هذا النص القرآني
المعجز جاء في مطلع الثلث الأخير من سورة النمل, وهي سورة
مكية, وآياتها ثلاث وتسعون, وقد سميت بهذا الاسم لورود
الإشارة فيها إلي قصة نبي الله سليمان مع هذه الحشرة الضئيلة
الحجم, في وادي النمل, ولعل في ذلك ما يؤكد لنا أن كل كائن
في هذا الوجود من المخلوقات غير المكلفة له قدر من الادراك,
والوعي, والإيمان بالله( تعالي) وحده( بغير شريك ولا
شبيه ولا منازع) في توحيد خالص, وخضوع كامل, وعبادة
فطرية, تسخيرية دائبة قد تقصر دونها عبادة بعض المكلفين من
الخلق, وذلك بغض النظر عن حجم ذلك الكائن, أو طبيعته:
جمادا كان, أو حيوانا أو نباتا, وعلي الرغم من غفلة كثير من
الخلق المكلفين عن تلك الحقيقة المبهرة....!!
ويدور المحور
الرئيسي لسورة النمل حول قضية العقيدة وأساسها الإيمان بالله
وحده, ولذلك تقرع آذان المشركين بهذا التساؤل الاستنكاري
التبكيتي الرادع: أإله مع الله!؟
وقد تكرر هذا
التساؤل خمس مرات بين آيات السورة الكريمة, وجاءت كل مرة فيها
بعد الإشارة إلي عدد من الآيات الكونية التي تشهد للخالق العظيم
بالألوهية, والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه, كما
تشهد له( سبحانه) بطلاقة القدرة, وبديع الصنعة, وإحكام
الخلق, وتمام الحكمة, وإحاطة العلم, ويأتي الجواب بعد كل
تساؤل من تلك التساؤلات الخمسة أكثر زجرا وأقوي ردعا بقول
الحق( تبارك وتعالي): بل هم قوم يعدلون, بل أكثرهم لا
يعلمون قليلا ما تذكرون, تعالي الله عما يشركون, قل هاتوا
برهانكم إن كنتم صادقين.
وبعد استعراض أطراف من قصص
الغابرين يأتي قول الحق( تبارك وتعالي): قل الحمد لله وسلام
علي عباده الذين اصطفي آ لله خير أما يشركون*(
النمل:59)
ومن ركائز العقيدة التي دار حولها المحور
الرئيسي للسورة أيضا: الإيمان بأن هذا الإله الواحد ــ الذي لا
شريك له في ملكه, ولا منازع له في سلطانه ــ هو الخالق,
الرزاق, العليم الحكيم واهب النعم, ومجري الخيرات, علام
الغيوب, صاحب الحول والطول, منزل وحي السماء الذي تكامل في
القرآن الكريم وحفظ فيه بوعد منه( سبحانه وتعالي) والإيمان
بالآخرة, وبما فيها من بعث وحساب, وثواب وعقاب.
وتبدأ
سورة النمل بالحرفين الهجائيين طس اللذين اختص بهما مطلع هذه
السورة الكريمة, وهذه الفواتح الهجائية من أسرار القرآن الكريم
التي يري نفر من علماء المسلمين أفضلية التوقف عن الخوض في تفسير
دلالاتها, وتفويض الأمر فيها إلي الله( تعالي), ويري نفر
آخر ضرورة الاجتهاد في فهم تلك الدلالات, فتعددت لها أوجه
التفسير دون الوصول إلي رأي جامع في ذلك بعد.
وتؤكد
السورة الكريمة أن آيات القرآن الكريم هي الكتاب المبين, وأنها
جاءت: هدي وبشري للمؤمنين* الذين يقيمون الصلاة ويؤتون
الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون*( النمل:3,2).
ثم تنتقل
السورة إلي مقارنة بين المؤمنين بالآخرة والذين لا يؤمنون بها,
وتعرض لشيء من صفاتهم وجزائهم في الدنيا والآخرة, وتؤكد لخاتم
الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) قدسية ما يتلقاه من
وحي فيقول: وإنك لتلقي القرآن من لدن حكيم عليم*(
النمل:6)
ثم تعرض سورة النمل لقصص عدد من انبياء
الله, ولما نال الكافرين من اقوامهم من عذاب بسبب إعراضهم عن
دعوة الله, وتكذيبهم لرسله, ومن هؤلاء موسي0 عليه
السلام) وكلام ربه( تعالي) إليه, وبعثه الي فرعون وقومه
في تسع آيات, ومنهم كل من داود وسليمان( عليهما السلام)
وما علمهما الله( تعالي) من علم, وما آتاهما من فضل, ومن
ذلك قصة سليمان عليه السلام مع نملة في وادي النمل, ومع كل من
الهدهد وبلقيس ملكة سبأ.
كذلك جاءت سورة النمل علي ذكر طرف
من قصة نبي الله لوط( عليه السلام) والفاحشين من قومه, وما
أصاب هؤلاء الفاحشين من عذاب أليم, ونجاة لوط وأهله إلا امرأته
كانت من الغابرين.
وفي الرد علي منكري البعث تخاطب سورة
النمل رسول الله( صلي الله عليه وسلم) بقول الحق( تبارك
وتعالي): قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله
وما يشعرون أيان يبعثون* بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك
منها بل هم منها عمون* وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا
وآباؤنا أئنا لمخرجون* لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن
هذا إلا أساطير الأولين*( النمل65 ـ68).
وتتابع
السورة الكريمة بالأمر الإلهي إلي هؤلاء المكذبين بالدين أن
يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة المجرمين من الأمم
السابقة, والذين أبيدوا عن بكرة أبيهم جزاء إجرامهم وكفرهم
وظلمهم, وأن هذه هي عاقبة كل مجرم مفسد في الأرض من أمثال
الصهاينة المجرمين الغاصبين لأرض فلسطين والجائرين علي اهلها
بالبطش والظلم ومن أمثال الهندوس والبوذيين الظالمين لشعوبهم من
المسلمين, وعاقبة الأمريكان والبريطانيين والروس والصربيين
والصينيين الخائنين المتآمرين والمستبدين بشعوبهم وبشعوب الأرض
اجمعين....!!
وتأمر الآيات رسول الله( صلي الله عليه
وسلم) كما تأمرنا اليوم بأمر الله( تعالي)
ولا تحزن
عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون*( النمل:70) وترد السورة
مرة أخري علي شبهات المتشككين في الآخرة والعمين عنها بقول
الحق( تبارك وتعالي): ويقولون متي هذا الوعد إن كنتم
صادقين* قل عسي أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون* وإن ربك
لذو فضل علي الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون*( النمل:71
ــ73)
وتؤكد الآيات في سورة النمل أن الله( تعالي) يعلم
ما تكن الصدور وما تعلن, ويعلم غيب السماوات والأرض, وأن هذا
القرآن الكريم أنزل تصحيحا لما حرف اليهود من رسالة الله
إليهم, وإنه لهدي ورحمة للمؤمنين, وأن الله( تعالي)...
يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم*.
وتأمر الآيات
رسول الله( صلي الله عليه وسلم) بالتوكل علي الله, وتؤكد
له أنه علي الحق المبين, وتفسر له رفض الكافرين لرسالته بأنهم
كالأموات بلا وعي ولا حراك أو كالصم الذين لا يسمعون خاصة إذا
ولوا مدبرين أو كالعمي الذين لا يبصرون والغارقين في الضلال إلي
آذانهم ولذلك تقول: فتوكل علي الله إنك علي الحق المبين* إنك
لا تسمع الموتي ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين* وما أنت
بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم
مسلمون*( النمل:79 ــ81) وتؤكد سورة النمل أن من العلامات
الكبري للساعة خروج الدابة من الأرض تكلم الناس وتعاتبهم علي عدم
اليقين بآيات الله فتقول:
وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم
دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون*(
النمل:82)
وتتحدث الآيات عن مصائر المكذبين بآيات الله
يوم الحشر, وعن أثر نفخة الصور في كل من أهل السماء والأرض
فتقول:
ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في
الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين* (
النمل:87).
وتصف سورة النمل مصائر كل من المحسنين
والمسيئين فتقول: من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع
يومئذ آمنون* ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون
إلا ما كنتم تعملون*. ( النمل:89
ــ90).
وتختتم السورة الكريمة بأمر إلهي إلي الرسول
الخاتم والنبي الخاتم( صلي الله عليه وسلم) ليقول للناس
كافة:
إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل
شئ وأمرت أن أكون من المسلمين* وأن أتلو القرآن فمن اهتدي
فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين* وقل الحمد
لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون* (
النمل:91 ــ93)
والآيات التي استشهدت بها سورة النمل
علي صدق ما جاء بها من عقائد وتشريعات وأحكام وأخبار تشمل ما
يلي:
(1) الإشارة إلي أن لكل من الطيور والحشرات ولغيرهما
من الحيوانات بالقياس( ولباقي الكائنات من الأحياء
والجمادات) قدرا من الإدراك, ومنطقا يعين كلا منهم علي
التعبير عن مشاعره وخواطره وإيمانا فطريا تسخيريا للخالق(
سبحانه وتعالي) وإدراكا لجلال هذا الخالق العظيم, وهو باب في
العلم لم يدرك الإنسان طرفا منه إلا في العقود المتأخرة من القرن
العشرين ولا يزال العلم اليوم علي عتبات ذلك
الباب.
(2) الإشارة إلي سرعات فائقة تقترب من سرعة
الضوء كالسرعة التي نقلت بها عرش بلقيس ملكة سبأ من جنوب اليمن
إلي بيت المقدس في زمن لا يتعدي طرفة عين, ولم يكن أحد علي وجه
الأرض حينذاك ولا في وقت تنزل القرآن الكريم يدرك شيئا من قبيل
تلك السرعات الفائقة إلا في المعجزات او
الاساطير.
(3) الاشارة إلي تزجيج بلاط الأرضيات....
إنه صرح ممرد من قوارير....
(4) خلق السماوات والأرض
بالحق.
(5) إنزال الماء من السماء وإنبات النبات
والشجر بإذن الله.
(6) جعل الأرض قرارا وإرساؤها
بالجبال, وشق الانهار من خلالها.
(7) وجود حاجز
فاصل بين كل بحرين متجاورين من بحار الأرض.
(8) خلق
النجوم زينة للسماء الدنيا, ووسيلة هداية للناس في ظلمات البر
والبحر.
(9) إرسال الرياح بشرا بين يدي رحمة
الله.
(10) التأكيد علي أن الله( تعالي) هو الذي
يبدأ الخلق ثم يعيده.
(11) التأكيد علي أن الله(
تعالي) يرزق كل عباده من السماء والأرض حسب مشيئته
وتقديره.
(12) التأكيد علي أن الله( تعالي) هو
وحده الذي يعلم غيب السماوات والأرض, وعلي أن المخلوقين لا
يعلمون أيان يبعثون.
(13) تأكيد حقيقة أن الليل للسكن
والراحة, وأن النهار للنشاط والعمل.
(14) الإشارة
إلي دوران الأرض حول محورها بوصف الجبال أنها تمر مر
السحاب.
(15) التأكيد علي أن الله( تعالي) سيفتح
أبواب معرفة الكون للناس في آخر الزمان فيرون آياته
ويعرفونها.
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة
خاصة, ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي قوله(
تعالي): ... وجعل بين البحرين حاجزا...*(
النمل:61).
وقبل البدء في ذلك لابد من استعراض أقوال
عدد من المفسرين السابقين لهذا النص القرآني
المعجز.
من أقوال المفسرين
في
تفسير قوله( تعالي): ...
وجعل بين البحرين حاجزا..*
ذكر ابن كثير( يرحمه الله) ما
نصه:... أي جعل بين المياه العذبة والمالحة( حاجزا) أي
مانعا يمنعها من الاختلاط.....
وجاء في تفسير الجلالين(
رحم الله كاتبيه) ما نصه:...( وجعل بين البحرين حاجزا) بين
العذب والملح لا يختلط أحدهما بالآخر....
وذكر صاحب
الظلال( رحمه الله رحمة واسعة) ما نصه: البحر الملح
الأجاج, والنهر العذب الفرات...
وجاء في صفوة البيان
لمعاني القرآن( رحم الله كاتبه برحمته الواسعة) ما نصه:...
برزخا فاصلا من الأرض بين العذب والملح, حتي لا يبغي أحدهما
علي الآخر.
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن
الكريم( جزاهم الله خيرا) ما نصه:... وجعل بين الماء العذب
والماء الملح فاصلا يمنع امتزاج أحدهما بالآخر!!...
وجاء في
صفوة التفاسير( جزي الله كاتبه خير الخبراء) ما نصه:.. أي
وجعل بين المياه العذبة والمالحة فاصلا ومانعا يمنعها من
الاختلاط لئلا يفسد ماء البحار المياه العذبة....
وواضح
من هذا الاستعراض إجماع المفسرين قدامي ومعاصرين علي أن المقصود
بالبحرين هنا هما النهر العذب الفرات والبحر الملح الأجاج,
ولكن في مقال سابق أوضحنا أن المقصود بالبحرين في قول
الحق(تبارك وتعالي): مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ
لا يبغيان* (الرحمن:19 ــ20)
هما البحر الملح
ونظيره الملح عندما يختلفان في صفاتهما الطبيعية والكيميائية,
وهو نفس الاستنتاج هنا بالنسبة للبحرين المذكورين في الآية
رقم(61) من سورة النمل.
من مبررات تفسير لفظة(
البحرين) المطلقة في القرآن الكريم بالبحرين الملحين(
المالحين)
في كل من الآية رقم(61) من سورة النمل,
والآيتين رقم(19 ــ20) من سورة الرحمن تفسر لفظة(
البحرين) التي جاءت مطلقة في الحالتين بالبحرين الملحين وذلك
للمبررات التالية:
أولا: أن لفظة( البحر) في اللغة
العربية تطلق علي كل من البحر الملح, والبحر العذب( أي
النهر), ولكنها إذا أطلقت دون تقييد فإنها تدل علي البحر الملح
فقط, وإذا قيدت فإنها تدل علي ما قيدت به, وقد جاءت لفظة(
البحرين) مطلقة في الحالتين المذكورتين.
ثانيا:
أورد القرآن الكريم لفظة( البحر) بالإطلاق في39 موضعا,
منها33 بالإفراد, وثلاث بالتثنية, وثلاثة أخري بصيغة
الجمع, ومن ذلك قوله تعالي:
(1)... وسخر لكم الفلك
لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار*(
إبراهيم:32)
(2).. وجعل بين البحرين
حاجزا...* ( النمل:61)
(3)
مرج البحرين
يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان*( الرحمن:19
ــ20)
وفي المقابل نلاحظ أن القرآن الكريم أورد لفظة(
البحر) بالتقييد المحدد مرتين فقط بصيغة التثنية يقول فيهما
ربنا( تبارك وتعالي):
(1) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب
فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا*(
الفرقان:53)
(2) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ
شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية
تلبسونها وتري الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم
تشكرون*( فاطر:12).
ثالثا: في وصف لفظة(
البحرين) المطلقة جاء في سورة الرحمن قول الحق( تبارك
وتعالي): يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان*(
الرحمن:22)
والمرجان حجر من الاحجار شبه الكريمة يؤخذ من
هياكل حيوان بحري لا يحيا إلا في الماء الملح, أما اللؤلؤ
فيستخرج من أصداف حيوانات تحيا في أي من الماء الملح أو الماء
العذب, ولكن جمعهما معا يؤكد علي أن المقصود بالبحرين هنا هما
البحر الملح والبحر الملح, وهو أمر أكبر إعجازا من التقاء
النهر العذب بالبحر المالح ــ علي أهمية ذلك العظمي, وضرورته
القصوي لاستقامة الحياة علي الأرض, وعلي ما فيه من إعجاز في
الخلق يعجز البيان عن تصويره ــ.
رابعا: الإشارة
القرآنية الكريمة إلي تعظيم الفاصل بين البحرين العذب والملح بكل
من البرزخ والحجر المحجور وذلك لوجود الدلتا ومقدماتها وما
حولهما من حواجز ترسيبية, بالإضافة الي الماء الوسطي بين العذب
والملح( الماء المويلح أي قليل الملوحة) علي حواف الماء
العذب عند التقاء الماءين, وفي المقابل الإشارة القرآنية إلي
الفاصل بين البحرين( بغير تخصيص) بتعبير البرزخ فقط أو
الحاجز فقط وهو الحاجز من الماء الوسطي بين ماءين مختلفين في
صفاتهما الطبيعية والكيميائية كالبحرين الملحين المختلفين أفقيا
أو رأسيا; وذلك لأن مثل هذا الحاجز لا يمنع تحرك الكائنات
البحرية من كتلة مائية إلي كتلة مائية أخري مجاورة إلا إذا
تباينت الصفات بينهما تباينا صارخا فهو لا يحجر الكائنات البحرية
حجرا كاملا, كما أنه يصعب ادراكه علي غير المتخصصين حتي في زمن
التقدم العلمي الذي نعيشه.
خامسا: ثبت أن التنوع بين
كتل الماء المتجاورة أفقيا ورأسيا بين البحار المتجاورة, وفي
داخل البحر الواحد من البحار العميقة والمحيطات هو ضرورة من
ضرورات التنوع البيئي في البحار الذي لولاه لتقلصت الحياة
البحرية تقلصا شديدا.
وتتجاور تلك الكتل المائية وتختلط
دون امتزاج كامل علي الرغم من محاولة التيارات والأمواج البحرية
خلط كل كتلتين مائيتين متجاورتين بأنشطتها المختلفة, ولكن كل
الذي يحققه ذلك هو تكوين حزام أو جبهة أو برزخ أو حاجز من ماء
وسطي في كل حالة يعمل هذا البرزخ علي إبقاء تلك الكتل المائية
المتجاورة مفصولة فصلا كاملا عن بعضها البعض, وكأن كلا منها
عبارة عن بحر مستقل بذاته.
تباين الكتل المائية المتجاورة
في صفاتها بين البحار المتجاورة وفي البحر الواحد
علي
الرغم من وجود كتل مائية متجانسة في صفاتها الطبيعية والكيميائية
تغطي مساحات كبيرة من محيطات الأرض وبحارها الكبيرة, فإن قياس
عدد من الصفات الطبيعية والكيميائية من مثل كل من درجات الحرارة
ونسبة الملوحة والكثافة ونسبة الأوكسجين المذاب في الماء قد
أثبتت وجود تباين ملحوظ في تلك الصفات من كتلة إلي أخري أي من
بحر الي آخر, وحتي في البحر الواحد, ومع تباين تلك الصفات
تتباين التجمعات الحياتية في كل منها. كما تتباين أنواع
الرسوبيات التي تترسب منها; وهذه الحقيقة لم تدرك الا في اواخر
القرن التاسع عشر الميلادي اثناء رحلة باخرة الأبحاث البحرية
البريطانية المسماة باسم رحلة التحدي The Challenger
Expedition والتي تمت في الفترة من1872 م إلي1876 م.
وأثبتت أبحاثها ان الماء في بحار ومحيطات الأرض ينقسم الي عدد من
الكتل المتجاورة أفقيا ورأسيا, ولما كانت التغيرات الرأسية في
صفات ماء البحار والمحيطات أسرع من التغيرات الأفقية, فإن
التمايز الرأسي في صفات ماء البحار والمحيطات كان دائما أوضح من
تمايزه الأفقي, وعلي سبيل المثال فإن درجة حرارة الماء عند خط
الاستواء تنخفض من25 درجة مئوية عند مستوي سطح البحر أو المحيط
إلي5 درجات مئوية علي عمق كيلو متر واحد, بينما لا تنخفض
أفقيا إلي نفس الدرجة إلا علي بعد حوالي5000 كيلو متر شمالا أو
جنوبا من خط الاستواء.
وعلي الرغم من ذلك فإن التغيرات
الأفقية في الصفات الطبيعية والكيميائية قائمة بالفعل,
وبإضافتها الي التغيرات الرأسية نلاحظ ان الكتل المائية في
البحار والمحيطات تتغير صفاتها في الأبعاد المكانية الثلاثة,
كما تتغير مع الفصول المناخية ومع كل من الليل والنهار( أي مع
الزمن).
طبيعة الحاجز بين
البحرين
مع التغير في الصفات الطبيعية والكيميائية
لكتل الماء فإنها تتحرك في الاتجاهات الرأسية والأفقية,
وتختلط, وتتداخل أحيانا, وتتبادل درجات الحرارة والملوحة إلا
أنها تظل دائما مفصولة عن بعضها البعض بحواجز غير مرئية بطريقة
مباشرة علي هيئة حدود من الماء ذي الطبيعة الوسطية.
وعلي
الرغم من ذلك فإن الماء في البحار والمحيطات يبدو متجانسا لخفاء
تلك الحواجز الفاصلة من الكتل المائية, ويعين علي ذلك ان75%
من مجموع ماء البحار والمحيطات في درجة حرارة تتراوح بين
الصفر, و6 درجات مئوية, ودرجة ملوحة تتراوح بين3,4%,
و3,5%; و50% من مجموع ماء تلك البحار والمحيطات في درجة
حرارة تتراوح بين3,8,1,3 درجة مئوية, ودرجة ملوحة تتراوح
بين3,46%,3,48%; وأن متوسط درجة حرارة الماء في محيطات الأرض
هو3,5 درجة مئوية, ومتوسط درجة الملوحة هو3,47%, وان كانت
هذه المعطيات تتغير كثيرا في كل من البحار المغلقة وشبه
المغلقة.
توزيع الكتل المائية بين
البحار والمحيطات