تنبني الشمس من
نواة تتطابق عليها عدة نطق تتمايز من الداخل إلي الخارج علي
النحو التالي:
(1) نواة
الشمس (TheSolarCore):
ويبلغ قطرها نحو346.000
كيلو متر, وتعتبر فرنا ذريا هائلا, تتم فيه عملية الاندماج
النووي مولدة طاقة تقدر بأكثر من15 مليون درجة مطلقة, تحت
ضغط يقدر بنحو الأربعمائة مليار ضغط جوي, مما يؤدي إلي تزايد
كثافة المادة في نواة الشمس حتي تصل إلي ما بين التسعين والمائتي
جرام للسنتيمتر المكعب, ولذلك يتركز نحو60% من كتلة الشمس في
نواتها التي لا تشغل سوي2% فقط من حجم الشمس.
(2) نطاق الإشعاع
الشمسي (TheSolarRadiationZone):
ويحيط بنواة
الشمس بسمك يصل إلي325.000 كيلو متر, والمادة في هذا النطاق
أقل كثافة وحرارة من مادة النواة, وتمر به طاقة الشمس المنتجة
في النواة علي هيئة أشعة جاما, ثم تستكمل إلي بقية موجات الطيف
الكهرومغناطيسي كاملا في حدود هذا النطاق ابتداء من تلك الأشعة
إلي الأشعة الراديوية وما بينهما من الأشعة السينية, وفوق
البنفسجية, وأشعة الضوء الأبيض, والأشعة تحت
الحمراء.
(3) نطاق الشمس الفقاعي
أو نطاق تيارات الحمل في
الشمس (TheSolarConvectiveZone)
ويقدر سمكه
بنحو150.000 كيلو متر, وفيه تتبرد التيارات المندفعة من نواة
الشمس عبر نطاق الإشعاع إلي هذا النطاق بطريقة مستمرة فتهبط من
قمته إلي قاعدته ثم تصعد إلي القمة وتهبط إلي القاعدة في ترددات
كثيرة من تيارات الحمل ومن هنا جاءت تسميتها; وتبلغ كثافة
المادة في هذا النطاق نحو0.01 ـ جرام للسنتيمتر المكعب,
وتقدر درجة حرارتها بنحو المليون درجة مطلقة, وضغطها بنحو
المليون ضغط جوي.
(4) نطاق الضوء
الشمسي أو الكرة الشمسية
المضيئة (TheSolarPhotosphere)
وهو الجزء المرئي
من الشمس, ويبدو من بعد علي هيئة الأرض المملوءة بالحصي الذي
يزيد قطر الواحدة منه في الحقيقة علي مئات الكيلو مترات,
ويتبدل هذا الحصي كل عشر دقائق لشدة الغليان; ويقدر سمك هذا
النطاق بنحو خمسمائة كيلو متر, وتقدر درجة حرارته بنحو ستة
آلاف درجة مطلقة, وكثافة المادة فيه بنحو جزءين من عشرة ملايين
جزء من الجرام للسنتيمتر المكعب, وضغطها بنحو0.1 من الضغط
الجوي, ويتميز هذا النطاق بوجود ما يسمي بالبقع الشمسية( أو
كلف الشمس) وهي مساحات داكنة باردة نسبيا(4000 درجة مطلقة)
علي هيئة مراكز لدوامات من الاضطرابات الغازية الحلزونية الحركة
مع توليد مجال مغناطيسي يفوق مغناطيسية الأرض بملايين الأضعاف
فتؤثر علي الاتصالات اللاسلكية تأثيرا كبيرا.
(5) نطاق الألوان الشمسية أو الكرة الملونة
للشمس (TheSolarChromisphere)
ويقدر سمكه بأكثر من
عشرة آلاف كيلو متر, وتصل درجة حرارته إلي أكثر من عشرة آلاف
درجة مطلقة, ويتناقص ضغطه إلي جزء من المليون من الضغط
الجوي, وتبلغ كثافة المادة فيه(3*10-12 جرام) للسنتيمتر
المكعب, ويعتبر جزءا من الغلاف الغازي للشمس. وكل من درجة
حرارة هذه الكرة الملونة, وكثافة المادة فيها لا تسمحان
برؤيتها لا بالعين المجردة, ولا بواسطة المناظير المقربة إلا
في حالة الكسوف الكلي للشمس, أو باستخدام وسائط صناعية لحجب
نطاق الضوء.
(6) نطاق الأشواك
الشمسية (TheSolarSpiculesZone)
وهو نطاق يندفع
فيه غاز الأيدروجين من حافة نطاق الألوان الشمسية إلي ارتفاع
عشرة آلاف كيلو متر في دفعات متتالية تستمر الواحدة منها لمدة
خمس عشرة دقيقة ثم تهبط فتبدو علي هيئة الأشواك المتحركة علي
حافة الشمس. ومن هنا كانت التسمية, ويعتبره عدد من الدارسين
جزءا من نطاق الألوان الشمسي.
(7) هالة( إكليل)
الشمس (TheSolarCorona)
وتمثل بنطاق أكثر شفافية
من النطق الموجودة في داخله, وتشكل مع النطاقين السابقين
الغلاف الغازي للشمس, ويحدها من أسفل الحد الأعلي لنطاق
الأشواك, ولا حد أعلي لها إذ تنتشر مادتها لتتداخل مع مادة
الكون, ولأسباب لم تعرف بعد ترتفع درجة الحرارة في هالة الشمس
إلي أكثر من مليون درجة مئوية, ولذلك تتأين كل الذرات الموجودة
فيمكن رؤية الإكليل في الأشعة السينية
الرخوة (SoftX-Ray) وتبلغ كثافة المادة في هالة الشمس
واحدا من ألف مليون مليون من الجرام للسنتيمتر
المكعب.
ويصل الضغط إلي ستة من مائة مليون من الضغط
الجوي. وتمتد ألسنة من نطاق الألوان الشمسية فتصل إلي هالة
الشمس وتعرف باسم ألسنة اللهب( أو البروزات)
الشمسية (SolarProminances) وهي من الظواهر الشمسية
المهمة التي تأتي في المقام الثاني بعد البقع الشمسية; وترتفع
هذه البروزات الشمسية لمسافات تتراوح بين عشرة آلاف وأربعين ألف
كيلو متر فوق هالة الشمس, وتتعدي ذلك في أوقات الانفجارات
الشمسية فتصل إلي نحو السبعمائة ألف كيلو متر.
وهذه الألسنة
من اللهب الشمسي( البروزات الشمسية) يمكن أن تري بالعين
المجردة في أوقات الكسوف الكلي للشمس, وبعضها ثابت تقريبا أو
قليل التغير, والبعض الآخر مؤقت, وشديد التغير ويسمي باسم
ألسنة اللهب الطائرة, وتتراوح فترات ثورانها بين دقائق معدودة
وعدة أيام, ويؤكد تحليل أطياف مادتها وجود كل من الأيدروجين,
والهيليوم, والكالسيوم المتأين بالإضافة إلي بعض العناصر
الأخري.
وتتراوح درجة حرارة تلك البروزات الشمسية بين
ستة آلاف وثمانية آلاف درجة مطلقة.
ومن الظواهر الشمسية
الأخري ما يعرف باسم الومض( أو الوهج)
الشمسي (SolarFlares) وتحدث نتيجة للزيادة المفاجئة في
انبعاث نوي ذرات الأيدروجين من مناطق البقع الشمسية لفترات
تتراوح بين ثوان قليلة وعشر دقائق يصاحبها انطلاق كميات هائلة من
الطاقة; والشمس محاطة بسحابة من الجسيمات المشحونة بالطاقة,
التي تندفع منها في كل الاتجاهات مكونة ما يسمي بـالرياح الشمسية
تنطلق منها تلك الجسيمات بسرعات قد تصل إلي أكثر من720 كيلو
مترا في الثانية.
الاتزان في داخل
الشمس:
تتكون الشمس أساسا من غاز الأيدروجين
بنسبة81.76%, وغاز الهيليوم بنسبة18.17% من حجم الشمس,
بالإضافة إلي نسب ضئيلة من عناصر أخري لا يتعدي حجمها0.07
ــ%, علي ذلك فالشمس عبارة عن خليط ملتهب من غازي الأيدروجين
والهيليوم بنسبة حجمية تبلغ4:1 تقريبا, وهي نسبة اتحاد نوي
ذرات الأيدروجين لتكون نوي ذرات الهيليوم بعملية الاندماج النووي
حيث تتحد نوي أربع ذرات من الأيدروجين لتنتج نواة واحدة من نوي
ذرات الهيليوم وتنطلق الطاقة الهائلة, والشمس تحول في كل
ثانية655 مليون طن من الأيدروجين إلي نحو650 مليون طن من
الهيليوم ويتحول الفرق بين الكميتين( المقدر بنحو خمسة ملايين
من الأطنان) إلي طاقة تمثل الطاقة المنبعثة من الشمس باستمرار
وجودها.
ونظرا للجاذبية الهائلة التي تحدثها الشمس علي
مكوناتها فإنها تتجاذب كلها في اتجاه مركزها, تجاذبا تنتج عنه
ضغوط هائلة ترفع درجة حرارة لب الشمس إلي المستوي الذي يسمح ببدء
واستمرار نشاط عملية الاندماج النووي.
ولو كانت الشمس
تتأثر بمجال جاذبيتها فقط لأدي ذلك إلي انهيارها خاصة أنها مجرد
كرة من الغاز, والسبب في عدم انهيارها هو وجود قوي صادرة من
داخلها إلي خارجها من مثل القوة الناتجة عن تمدد الغازات في
درجات الحرارة المرتفعة, وبحساب كل من كتلة الشمس وشدة مجال
جاذبيتها أمكن حساب درجات الحرارة اللازمة لإحداث هذا التوازن
وهي أرقام مذهلة تتراوح بين15 مليونا, و20 مليون درجة
مطلقة.
والشمس عاشت طيلة فترة وجودها المقدرة بنحو عشرة
بلايين من السنين في اتزان دقيق بين جاذبيتها الهائلة علي
مكوناتها التي تضغطها في اتجاه المركز منها, ودرجات الحرارة
الفائقة في مركزها التي تدفع بمكوناتها بعيدا عنه.
وعلي
ذلك فإن الحجم الهائل للشمس, وكتلتها الرهيبة لا يمكنان مادتها
إلا أن تكون في حالة شبه غازية, ملتهبة, متوهجة, ولو تغير
حجم وكتلة الشمس ولو قليلا عن القيم المحددة لها لتغير سلوك
مادتها تماما عن سلوكها الحالي, لأن السبب في إضاءة النجوم
وتوهجها واندلاع عملية الاندماج النووي في قلوبها, وانطلاق
الطاقة منها هو تكونها من كتلة وحجم معينين, فسبحان الذي قدر
تلك الكتل ووضع تلك السنن.
والمادة في قلب الشمس توجد علي
هيئة تختلف عن الحالات الثلاث المعروفة بها علي الأرض(
الصلبة, والسائلة, والغازية) وتعرف هذه الحالة باسم حالة
البلازما, وفيها تتفكك مكونات الذرات إلي نوي عارية,
وإليكترونات حرة, فتستعيد قابليتها للانضغاط بتضاؤل المسافات
بين اللبنات الأولية للمادة إلي واحد من مائة ألف من المسافات
الفاصلة بين الذرات في حالات المادة العادية. ولذلك يمكن
اعتبار حالة البلازما صورة من صور المادة الغازية المكدسة التي
تصل فيها الكثافة إلي نحو مائة مليون طن للسنتيمتر المكعب وتعرف
باسم الكثافة النووية (NuclearDensity).
والشمس في
تمدد مستمر نتيجة لعنف التفاعلات النووية في داخلها, ولولا ذلك
لانفجرت كقنبلة هيدروجينية عملاقة.
الشمس ومجموعتها الشمسية:
تتراوح
المسافة بين الشمس والكواكب السيارة المرتبطة بها والدائرة في
فلكها بين58 مليون كيلو متر وأكثر من6000 مليون كيلو متر.
وتختلف الظروف الطبيعية علي الكواكب في مجموعتنا الشمسية تبعا
لقربها من الشمس أو بعدها عنها, وتبعا لحجم كل منها,
وبالتالي حجم الغلاف الغازي المحيط بها.
والكواكب تدور حول
الشمس في أفلاك شبه دائرية في الاتجاه نفسه, وهي في مساراتها
تلك تختلف المسافة بين كل منها والشمس, كما تختلف سرعة جري
الكوكب الواحد باختلاف بعده عن الشمس, فتصل سرعة الكوكب أقصاها
وهو أقرب ما يكون من الشمس, وتقل بالتدريج بابتعاده عنها حتي
تصل سرعته أدناها وهو أبعد ما يكون عن الشمس.
وحركات
الكواكب حول الشمس يحكمها توازن دقيق بين قوتين متضادتين هما قوة
جذب الشمس للكوكب, والقوة الطاردة المركزية الناشئة عن دوران
الكوكب حول الشمس, والتعادل الدقيق بين هاتين القوتين هو الذي
حدد للكواكب أفلاكها الثابتة, وحدد جريها فيها وحفظها من
الانطلاق إلي فسحة الكون أو السقوط في سعير الشمس.
والكواكب
في الوقت نفسه تتجاذب فيما بينها تجاذبا أقل من جذب الشمس لكل
منها مما يعين علي احتفاظها بأبعادها الثابتة فيما بينها.
والنهار والليل يتعاقبان علي كل كوكب في مجموعتنا الشمسية,
ويتم ذلك في مدد متفاوتة تفاوتا كبيرا لاعتماده علي حجم وكتلة
الكوكب وسرعة دورانه حول محوره.
وكذلك تتفاوت سنة كل
كوكب بتفاوت بعده عن الشمس, وبتفاوت سرعة جريه في مداره حولها
حتي يتم دورة كاملة.
وبدوران الأرض حول محورها تتم الحركة
الظاهرية لكل من الشمس والقمر والنجوم والكواكب التي تتراءي لنا
عبر السماء; وتتابع الفصول علي أرضنا بسبب ميل محور الأرض في
دورانها حول الشمس.
طاقة
الشمس:
تطلق الشمس من الطاقة ما يقدر بنحو خمسمائة
ألف مليون مليون مليون حصان في كل ثانية, يصل إلي الأرض منها
واحد في الألف فقط تقريبا, ويمثل ذلك مصدر كل الحرارة والضوء
وغيرهما من مختلف صور الطاقة علي الأرض( باستثناء الطاقة
النووية) وتعتمد كل الأنشطة الطبيعية, علي سطح الأرض,علي
الطاقة الشمسية, فقد أعطي الله( تعالي) للشجر الأخضر
القدرة علي اختزان جزء كبير من طاقة الشمس علي هيئة روابط
كيميائية فيما تنتجه من سكريات ونشويات وزيوت وغيرها من المنتجات
النباتية, وذلك بتفاعل أشعة الشمس مع كل من العصارة الغذائية
للنبات( المكونة من معادن الأرض والماء) وثاني أكسيد الكربون
مطلقا الأوكسجين; كما أعطي ربنا( تبارك وتعالي) كلا من
الإنسان والحيوان القدرة علي الاستفادة بتلك الطاقة الشمسية
المخزونة في المنتجات النباتية في جميع أنشطتها الحيوية, وذلك
بإحراقها في أثناء عملية التمثيل الغذائي فتحول هذه المواد مرة
أخري إلي ماء وثاني أكسيد الكربون. ثم من فضلات كل من النبات
والحيوان والإنسان تتكون مصادر أخري للطاقة من مثل الخشب والقش
وروث الحيوان وفضلات الإنسان التي تتكون منها أغلب مصادر الطاقة
الطبيعية( من مثل الفحم النباتي, الفحم الحجري, النفط,
الغاز الطبيعي, وغيرها).
القسم
بالشمس إشارة إلي أهميتها:
مما سبق يتضح لنا جانب من
جوانب أهمية الشمس, تلك الآية الكونية البديعة التي تشهد
لخالقها( سبحانه وتعالي) بطلاقة القدرة, وبديع الصنعة,
وعظيم الحكمة, وإحاطة العلم, ومن هنا كان قسم الله(
تعالي) بها ـوهو سبحانه غني عن القسمـ وذلك من أجل تنبيهنا إلي
تلك الأهمية القصوي للشمس, التي بدونها ما قامت الحياة علي
الأرض, حتي لا نمر عليها ونحن غافلون عنها, لأننا لو أدركنا
أهميتها للحياة لأدركنا جانبا من جوانب العظمة المطلقة
لخالقها, الذي أبدعها, وأبدع الكون كله في نظام بالغ الدقة
والإحكام والتكامل مما يشهد له( سبحانه وتعالي) بالألوهية,
والربوبية والوحدانية المطلقة فوق كل خلقه( بغير شريك, ولا
شبيه, ولا منازع, ولا زوجة ولا ولد, فقد تنزه جلت قدرته عن
كل ذلك).
القسم بضحي
الشمس
يقال في اللغة العربية إن( ضحوة) النهار هي
الفترة بعد طلوع الشمس, وبعدها( الضحا) وهي الفترة حين
تنتشر الشمس في الجزء الشرقي من السماء حتي قبل الوصول إلي
منتصفها أي إلي الظهيرة, وقد يكون( الضحا) جمع( ضحوة),
وقد تكون اسما لظرف غير متمكن; وبعد( الضحا) يأتي(
الضحاء) وهو عند ارتفاع النهار الأعلي.
وقيل: إن
المقصود بـ(الضحي) هو النهار كله, وذلك انطلاقا من قول
الحق( تبارك وتعالي): والضحي, والليل إذا سجي[
الضحي:2,1].
وقوله( عز من قائل): أأنتم أشد خلقا
أم السماء بناها, رفع سمكها فسواها, وأغطش ليلها وأخرج
ضحاها[ النازعات:27 ـ29].
ولكن معاودة القسم بالنهار في
سورة الشمس بقول الحق( سبحانه وتعالي): والنهار إذا
جلاها
يوحي بأن المقصود بـ(ضحي الشمس) هو أول النهار,
وليس النهار كله; وأول النهار هو الفترة من لحظة الشروق إلي
الظهيرة.
وسواء كان المقصود بــ(ضحي الشمس) هو وقت
ارتفاعها عن الأفق, أو النهار كله, فهي فترة يتزايد فيها
وصول طاقة الشمس إلي الأرض مما له انعكاسات هائلة علي كل من
الأحياء والجمادات, وعلي سائر الأرض فقد ثبت علميا أن نطق
الحماية التي خلقها الله( تعالي) للأرض ومن عليها من مثل
نطاق الأوزون والنطاق المتأين تتمدد تمددا ملحوظا مع شروق
الشمس, ويصل هذا التمدد مداه عند الظهيرة ثم تبدأ تلك النطق في
الانكماش حتي تصل إلي أدني سمك لها في ظلمة الليل البهيم; ومن
هنا كان القسم بالشمس وضحاها.
ومن ذلك ما ثبت علميا بأن
في وسط الدماغ غدة صغيرة تعرف باسم الغدة الصنوبرية, أعطاها
الله( تعالي) القدرة علي إفراز هورمون معين أطلق عليه اسم
الميلاتونين له تأثير فاعل في الجسد الحي من مثل جسد الإنسان,
ويلعب دورا رئيسيا في المحافظة علي سلامة هذا الجسد(
الإنساني), لكنه إذا زاد علي قدر معين فإنه يصبح ضارا بهذا
الجسد; والميلاتونين تفرزه الغدرة الصنوبرية في غيبة الضوء(
أي بالليل), فإذا طلعت الشمس فإن عصبا محددا في العين يتلقي
أشعتها فيقوم علي الفور بإرسال رسالة خاصة إلي الساعة
الحياتية (TheBiologicalClock) التي تأمر الغدة
الصنوبرية بالتوقف عن إفراز الميلاتونين, وعند غياب الشمس
تنعكس الأوامر التي تصدر بإنتاج هذا الهورمون المهم إلي جميع
خلايا الجسم.
فهل يمكن أن يكون هذا القسم من الله الخالق(
سبحانه وتعالي) إلا تأكيدا لأهمية الشمس وأهمية ضحاها لاستقامة
الحياة علي الأرض وفي الكون, وأن يكون في ذلك من الشهادة علي
عظمة الخالق الذي أبدعها لأن في بناء الشمس وفي انضباط حركاتها
ما يقطع بأن ذلك لا يمكن إلا أن يكون نتاج تقدير محكم دقيق من
الخالق العليم الخبير الذي أتقن كل شيء خلقه؟ ولذلك أورد ذكر
الشمس في خمسة وثلاثين موضعا من محكم كتابه, وسمي باسمها سورة
من سوره, وأقسم بها في مطلع تلك السورة الكريمة, كما أشار
إلي شيء من صفاتها, وتسخيرها, وانضباط حركاتها, وحتمية
فنائها, وذلك من مثل قوله( تعالي):
*
فالق
الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز
العليم [ الأنعام:96].
*... والشمس والقمر
والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب
العالمين[ الأعراف:54].
* هو الذي جعل الشمس ضياء
والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله
ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون[
يونس:'5].
*... وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمي
يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون[
الرعد:2].
* وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل
والنهار[ إبراهيم:33].
* وسخر لكم الليل والنهار
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم
يعقلون[ النحل:12].
* ألم تر أن الله يسجد له من في
السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر
والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب...[
الحج:18].
* وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا[
نوح:16].
* فإذا برق البصر, وخسف القمر, وجمع
الشمس والقمر[ القيامة:7 ـ9].
* وجعلنا سراجا
وهاجا[ النبأ:13].
* إذا الشمس كورت[
التكوير:1].
فسبحان الذي خلق الشمس ـكما خلق غيرها من
أجرام الكون وخلق الكون بكل ما فيه ومن فيهـ وضبط حركات كل صغيرة
وكبيرة فيه بعلمه وحكمته وقدرته, وأحاط بكل ذلك علما فأقسم
بالشمس وضحاها من قبل ألف وأربعمائة سنة, في بيئة لم يكن لأحد
من الخلق إدراك لقيمة الأمر المقسم به, ثم يأتي العلم الكسبي
في أوج تقدمه مؤكدا عظمة المقسم والمقسم عليه, وشاهدا بأن
القرآن الكريم هو كلام الله الخالق, وأن الرسول الخاتم الذي
تلقاه كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات
والأرض, فصلي الله وسلم وبارك عليه, وعلي آله وصحبه, ومن
تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين والحمد لله رب
العالمين.