هذا النص القرآني
المعجز جاء في مطلع النصف الثاني من سورة الأنعام, وهي سورة
مكية, ومن طوال سور القرآن الكريم إذ يبلغ عدد آياتها165
بدون البسملة, وقد سميت بهذا الاسم لورود ذكر الأنعام فيها في
أكثر من موضع.
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من
العقائد والتشريعات الإسلامية, وقصص عدد من الأنبياء والمرسلين
السابقين علي بعثة سيدنا محمد( صلي الله وسلم وبارك عليه
وعليهم أجمعين), وقصص عدد من الأمم البائدة, وعدد كبير من
الآيات الكونية الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية; ويمكن إيجاز
ذلك في النقاط التالية:
أولا: من
العقائد الإسلامية:
(1) الإيمان بالله الخالق,
الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور, الإله الواحد
الأحد, الفرد الصمد, الذي لم يلد, ولم يولد, ولم يكن له
كفوا أحد; الإله الحق, الذي لا إله غيره, ولا معبود
سواه, مالك الملك, ومحصي أعمال الخلق, فاطر السماوات
والأرض وقيومهما, خالق الإنسان من طين, ومحدد الأجل والرزق
له, وجامع الناس ليوم لا ريب فيه, السميع العليم, كاشف
الضر, ومنزل الخير, القاهر فوق عباده, الذي يطعم
ولايطعم, والذي لايشبهه أحد من خلقه, ولاينازعه أحد في
ملكه, ولايشاركه أحد في سلطانه, الباعث الشهيد, البر
الودود, الغفور الرحيم, بديع السماوات والارض, رب كل شيء
ومليكه, خالق كل شيء ومبدعه, والعليم بكل شيء من السر
والعلن, والقادر علي كل شيء مهما عظم; عالم الغيب
والشهادة, الحكيم الخبير; فالق الإصباح, وفالق كل من الحب
والنوي, مخرج الحي من الميت, ومخرج الميت من الحي;أحكم
الحاكمين, وأعدل العادلين, وخير الفاصلين الذي لايرد بأسه عن
القوم المجرمين, الغني, ذو الرحمة الواسعة التي لاتضيق
بشيء; منزل الكتاب; ومرسل الأنبياء والمرسلين; الذي يدرك
الأبصار, ولاتدركه الأبصار, وهو اللطيف
الخبير.
(2) الإيمان بملائكة الله, وكتبه,
ورسله, وبخاتمهم أجمعين, وبأنهم ما أرسلوا إلا مبشرين
ومنذرين.
(3) الإيمان بعوالم الغيب التي أخبرنا
بها( تبارك وتعالي) دون الخوض في هذه العوالم الغيبية بغير
علم.
(4) الإيمان بأن الله( تعالي) بجوده,
وكرمه, وإحسانه يجازي الحسنة بعشر أمثالها( إلي سبعمائة
ضعف) ولايجازي السيئة إلا بمثلها, ومن هنا كانت ضرورة التوبة
وحسن الاستغفار.
(5) الإيمان بحتمية البعث, وبحتمية
الحساب والجزاء في الآخرة, التي هي خلود بلا موت, إما في
الجنة أبدا أو في النار أبدا, ومن هنا كان وصف ربنا( تبارك
وتعالي) للحياة الدنيا بأنها لعب ولهو كما جاء في قوله(
تبارك وتعالي):
وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار
الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون.(
الأنعام:32)
(6) اليقين بأن من عمل سوءا بجهالة ممن
يؤمنون بالله وبآياته ثم تاب من بعده وأصلح فإن الله غفور
رحيم.
(7) الإيمان بأن الله( تعالي) قد أتم
وحيه, في القرآن الكريم, رسالته الخاتمة, وأنه(
سبحانه) قد أكمل دينه الذي أنزله لعباده( علي فترة من
الرسل) في هذه الرسالة الخاتمة, ولذلك تعهد( سبحانه
وتعالي) بحفظها من التبديل والتحريف الذي تعرضت له كل الرسالات
السابقة.
ثانيا: من التشريعات
الإلهية في سورة الأنعام:
(1) تحريم الشرك
بالله.
(2) تحريم وقتل الأولاد من إملاق( أي من
فقر)
(3) الأمر بالإحسان إلي
الوالدين.
(4) تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا
بالحق.
(5) تحريم أكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن
حتي يبلغ أشده.
(6) الأمر بالتزام صراط الله المستقيم
وعدم اتباع السبل الملتوية فتتفرق بالناس عن سبيله, فيضيعون في
الدنيا, ويذلون ويهلكون في الآخرة.
(7) الأمر
بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة, وبتقوي الله( تعالي) في جميع
الأحوال.
(8) تحريم الاقتراب من الفواحش ماظهر منها
وما بطن.
(9) الأمر بوفاء الكيل والميزان بالقسط,
وتحريم كل إخلال بذلك.
(10) الأمر بالعدل في القول,
وبالإخلاص في العمل; وبالوفاء بعهود
الله.
(11)تحريم أكل كل ما لم يذكر اسم الله عليه وما
أهل لغير الله به; وكذلك تحريم أكل الميتة والدم المسفوح ولحم
الخنزير إلا من اضطر غير باغ ولاعاد فإن الله غفور
رحيم.
ثالثا: من قصص الأمم
البائدة.
(1) جاء ذكر عدد من أنبياء الله ورسله
السابقين علي بعثة النبي والرسول الخاتم( صلي الله وسلم وبارك
عليه وعليهم أجمعين) وهم: نوح, إبراهيم, لوط,
اسماعيل, اسحاق, يعقوب, داود, سليمان, أيوب, يوسف,
موسي, هارون, زكريا, يحيي, عيسي, إلياس, اليسع,
ويونس( علي نبينا وعليهم جميعا من الله أفضل الصلاة وأزكي
التسليم).
(2) وصف عناد الأمم الكافرة الباغية,
ورفضها لآيات ربها, وإعراضها عنها, علي الرغم من إهلاك
أمثالها من الأمم السابقة عليها, وقد استمرت البشرية في تكرار
أخطائها إلي زمن خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه
وسلم) ولاتزال مستمرة في ذلك إلي زماننا الراهن, وحتي قيام
الساعة دون استخلاص للعبر, وأخذ للدروس.
(3) أكدت
سورة الأنعام تحريف اليهود للتوراة, وانحرافهم عن منهج الله,
كما أكدت تكامل كل رسالات السماء في القرآن الكريم الذي أنزله
الله( تعالي) علي خاتم أنبيائه ورسله لينذر به أهل مكة
المكرمة ومن حولها أهل الأرض جميعا.
(4) استنكار
افتراء الكذب علي الله, والادعاء الباطل من قبل بعض المشعوذين
بتلقي شئ من الوحي, أو بالقدرة علي الإتيان بشيء من مثل القرآن
الكريم, وهي افتراءات وادعاءات صاحبت مسيرة الكفر والشرك
وغيرهما من الانحرافات البشرية عبر التاريخ, إلي زماننا
الراهن, وحتي قيام الساعة.
الآيات الكونية التي استعرضتها سورة
الأنعام:
(1) خلق السماوات والأرض
بالحق.
(2) خلق الظلمات والنور.
(3) خلق
الإنسان من طين, وتحديد أجله( زمانا ومكانا).
(4)
خلق كائنات تسكن بالليل وأخري تسكن بالنهار.
(5)
إثبات أن كل خلق من خلق الله يشكل أمة مثل أمة بني
الإنسان.
(6) الإخبار من قبل ألف وأربعمائة سنة مضت
بالتقدم العلمي والتقني المذهل الذي تحققه اليوم الأمم
الكافرة, وأن هذا التقدم دون التزام ديني, وأخلاقي وروحي سوف
يكون وبالا عليهم, ومن أسباب إفنائهم والقضاء عليهم, ونحن
نري بوادر ذلك الانهيار واضحة في مختلف أرجاء
الأرض.
(7) التأكيد علي أن بالكون غيوبا مطلقة
لايعلمها إلا الله( تعالي)
.(8) التأكيد علي حقيقة
أن النوم صورة من صور الوفاة, وأن اليقظة من النوم صورة مصغرة
عن البعث بعد الموت.
(9) التأكيد علي ظلمات كل من
البر والبحر, بمعني أن الظلمة هي الأصل في الكون, وأن النور
نعمة يمن بها الخالق علي خلقه.
(10) الإشارة إلي توسط
موقع مكة المكرمة بالنسبة إلي اليابسة.
(11) التلميح
إلي معجزة فلق كل من الحب والنوي لحظة الإنبات.
(12)
استخدام تبادل الليل والنهار في الإشارة اللطيفة إلي دوران الأرض
حول محورها أمام الشمس.
(13) تشبيه طلوع الصبح من
ظلمة الليل بفلق الحبة أو النواة لإخراج السويقة والجذير منها
لحظة الإنبات.
(14) الإشارة إلي الحكمة الإلهية من
جعل الليل للسكن, وجعل النهار لعمارة الأرض ولجري وراء
المعايش.
(15) التأكيد علي أن الشمس والقمر يجريان
بنظام محكم دقيق يمكن الإنسان من حساب الزمن, والتأريخ
للأحداث, وأداء العبادات والحقوق.
(16) خلق النجوم
ومن فوائدها للإنسان الاهتداء بها في ظلمات البر
والبحر.
(17) الإشارة إلي خلق السلالة البشرية كلها
من نفس واحدة.
(18) إخراج الحب المتراكب من الخضر
الذي يخلقه الله( تعالي) في داخل كل نباتات
الحبوب.
(19) إخراج القنوان الدانية( وهي العراجين
المتدلية من النخل, جمع قنو, وهو العذق أو عنقود التمر) من
طلوع النخل وهو أول مايبدو من ثمر النخل وهو يخرج
كالكيزان.
(20) كذلك إخراج جنات من أعناب, ومن
الزيتون والرمان, مشتبها وغير متشابه وذلك بإنزال الماء من
السماء إلي الأرض, واعتبار ثمره إذا أثمر وينعه من الآيات لقوم
يؤمنون.
(21) إثبات أن التصعد في السماء( بغير
وقاية حقيقية) يجعل صدر الصاعد ضيقا حرجا.
(22)
إخراج جنات من المعروشات وغير المعروشات, والنخل والزرع مختلفا
أكله, والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه مما يؤكد طلاقة
القدرة الإلهية الخلاقة.
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج
إلي مدارسة خاصة بها, ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي النقطة
العاشرة فقط في القائمة السابقة ألا وهي توسط موقع مكة المكرمة
لليابسة المستنتج من خطاب الحق( تبارك وتعالي) الموجه إلي
خاتم أنبيائه ورسله( صلي الله عليه وسلم) بقوله( عز من
قائل):.. ولتنذر أم القري ومن حولها... وهو المبعوث رحمة
للعالمين; وقبل الدخول إلي ذلك لابد من الرجوع إلي أقوال عدد
من كبار المفسرين, من القدامي والمعاصرين, في تفسير هذه
الآية الكريمة.
من أقوال المفسرين
في تفسير قوله( تعالي)