|
|
|
|
5-براءة الإبداع من تهم الجنون والمرض
الكتاب: الحكمة الضائعة.. الإبداع والاضطراب النفسي والمجتمع.
المؤلف: د. عبدالستار إبراهيم.
الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-الكويت.
الطبعة: الأولى-2002م.
الصفحات: 230ص، قطع وسط.
حياة المبدعين المضطربة ونهايات بعضهم البائسة راكمت في الذاكرة البشرية صوراً نمطية يختلط فيها الإبداع بالأمراض النفسية والسلوكية وحتى العقلية، وفرت الأرضية اللازمة للاعتقاد بارتباط العبقرية بالجنون والاضطراب النفسي، وهو ما استحال نظريات يروج لها كثرة من الباحثين، منذ اليونانيين الذي نعتوا الفنان والشاعر بالجنون وإلى فرويد الذي رمى المبدعين بالإحباط والعجز عن بلوغ الإشباع لغرائزهم الرئيسية واتخاذهم الإبداع فعلاً تعويضاً لهذا المتعسر تحقيقه على مستوى الواقع.
تلك القناعة التي بدت سائدة منذ القدم لن يتورط المروجون لها في جمع ما يدعم اعتقادهم، فالجنون الذي لحق بالفيلسوف نيتشة آخر عمره، ورصاصات الانتحار التي اختارها الروائي الشهير همنجواي بعد مسلسل الادمان الطويل، واكتئابات كافكا والموسيقي تشايكوفسكي والتشكيلي فان جوخ التي انتهت بعضها بالانتحار أيضا وغيرهم الكثير نماذج بارزة على هذا المعنى وهذه العلاقة المدعاة بين العبقرية والجنون.
غير أن السؤال عن هذه العلاقة السببية بين الاثنين وعلميتها، وما إذا كان تعميم هذه الحالات المتداولة على واقع كل المبدعين ممكناً ومقبولاً علمياً يظل أمراً مشروعاً بل ضرورياً للوقوف على حقيقة الموضوع، وهو ما يجهد الدكتور عبدالستار إبراهيم إلى تبيانه في إصداراه الأخير (الحكمة الضائعة)؛ الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت ضمن سلسة المجلس الشهرية "عالم المعرفة".
(الحكمة الضائعة) محاولة جادة لإعادة قراءة العلاقة بين أشكال الإبداع والاضطرابات النفسية، ينصرف فيها المؤلف إلى التشكيك في ما تعارف عليه الناس وتواطأ على توكيده الباحثون من وجود صلة بين العبقرية والمرض، في رؤية مغايرة يسعى إلى تأسيسها عبر اختبار كثير من المفاهيم النفسية التي جرت العادة على تبسيطها ووصلها بتصرفات المبدعين ومصائرهم، وإخضاع العملية الإبداعية لمقاييس علمية أحدث.
وعلى خط مواز لمن سبقوه يقف المؤلف في هذا الإصدار على حياة عدد من المبدعين وما حملته كتاباتهم وسيرهم الشخصية من مواقف وسلوكيات مضطربة دون أن ينوي العمل على نفيها، أو التقليل من شأنها، بل يتقصد تحليلها علمياً، وفق منهج يتخطى ثغرات السابق من النظريات والدراسات التي يصمها المؤلف بالتعميمية والفضفاضية والإفراط في تضخيم الجزئيات، وهي ما أوقع الدارسين على حد قوله في خطأ نسبة العبقرية للجنون أو المرض النفسي، والخلط بين مفهوم المرض النفسي ومفهوم الضغوط النفسية والاجتماعية.
يجد المؤلف في مفهوم الضغوط النفسية او الانفعالية الذي صاغته دراسات علم النفس الاجتماعي المعاصر مفتاحاً للخروج من القراءات المتعسفة لعبقرية المبدعين، وسبيلاً إلى إعادة الاعتبار لتلك العوامل المحيطة بأشكال الإبداع اجتماعياً ونفسياً.
ويميل إلى الاعتقاد بأن الضغوط النفسية اليومية وقابلية الشخصية للتعامل معها هي مصدر الاضطرابات النفسية ويستشهد بأسماء سياسيين ومفكرين نالت منهم ضغوطهم الحياتية جسدياً ونفسياً وحتى عقلياً.. فالإبداع الذي يوجزه المؤلف في "تلك القدرة على إعادة تشكيل عناصر الخبرة في أشكال أو صيغ جديدة" له ضرائبه الخاصة، وغالباً ما يصاحب العمل الابداعي شيء من تلك الضغوط، وكثيراً ما يجر النجاح والشهرة المبدع إلى دائرة القلق والتوتر والضغوط الاجتماعية.
وتعود برأيه أسباب الاضطراب السلوكي في بعض حالات المبدعين الى طبيعة الشخصية وما تتبناه من عادات سيئة، وموقفها من القيم الاجتماعية علاوة على طريقتها في التفكير وما يلحق بذات المبدع من أمراض نفسية متوارثة عن محيط الأسرة.
وعلى هذا النحو، لا ينفي المؤلف وجود نتائج علمية دالة على ترابط بين بعض الأنواع من الإبداعات واضطرابات مرضية كما هو الحال في شيوع الاكتئاب لدى المبدعين بنسبة تزداد بنحو لافت عند كتاب الرواية والمسرح على حد بعض الدراسات، لكنه يعزو ذلك لعوامل خارجة عن الفعل الإبداعي ذاته تقترن به في بعض الحالات، من قبيل الإدمان واضطرابات السلوك الشخصي والضغوط الانفعالية، ويشير إلى أن المبدعين أقل نصيباً مقارنة بالأسوياء والعاديين من الناس من نسبة الأمراض النفسية، وهي نتائج انتهت إليها بعض الدراسات المهمة في هذا الشأن، بل وجد البعض منها أن الإبداع علاج وربما فقدانه لدى البعض يؤدي به إلى خطر الأمراض النفسية.
هذه النتائج وشبيهاتها جاءت حصيلة منهجين حديثين لاختبار الصلة بين العبقرية والمرض عرض لها المؤلف في إصداره، أحدهما يتجه ناحية فحص السيرة الشخصية والإبداعية لكل مبدع للوصول إلى تحديد أثر التغيرات والاضطرابات النفسية، فيما الآخر يعمد إلى تقويم القدرات الإبداعية عبر مقاييس نفسية تعالج كل موضوع حسب اختصاصه ومواصفاته الإبداعية بنحو يكشف عن شبكة العلاقات بين جملة من المتغيرات المنتقاة لمهمة التقييس.
تعرف الباحثون من خلال ذلك النوع من الاختبارات على ما تتسم به شخصيات المبدعين وأمزجتهم الخاصة، وتمكنوا من تحديد الفوارق بين المبدعين والمرضى النفسيين، حيث يفترق المبدع عن الآخر المريض نفسانياً أو عقلياً في ارتفاع مستوى المرونة الذهنية وتنوع الرؤى والتركيز. وتخلص واحدة من أوسع الدراسات شهرة أجراها شوبيرت باستخدام مقاييس نفسية إلى عدم وجود ترابط بين الإبداع والمرض؛ أي أن أحداً منهما لا يفضي إلى الآخر بالضرورة، في حين أكدت من جهة أخرى على وجود علاقة عكسية بين الإبداع وبعض الاضطرابات كالهاستيريا والبارانويا؛ أي أن الأمراض تعوق العملية الإبداعية وليس العكس.
ولا ينسى المؤلف أن يترك للقارئ روشتة طبية للتعاطي مع الضغوط النفسية والاجتماعية، ورفع مستوى الفاعلية الإبداعية، بها من الإرشادات التي تدعو للاسترخاء واللياقة البدنية والغذاء المتوازن والتركيز على التفتح الذهني والتحرر من التفكير السلبي وذلك في سبيل التخفف من ثقل الضغوط وإبدالها إلى قوة إيجابية
|
|