياة العامة
ومعاييرها، القيم التي تصون الانسان
والمجتمع من فشو الغرائزية والمادية
الالحادية.
ليست الدولة هي التي تشيع
الفاحشة أو الشذوذ أو المادية الإلحادية، ولم
تمنع دينية الدولة واسلاميتها في التاريخ، من
ظهور الملاحدة وأنماط الفسق والفجور والتفلت
الغرائزي، وان معالجة ذلك هو شأن ينهض به رجال
الدين والاصلاح وقادة الفكر والمؤسسات
الاجتماعية والتربوية في المجتمع، في اطار
التوعية الانسانية والدينية وليس في أي اطار
آخر.
(انطباع) المظهر الحقوقي
والسياسي للمجتمع، الذي هو الدولة، يبقى
مستمداً من السوية الاخلاقية والمناقبية
والروحية العامة في المجتمع. وفي الدولة
العلمانية في الولايات المتحدة الاميركية،
صدرت، بعد الحرب العالمية الاولى، قوانين
تحريم الخمور ومنع صنعها والاتجار بها تحت
طائلة العقوبات الجزائية، ولم يمنع هذا من
نمو مؤسسات التهريب وشبكات (المافيا)، وفي
الدول العلمانية عقوبات جزائية صارمة على
المتاجرة بالمخدرات وتعاطيها ولم يمنع هذا من
اتساع نطاق المدمنين ونشاط شبكات التهريب
الدولية.
وفي أوساط الدول الاسلامية
التي تلتزم بايقاع الحدود في متعاطي الخمر
والميسر والفحشاء تتحدث الاخبار عن فضائح
المخدرات والخمور وكل ألوان الفاحشة والشذوذ
بفعل ضعف الوازع الاخلاقي والمناقبي والديني.
(انطباع) النهوض بالسوية
الاخلاقية والمناقبية والروحية هو مسؤولية
فعل الثقافة، ثقافة الدين وثقافة الفكر
وثقافة النفس وثقافة المشاعر، وما الدولة
كمظهر حقوقي وسياسي للمجتمع، سوى نتاج فعل
هذه الثقافة في المجتمع، تتأثر بها في
قوانينها كما تتأثر في ممارساتها.
حياد الدولة لا يعني تعطيل
دور الدوائر والمؤسسات التي تؤمن بالانسان
كائناً أخلاقياً، وحين تفعل في المجتمع قيم
الاخلاقية الانسانية الصحيحة، بفعل التوعية
والتوجيه الديني والفلسفي الاجتماعي السليم،
ينعكس فعل القيم على النفوس كما ينعكس على
النصوص ومبادئ النظام العام.
لا خوف على الاسلام، ديناً
ونظرة أساسية للوجود والانسان، أن يتعطل فعله
في المجتمع، في ظل الدولة العلمانية، وهي
التي تنص على احترام الاديان واحترام ممارسة
شعائرها وقيام مؤسسات التوجيه والتربية
بدورها، ولا خوف من أن ينحدر النظام العام، في
ظل الفصل بين اطار الدين وبين اطار الدولة، في
فهمه لمبدأ الحرية الشخصية بالذات، إلى دركات
اباحة الناس لرغباتهم وشهواتهم، إلاّ حين
يتخلى فعل الثقافة الدينية والمناقبية عن
دوره لتطفى الاباحية ومعاييرها الذاتية
المادية، أن مبدأ الحرية الشخصية هو المبدأ
الذي رفعه الاسلام عالياً وركز عليه قواعد
المسؤولية في الدنيا والآخرة.
وإن ما ينبغي التنبه له هو أن
مبدأ الحرية الشخصية، في الدولة العلمانية،
هو مبدأ مناقبي وأنه ككل المبادئ المناقبية
يخضع في تطوره لسوية المعايير المنبثقة عن
ثقافة المجتمع الروحية والمادية والدينية: هو
نتاج لصنع أيدينا، نتاج صنع مؤسساتنا
الثقافية ومادة الفكر والتوجيه والبناء
الاخلاقي والمناقبي والديني في المجتمع.
وإذا كان مبدأ الحرية
الشخصية أفسح في المجال لظهور المذاهب
الفكرية والفلسفية على اختلافها فليس هو
بالحاجب عن الدعوة إلى دين الله، وإذا كان
الجهاد لاعلاء كلمة الله قد اضطلع به
المسلمون بالسيف في مواجهة من أخرجوهم من
ديارهم وصدوهم عن ذكر الله واعترضوا طريق
دعوتهم في اظهار الدين، فإن الجهاد، في ظل
مبدأ الحرية الشخصية يأخذ وجهته الطبيعية
التي هي الجهاد بالكلمة والفكر والتوعية
والقدوة، وهي الوجهة الطبيعية التي أكدها
القرآن في تعاليمه بالتشديد على الدعوة إلى
سبيل الله بالموعظة الحسنة (أفأنت تكره الناس)
، (لا اكراه في الدين).
في ظل مبدأ الحرية الشخصية
لم يعد من يمنع أو يعترض المسلمين في أي بلد من
ديار العالم، من نشر حكمة الله، بالموعظة
الحسنة، ومن ممارسة شعائرهم واقامة أماكن
عبادتهم ومساجد الله في أية بقعة أو مدينة في
العالم.
لذلك فقد طوى أشد دعاة
الدولة الدينية اعلام الجهاد الديني المسلح
لنشر كلمة الله لأن وجهته الدينية لم تعد
قائمة واستبدلوها بأعلام الجهاد بالموعظة
الحسنة. أما الجهاد بالسيف فقد أخذ وجهته
القومية في مواجهة الذين يخرجوننا من ديارنا،
مسلمين وغير مسلمين، ليتيحوا في أرضنا
القومية دولة الاغتصاب والقهر والاذلال على
حساب تشريد شعبنا وتهديد مصيرنا الانساني
والغاء وجودنا الحضاري.
ان الوجهة الجهادية القومية
التي يتخذها صراعنا لصياغة وجودنا، وحضارتنا
وقيمنا الانسانية والروحية تتأكد بها
الحقيقة القومية القائمة على وحدة المصلحة
ووحدة الوجود ووحدة المصير، في المجتمع
الواحد، على اختلاف أعراقه وأديانه، مما يرتب
وحدة المسؤولية، في مواجهة من يغتصبون الارض
ويشردون الشعب ويهددون المصير.
ولئن صح أن بعض المذاهب تذهب
في معاملة الانسان والمجتمع (بمنطق المواد
الموات) فتحصر تفسير ظواهره بوسائل الادراك
الحسي المباشر أو غير المباشر وبأساليب
المنهج التجريبي وعمليات الاحصاء والتحليل)،
فيتقزم الانسان، في مذهبها، من عالم حافل
بأبعاد الروح والعقل والطموح والنبل
والتضحية، وكل ما يميزه ككائن أخلاقي، إلى
كتلة من المادة تسيرها الغريزة، منفعلة
بمحيطها ومجتمعها وبيئتها وقوانين الانتاج
والاستهلاك وغريزة الجنس). فليست علمانية
الدولة ولا مبدأ الحرية الشخصية الذي رفعت
منارته الدعوة الدينية الاسلامية بالذات،
هما من ينبغي الاطاحة بهما بحجة تحميلهما
مسؤولية هذا الفهم الأشوه للانسان والمجتمع
ونشوء هذه المذاهب العوراء.
في اطار الدولة العلمانية،
وفي ظل مبدأ الحرية الشخصية يتوفر للمذاهب
الدينية والروحية أن تقطع الطريق على نشوء
مثل هذه المذاهب وانتشارها عن طريق (هداية
العقل والانسان إلى الايمان بالله واليوم
الآخر وما تقضي به هذه الحقيقة الايمانية من
عملقة الانسان في الزمان والتاريخ والمواهب
والكفاءات وعظمة المصير).
(انطباع) من يتابع الصراع
الذي تقوده، في ظل الدولة العلمانية وفي حمى
مبدأ الحرية الشخصية، قوى الوعي المادي ــ
الروحي في مواجهة المذاهب الماسخة للانسان
إلى آلة أو كتلة من الجماد، يدرك إلى أي مدى
يزداد الانسان في عملقته، وإلى أي مدى تترسخ
عظمته الحقيقية، حين ينطلق، بسلاح الفكر
والوجدان والايمان، فيمتشق مسؤوليته
الانسانية، ويشهر كل ما هو مخزون فيه من فضائل
وقوى وطاقات عقلية وأخلاقية ليفرض قيم الحياة
الانسانية الصحيحة، فتزكو النفوس على هدى قوة
العقل والايمان وسلامة الحس والوجدان.
ليست علمانية الدولة ــ وقد
قلنا أن الدولة لا تتدين ولا يمكن وسمها
بالتالي لا بالمادية ولا بالروحية ــ هي التي
تدفع بالعلماء إلى أن يطوح بهم الغرور الأجوف
بحيث خيل اليهم أنهم قادرون على تفسير كل شئ
ومعرفة كل شئ، الأمر الذي رتب (مادية الانسان
وحيوانيته)، ولو كانت الدولة العلمانية هي
التي تدفع إلى مثل هذا النهج، لما رأينا أن
تقدم العلم، في ظلها، (جعل رجاله يكفون عن
غلوهم، وتاب الكثير منهم إلى الاعتراف بعالم
الغيب، وخالق الكون، وبدأت فلسفة العلم تتجه
نحو تحديد أكثر صدقاً وأوفر دقة لمجاله، ونحو
الاعتراف بعالم من المجهولات ذي طبيعة غير
تجريبية).
فإذا كان نهج العلماء
المغرور الاجوف، نشأ في ظل علمانية الدولة،
وإذا كان التقدم العلمي، في ظل الدولة
العلمانية نفسها، جعل فلسفة العلم تتجه نحو
تحديد أكثر صدقاً...). فلماذا ننعى على الدولة
العلمانية، نشوء النهج الأول، في ظلها ولا
نسجل للدولة العلمانية نفسها، اتجاه فلسفة
العلم فيها تحت وطأة تقدم العلوم، إلى
التحديد الأكثر وضوحاً والاعتراف بعالم من
المجهولات ذي طبيعة غير تجريبية، علماً أن
المأخذ على المنحى العلمي الأول والاشادة
بالمنحى العلمي الجديد، ورداً، لدى العالم
الديني الجليل في نفس الصفحة من كتابه، ولم
يمنعه هذا عن تحميل الدولة العلمانية ـ (لماديتها)
ـ مسؤولية فشو نهج العلم التجريبي المادي في
كل الشؤون وما نتج عن ذلك من غرور العلماء
الأجوف.
ليست الدولة العلمانية
بالتي تحول دون التعرف إلى عالم المجهولات
الخفي، من خلال نهج يتألف من العقل والوحي
يلائم هذا النوع من الحقائق وقد أدى العلوم
إلى أن يبرز هذا النهج في أوساط العلماء.
وكما أن أحداً لا يملك أن
يربط بين منهج الادراك الحسي والتجريب
العملي، الصالح في حقل العلوم المادية، وبين
علمانية الدولة، فما من أحد يملك أن يربط بين
منهج العقل والوحي الملائم لادراك عالم
المجهولات الخفي وبين الدولة الدينية.
وإذا كان تقدم العلوم أدى
إلى أن يتوب العلماء إلى الاعتراف بعالم
المجهولات الخفي والتعاطي معه بنهج العقل
والوحي معاً فما نظن أحداً يدعي أن تقدم
العلوم يعترضه وجود الدولة العلمانية ولا أن
دينية الدولة هي التي وحدها للعلوم تقدمها.
هل يسوغ أخيراً اعتبار مبدأ
الدولة الدينية الاسلامية قدراً اسلامياً
دينياً
نترك جانباً دولة الاتراك
العلمانية وقد يقال أنها نموذج خاص نابع عن
ظروف تاريخية وعوامل ذاتية فلا ينسحب عليها
حكم بالنسبة لدولة للمسلمين، بالرغم من أن
الاتراك، في ظلها، ما زالوا على اسلامهم
وشعائرهم في وجه جنوح نظام الدولة إلى
التضييق على كل مظاهر الدين ومطاردة
المتدينين.
ونترك جانباً أنماط الحياة
الاجتماعية للمسلمين في مختلف الاقطار
والامصار وقد بعدت بعداً نوعياً في آدابها
العامة ونظامها العام. عما هو متعارف عليه
باسم نظام الآداب العامة الاسلامية، بل وباتت
وفي الاهم والاخطر من تفاصيلها مقاربة بشكل
يكاد يكون تاماً مع أنماط الحياة السائدة في
العديد من المجتمعات الغربية.
وحسبنا أن نواجه الدولة
الاسلامية المعاصرة عندنا.
لقد اختلفت كيفية الشورى في
هذه الدول فنشأ نظام المجالس التشريعية
والسلطة التنفيذية المسؤولة أمام المجلس
النيابي أو أنماط اخرى من هذا القبيل، وتم
اعتبار هذا الاختلاف الكيفي يتفق مع واجب
الشورى الاسلامي.
ولكن هل اقتصر الاختلاف على
الكيفية أي الوسائل أم تجاوزه إلى النوعية؟
ان بيعة أهل العقد والربط في
الشورى الاسلامية يتولاها مسلمون وكان
النظام بذلك اسلامياً أما البيعة الدستورية
الحديثة فيشارك فيها غير المسلمين مما يصح
معه اعتبار وقوع اختلاف نوعي ومع ذلك اعتبر
دعاة الدولة الدينية الاسلامية، هذه البيعة
الحديثة نظاماً اسلامياً.
كان نظام الاسلام، فيما يتصل
بفريضة الجهاد يميز بين المسلمين وغير
المسلمين الذي يرتب عليهم دفع الجزية بوصفهم
من أهل الذمة.
أما أنظمة التعبئة والحرب في
الدول (الاسلامية) الراهنة، فلا تميز في
الخدمة العسكرية، ولا في واجب الجهاد بين
مسلم وغير مسلم، فكلهم مواطنون مسؤولون عن
الذود عن حوزة الدولة ومع ذلك يظل دعاة الدولة
الدينية الاسلامية يعتبرون هذه الدولة
نظاماً اسلامياً.
قد يقول قائل، كما يذكر ذلك
فضيلة العلامة الاستاذ محمد مهدي شمس الدين (ولكن
هذه الأنظمة ليس لها محتوى اسلامي يذكر بل
أنها علمانية بدرجة أو بأخرى).
ما نريده، في هذا المقام، هو
لفت النظر إلى أن أنظمة، لا محتوى اسلامي يذكر
لها، وهي علمانية بدرجة أو بأخرى، يقف منها
دعاة الدولة الدينية الاسلامية، في أوسع
حركاتهم السياسية نشاطاً، موقف القبول
ويقررون، من خلال مشاركتهم في صياغتها وصياغة
قوانينها انها تتوافق مع النظام الاسلامي.
أما هذا الذي بقي فيها من
محتوى اسلامي لا يكاد يذكر، على حد تعبير
فضيلة الاستاذ شمس الدين، فهو ما ورد في نص
الدستور حول اسلامية الدولة، وما حوفظ عليه
بالنسبة لاحكام الاحوال الشخصية والقضاء
الشرعي.
هذا الحيز، الذي لا يكاد
يذكر، ثمة تيار ديني فاعل ونشيط ينازع في عدم
وجوب الاحتفاظ به أو انعدام ضرورته، باسم
الأدلة الشرعية المستقاة والمنتقاة من
القرآن الكريم والسنة الشريفة وباسم العقل أو
المصلحة العامة التي هي أقوى من النص القرآني
لأنها من الأدلة الشرعية الأقوى والأظهر.
ان هذا الحيز الضيق الذي لا
يكاد يذكر، يقوم من يناهضه باسم الدين والفكر
الاسلامي، وتثور حوله المعارك الاسلامية
الدينية بين المتمسكين بابقائه والداعين إلى
الغائه.
فهل يجوز، في ضوء هذه
الحقائق الساطعة، أن نسلم مع أولئك الذين
يروجون، أن الدولة، حين تكون أغلبيتها
اسلامية، لا يمكن، بحكم العقيدة الدينية
لاكثريتها، إلاّ أن تكون دولة دينية اسلامية،
وهل الاسلام الذي يعتبر أحد كبار أئمته أن
المصلحة العامة هي أقوى الأدلة الشرعية حتى
بالنسبة لنص القرآن أو السنة هو الاسلام
المتجمد؟
هل هي دولة دينية اسلامية
تلك التي يقول فيها علامة اسلامي كبير (انها
ليس لها محتوى اسلامي يذكر بل هي علمانية
بدرجة أو بأخرى).
هل هي دولة دينية اسلامية
تلك التي تنقض الأهم والأخطر من ملامح دولة
الاسلام، في البنية الدستورية وفي التشريع،
وفي اسقاط تصنيف غير المسلمين إلى ذميين وغير
ذلك.
نعم ان هذا الحيز الضيق يشكل
حاجزاً أوراسياً للدولة الدينية لا يجوز
التهوين من أمره، ولكن نمو التيار الديني
الاسلامي الذي يتصدى لاستمراره وبقائه وينشط
فيه علماء أزهريون وعلماء فكر اسلامي، يؤكد
أن هذا الحيز الضيق لن يكون حظه أفضل من الشوط
الواسع العريض الذي خطاه تطور وضع الدولة (الاسلامي)
لدى دعاة الدولة الدينية الاسلامية لدرجة أن
الدولة باتت علمانية (بدرجة أو بأخرى).
وإذا كنا نعجب لتمسك دعاة
الدولة الدينية الاسلامية بهذا الحيز الضيق
من ضمن اقرارهم من خلاله باسلامية الدولة،
فعجبنا يعود إلى أن هذا الحيز الضيق بات يقتصر
على الشك فحسب بايراد النص على دين رئيس
الجمهورية الاسلام كما بات يعرقل مبدأ وحدة
سيادة الدولة، وهو المبدأ الذي يتجلى في وحدة
أداتها التشريعية ووحدة التشريع الناظم
للعلاقات فيها، انه حين يناط، فيما يتصل
بالاحوال الشخصية، بأرباب كل طائفة الدينيين
أو المذهبيين، تقرير نظام الاحوال الشخصية
لابناء ملتهم وبأن تقوم المحاكم المذهبية
بالفصل في شؤون الاحوال الشخصية لاتباع
الملة، لا يكون ما هو قائم نظاماً اسلامياً بل
نظام الطوائف.
ومن ترى ينتخب رئيس
الجمهورية، وكيف يجوز فرض القيود على الارادة
الشعبية ثم نعتبر أنفسنا في نظام ديمقراطي.
ولماذا نهجن الأنظمة على هذا
الوجه، دون أي مردود، إلاّ ارضاء للعاطفة
الدينية خارج اطار شرعية تتوافق مع حكم العقل
وخارج اطار أدلة شرعية ترجح المصلحة العامة
باعتبارها الدليل الشرعي الأقوى، اننا ندرك
أن معركة تحرير نظامنا الدستوري والقضائي
الديمقراطي من كل هذه الرواسب ليست بالمعركة
اللينة الهينة، فثمة قوى، تريد أن تجعل من هذا
الحيز نطاقها في خوض غمار السياسة وكسب
الالتفاف الشعبي حولها.
ولكننا ندرك أن وعياً يدفع
بالنظام أن يتخطى كل هذا الشوط الواسع العريض
في طريقه ((نحو الدولة العلمانية بدرجة أو
بأخرى وان عقيدة تعتبر المصلحة العامة أقوى
أدلتها الشرعية لا يمكن إلاّ أن ينتج عنهما
نجاحنا في بناء نظامنا على ما يصون مصلحتنا
القومية على قاعدة وحدة وجودنا المجتمعي
وحقوقنا ومصيرنا.
هذه المعركة لا يخوضها رجال
الدين الاسلامي المستنيرون فحسب ولا أوساط
المسلمين الذين يعنيهم أن يربح شعبهم الأرض
ليمكن له أن يربح السماء ولكنها معركة جميع
المواطنين، على اختلاف مللهم ونحلهم، معركة
من يعتبرون أنفسهم، الأكثر وعياً والأكثر
تطوراً والأكثر اخلاصاً وارتباطاً بأرض
الوطن.
(انطباع) معيار الاخلاص لأرض
الوطن، يكون في دعم معركة اجتياز الحيز الضيق
الأخير للدولة باتجاه العلمنة السليمة وليس
القبول بعلمنة بدرجة أو بأخرى، فنقطع الطريق
على الذين يريدون الاستفادة من الرواسب
الشوائب، لتنفيذ مؤامرة تمزيق الوطن إلى
دويلات وتفكيك وحدة المجتمع إلى كانتونات
طائفية، بقيادة الكانتون الطائفي أو بالاحرى
بقيادة الميليشيات المسيطرة في الكانتون
الطائفي بقوة التنظيم وارهاب السلاح وبالدعم
العسكري والسياسي الخارجي.
يبقى أن نسجل أن القوى
الطائفية المتآمرة، حين تنعى على أنظمة الحكم
القائمة، اسلاميتها، لا تنعي هذا الحيز الضيق
الذي يشكل الراسب للدولة الدينية وانما هي
تتجاهل حقائق هذه الأنظمة الدستورية
والتشريعية وقوانينها الناظمة لعلاقات
المواطنين مسلميهم ومسيحييهم، فتتجاهل أن
الحيز الضيق من الدولة الدينية الاسلامية، في
أنظمة الدول الراهنة ليس فيه مكان لمقولات
أهل الذمة والذميين، وقد سقطت وأسقط نمو
الوعي وارتضى اسقاطها دعاة الدولة الدينية
الاسلامية، ولكنهم، في معرض مخطط التضليل
والتمزيق يعودون إلى ندب الذمية ونظام
الذميين، ليخرجوا بصيغتهم التآمرية الهادفة
إلى تفكيك الوحدة الشعبية الاجتماعية وطرح
التعدديات الحضارية العاصية على التوحد،
فينفذوا مخطط الدويلات الطائفية الذي رسمته
الخطة الاسرائيلية كنطاق ضمان أوحد وحيد
لأمنها.
لا ليست العلمانية نقيضاً
للاسلام، بالرغم من الحيز الضيق الذي ما زال
يشغله نظام الدولة الدينية في بنى أنظمة
دولنا الراهنة، وحسبنا، مع أنه، (لا يشكل
محتوى دينياً يذكر)، أن نجد قوى دينية اسلامية
فعالة تناهضه ونجد وعياَ شعبياً متنامياً
يدعو إلى اسقاطه لنؤمن من ثم أن تطابق الاسلام
والعلمانية هو الحقيقة التاريخية الأكيدة،
فيحفز فينا هذا الايمان الثابت الراسخ، المضي
في معركة ارساء حياة مجتمعنا على وحدة وجوده
ووحدة مصيره وكلنا يقين بانتصار الاسلام،
شريعة للهداية والعقل والمصلحة العامة.
وإذا كانت العلمانية ليست
نقيضاً للاسلام، إلاّ لدى بعض دعاة الدولة
الدينية الاسلامية وبعض علماء الدين ورجال
السياسة، فإن العلمانية ليست أيضاً نقيضاً
للمسيحية، إلاّ لدى بعض الدوائر الاكليريكية
والكهنوتية وهي الدوائر التي أصدرت عام 1936،
على أثر انكشاف حركتنا القومية الاجتماعية
وانكشاف مبادئها الداعية إلى فصل الدين عن
الدولة، قراراً كنسياً بالقاء الحرم الكنسي
على القوميين الاجتماعيين وعائلاتهم فلا
تجري الكنيسة لهم، (لهرطقتهم في الدعوة إلى
فصل الدين عن الدولة ومنع رجال الدين من
التدخل في شؤون الدولة والقضاء القوميين) لا
عقود زواج أو مراسيم دفن أو أية مراسيم دينية
أخرى.
هنا وهناك تقوم مصالح
واعتبارات تريد أن تشد بالدولة باتجاه ممارسة
سلطات السياسة والقضاء وسوس حياة الجماعات
الدينية، هنا وهناك اسلام ومسيحية لا يمثلان
اسلام المستقبل ومسيحية المحبة، وعلى أرضنا
وفي نطاق شعبنا تدور معركة
الوعي القومي لصيانة وحدة
السيادة ووحدة الارادة ووحدة الوجود ووحدة
المصير.