في تفسير قوله(
تعالي):
وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا
من السماء ماء طهورا( الفرقان:48)
ذكر ابن كثير( يرحمه
الله)مانصه:... وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم,
وهو أنه( تعالي) يرسل الرياح مبشرات, أي: بمجيء السحاب
بعدها, والرياح أنواع: فمنها مايثير السحاب, ومنها
مايحمله, ومنها مايسوقه, ومنها مايكون بين يدي السحاب
مبشرا, ومنها ما يلقح السحاب فيمطر, ولهذا قال( تعالي):
وأنزلنا من السماء ماء طهورا....
وذكر صاحبا تفسير
الجلالين( رحمهما الله) مانصه:( وهو الذي أرسل
الرياح)...( نشرا بين يدي رحمته) متفرقة قدام المطر, وفي
قراءة بسكون الشين تخفيفا, وفي أخري بسكونها وفتح النون
مصدر, وفي أخري بشرا بسكونها وضم الموحدة بدل النون أي:
مبشرات, ومفرد الأولي( نشور) كـ( رسول), والأخيرة(
بشير) كـ( قدير), و(أنزلنا من السماء ماء طهورا
مطهرا.
وذكر صاحب الظلال( رحمه الله رحمة واسعة)
مانصه: والحياة علي هذه الأرض كلها تعيش علي ماء المطر, إما
مباشرة, وإمابما ينشئه من جداول وأنهار علي سطح الأرض, ومن
ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية المتسربة إلي باطن الأرض
منه, ولكن الذين يعيشون مباشرة علي المطر هم الذين يدركون رحمة
الله الممثلة فيه إدراكا صحيحا كاملا, وهم يتطلعون إليه شاعرين
بأن حياتهم كلها متوقفة عليه, وهم يترقبون الرياح التي
يعرفونها تسوق السحب, ويستبشرون بها, ويحسون فيها رحمة الله
ـ إن كانوا ممن شرح الله صدورهم للإيمان ــ.
والتعبير
يبرز معني الطهارة والتطهير:( وأنزلنا من السماءماء طهورا)
وهو بصدد ما بالماء من حياة.
وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني
القرآن( رحمه الله) مانصه:( بشرا) مبشرات
بالغيث.
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما
نصه:
وهو الذي سخر الرياح فتسوق السحب وتبشر الناس بالمطر
الذي هو رحمة منه لهم, ولقد أنزلنا من السماء ماء طاهرا مطهرا
مزيلا للأنجاس والأوساخ....
وجاء في تعليق الخبراء
العلميين بالهامش مايلي: وأنزلنا من السماء ماء طهورا: في
هذه الآية الكريمة يمن الله( تعالي) علي البشر بإنزال الماء
طاهرا إليهم من السماء, وتتضمن الآية الإشارة إلي أن ماء المطر
عند بدء تكونه يكون في أعلي درجات النقاء, وعلي الرغم من أن
حمله بعد ذلك مما في الجو من أجسام وذرات فإنه يكون في أعلي
درجات الطهارة.
وذكر صاحب صفوة التفاسير( جزاه الله
خيرا) مانصه:( وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)
أي: أرسل الرياح مبشرة بنزول الغيث والمطر, وأنزلنا من
السماء ماء طهورا, أي: أنزلنا من السحاب الذي ساقته الرياح
ماء طاهرا مطهرا تشربون وتتطهرون به, قال القرطبي: وصيغة(
طهور) بناء مبالغة في( طاهر) فاقتضي أن يكون طاهرا
مطهرا.
مدلول الآية الكريمة في ضوء
العلوم المكتسبة
أولا: سبق القرآن الكريم بالإشارة إلي أصل
ماء الأرض:
في الوقت الذي تضاربت فيه آراء العلماء
حول أصل ماء الأرض جاء القرآن الكريم مؤكدا أن الله( تعالي)
قد أخرج كل ماء الأرض من داخلها, ودوره بين الأرض والسماء في
عملية مستمرة دائمة من أجل تطهيره وإنزاله ماء طهورا علي هيئة
المطر والبرد ليجري علي سطح الأرض في أشكال وهيئات متعددة,
تلعب أدوارا مهمة في تشكيل سطح الأرض, وشق الفجاج والسبل
فيه, وتفتيت صخوره, وتكوين تربته, وتركيز ثرواته, وتوفير
قدر من الرطوبة في كل من التربة والأجزاء السفلي من الغلاف
الغازي للأرض.
وفي ذلك يقول الحق( تبارك
وتعالي):
(1) والأرض بعد ذلك دحاها آخرج منها ماءها
ومرعاها( النازعات:31,30).
(2)
أفرأيتم الماء الذي
تشربون.*أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون* لو نشاء
جعلناه أجاجا فلولا تشكرون( الواقعة:68 ـ70).
(3)
وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي إذا أقلت سحابا
ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات
كذلك نخرج الموتي لعلكم تذكرون(الأعراف:57).
(4)
وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما
أنتم له بخازنين (الحجر:22)
(5) الله الذي يرسل
الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فتري
الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم
يستبشرون( الروم:48)
(6) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم
يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من خلاله وينزل من
السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء
يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار( النور:43)
(7)
والله الذي
أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلي بلد ميت فأحيينا به الأرض
بعد موتها كذلك النشور( فاطر:9)
(8)
إن الله عنده علم
الساعة وينزل الغيث.....*( لقمان:34)(9)
وأنزلنا
من المعصرات ماء ثجاجا (النبأ:14).
(10)
وأنزلنا من
السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا علي ذهاب به
لقادرون...( المؤمنون:18)
(11)( ألم تر أن الله أنزل من
السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض.....(
الزمر:21)
ثانيا: تضارب آراء
العلماء حول أصل ماء الأرض:
تضاربت آراء العلماء حول
أصل الماء علي سطح الأرض تضاربا كبيرا, ولم يحاول أحدهم ربط
ذلك بماء المطر علي الرغم من وضوح ذلك. ففي الحضارة اليونانية
القديمة اقترح أفلاطون(428 ـ348 ق.م.) وجود خزانات جوفية
هائلة علي هيئة عدد من الممرات والقنوات تحت سطح الأرض تقوم
بتغذية جميع أشكال الماء علي سطح الأرض من جداول وأنهار,
وبحيرات وبحار ومحيطات وغيرها, وتخيل أن هذا الخزان المائي
الهائل ليس له قاع إذ يتخلل الأرض كلها, وأن الماء يمور فيه
بصفة مستمرة.
أما أرسطو(385 ـ322 ق.م) فقد رفض هذه
الفكرة علي أساس أن مثل هذا الخزان لابد أن يكون أكبر من حجم
الأرض لكي يتمكن من الإبقاء علي جميع الأنهار متدفقة, ونادي
بأن هواء باردا في داخل الأرض يتحول إلي الماء كما يتحول الهواء
البارد حول الأرض, واقترح أن تضاريس الأرض العالية تعمل عمل
قطع الإسفنج الهائلة حيث تتشبع بهذا الماء المتكون في داخل الأرض
من تكثف الهواء الجوفي البارد, وأنها تقطر هذا الماء فتغذي به
الأنهار والجداول والينابيع.
كذلك نادي فيزوفيوس في
القرن الأول الميلادي( وهو من مفكري الحضارة الرومانية) بأن
الأودية بين الجبال أكثر حظا من الجبال في غزارة ماء المطر,
وأن الثلج يبقي فوق الأرض لفترة أطول في المناطق المكسوة
بالغابات الكثيفة, وأنه عند انصهاره يتحول إلي ماء فيتخلل
فتحات الأرض, ويصل في النهاية إلي أسافل الجبال التي تسيل منها
الجداول وتتدفق.
وظل العديد من العلماء حتي آواخر القرن
السابع عشر الميلادي مقتنعين بفكرة الكهوف الكبيرة في داخل الأرض
كمصدر رئيسي لماء الأنهار, أو أن الماء المتجمع تحت سطح الأرض
يأتي من البحر, وقد لخص هذه الآراء الخاطئة عالم أوروبي باسم
أثناسيوس كيرثر(1602-1680 م) مفترضا أن البحر مرتبط بجبال
جوفاء تتدفق منها الأنهار والجداول. ولم يستطع أحد من علماء
الغرب ومفكريه تصور إمكانية أن تكون زخات المطر المتفرقة علي
مدار السنة كافية لابقاء الأنهار وغيرها من مجاري الماء متدفقة
به علي مرور الزمن. علي الرغم من أن فرنسياباسم برنارد
باليسي(1510 م-1590م) كان قد أعلن أن الأنهار والينابيع
لايمكن أن يكون لها مصدر غير ماء المطر, وأشار إلي أن الماء
تبخره حرارة الشمس, وتحمل الرياح الجافة التي تضرب الأرض هذا
البخار فتتشكل السحب التي تتحرك في كل الاتجاهات كالبشائر التي
يرسلها الله, وعندما تدفع الرياح تلك الأبخرة يسقط الماء فوق
أجزاء من الأرض, وعندما يشاء الله تذوب تلك السحب التي ليست
سوي كتلة من الماء, وتتحول إلي مطر يسقط علي الأرض, وعندما
يواصل هذ الماء نزوله من خلال شقوق الأرض ويستمر في النزول حتي
يجد منطقة مغلفة بالص
خور الكثيفة فيستقر عندها علي هيئة
مخزون فوق هذا القاع الذي يتدفق منه الماء عندما يجد فتحة توصله
إلي سطح الأرض علي هيئة ينابيع أو جداول أو أنهار.
وواضح أن
باليسي هذا قد نقل هذا الكلام عن ترجمات معاني القرآن الكريم
التي كانت قد توافرت للأوروبيين في زمانه, أو عن بعض كتابات
المسلمين التي قام الأوروبيون بترجمتها في بدء عصر النهضة
الأوروبية إلي كل من اللاتينية واليونانية بعد نهبها من المكتبات
الإسلامية في كل من الاندلس وإيطاليا وصقلية, أو خلال الحروب
الصليبية, وذلك لوضوح النبرة الإسلامية في
كتابته.
ثالثا: أهمية الماء
للحياة علي الأرض:
كوكب الأرض هو أغني كواكب
المجموعة الشمسية بالماء الذي تقدر كميته علي سطح ذلك الكوكب
بنحو1,4 بليون كيلومتر مكعب, ويتوزع أغلب هذا
الماء(97,22%) في البحار والمحيطات, ويتجمد أغلب الباقي(
في حدود2,15%) علي هيئة سمك هائل من الجليد فوق قطبي الأرض,
وعلي قمم الجبال, ومابقي بعد ذلك ونسبته لاتكاد تتعدي(0,63%)
من مجموع ماء الأرض يتوزع بين الماء المختزن تحت سطح الأرض(
وتبلغ نسبته(0,613%), والمخزون في البحيرات الداخلية,
والجاري في الأنهار والجداول, والمتمثل في رطوبة كل من التربة
والجو( ونسبته في حدود0.027%).
ويغطي ماء الأرض حاليا
نحو(71%) من مساحة سطحها المقدرة بنحو(510 ملايين كيلومتر
مربع), بينما تشغل اليابسة حوالي (29%) من تلك المساحة فقط,
والصراع بين اليابسة والماء كان- ولايزال- من سنن الله في
الأرض.
والماء سائل شفاف, وهو في نقائه لا لون له,
ولا رائحة, ولا طعم, ويتركب جزيء الماء من ذرتين من ذرات غاز
الهيدروجين, وذرة واحدة من ذرات غاز الأوكسجين, وترتبط هذه
الذرات الثلاث مع بعضها البعض برابطتين تساهميتين تشكلان فيما
بينهما زاوية قدرها(105 من الدرجات), وقد جعل ذلك لجزيء
الماء قطبين كهربيين يحمل أحدهما شحنتين موجبتين, ويحمل الآخر
شحنة سالبة مكافئة, وهذه الخاصية وفرت للماء- بإرادة
خالقه- من الصفات الطبيعية والكيميائية ماجعل منه أقوي مذيب
معروف, وبالتالي جعله من أهم ضرورات الحياة, فأجساد الكائنات
الحية يغلب علي تركيبها الماء الذي تتراوح نسبته في جسم الانسان
بين(71%) في الانسان البالغ و(93%) في الجنين ذي الأشهر
المعدودة.
هذا بالاضافة إلي أن جميع الأنشطة الحيوية من مثل
الأيض والتمثيل الضوئي لايمكن أن تتم في غيبة الماء في أجساد كل
من النبات والحيوان والإنسان.
فالنبات علي سبيل المثال
يأخذ غذاءه من التربة عن طريق مابها من عناصر ومركبات ذائبة في
الماء, وهذه العصارة الغذائية يمتصها النبات بواسطة شعيراته
الجذرية, فترتفع في الأوعية الخشبية للنبات بقدرة خاصة أعطاها
الله( تعالي) للماء تعرف باسم الخاصية الشعرية, تعين
العصارة الغذائية علي الارتفاع إلي أعلي في داخل النبتة حتي تصل
إلي قمتها مهما كان ارتفاعها, وخاصية ثانية تعرف باسم التوتر
السطحي تعين الماء علي التماسك في أسطح أفقية فلا ينهار منها
بسهولة.
وبعد الاستفادة بالقدر اللازم من الماء, يطلق
النبات الزائد عن حاجته إلي الجو بالبخر بعدد من العمليات
الحيوية التي أهمها النتج. وبالمثل فإن كلا من الإنسان
والحيوان يأخذ القدر اللازم له من الماء عن طريق الطعام
والشراب, ويطرد الزائد عن حاجته بواسطة عدد من العمليات
الحيوية التي أهمها التنفس, العرق, الدموع, الإخراج,
وغيرها.
رابعا: دورة الماء حول
الأرض:
تبخر أشعة الشمس كما هائلا من ماء الأرض
فيرتفع علي هيئة بخار يعلق بأجزاء من الغلاف الغازي للأرض, ثم
يتكثف في أجزاء منها علي هيئة قطيرات دقيقة من الماء مكونا السحب
باذن الله.
ويقدر مايرتفع من الأرض إلي غلافها الغازي سنويا
بنحو(380,000 كيلومترا مكعبا) من الماء, يتبخر أغلبه من
أسطح البحار والمحيطات(320,000 كيلومترا مكعبا), ويرتفع
الباقي من اليابسة(60,000 كيلومترا مكعبا).
ويعود كل
مايتبخر من ماء الأرض إليها ثانية(380,000 كيلومترا مكعبا في
السنة) ينزل منه بتقدير الله(284,000 كم3) فوق البحار
والمحيطات,(000,.96 كم3) فوق اليابسة, وفي عودته إلي الأرض
يصرفه ربنا( تبارك وتعالي) حسب مشيئته وعلمه, ومن نماذج
هذا التصريف الإلهي البديع أن الفرق بين البخر من أسطح البحار
والمحيطات والمطر فوقها( ناقص36,000 كم3) هو نفسه الفرق
بين الإمطار علي اليابسة والبخر الصاعد منها( زائد36,000
كم3) والزائد علي اليابسة يفيض إلي البحار والمحيطات للمحافظة
علي مستوي منسوب الماء فيها في كل فترة زمنية محددة.
هذه
الدورة المائية المعجزة حول الأرض استمرت منذ أن أخرج الله(
تعالي) ماء الأرض من داخلها إلي اليوم الراهن وإلي أن يرث الله
الأرض ومن عليها, وبهذه الدورة يتحرك الماء من الغلاف المائي
للأرض إلي غلافها الهوائي ليتطهر مما يتجمع فيه من ملوثات ومواد
ذائبة فيه وعالقة به, وتمتد هذه الدورة من نحو الكيلومتر تحت
سطح الأرض إلي ارتفاع يقدر بنحو خمسة عشر كيلومترا فوق مستوي سطح
البحر.
وبخار الماء عادة لايكاد يري إلا إذا تعرض
لعمليات التكثف علي هيئة قطيرات دقيقة من الماء تظل عالقة بأجزاء
من الغلاق الغازي للأرض علي هيئة الندي أو الضباب بالقرب من سطح
الأرص, وعلي هيئة السحب المختلفة في نطاق التغيرات المناخية
المحيطة بالأرض, وقد تصل تلك السحب إلي الأجزاء السفلي من نطاق
التطبق الذي يعلوه.
وقد تتحول قطرات الماء في هذه المستويات
العليا إلي كل من البرد والثلج, أو تنمو إلي أحجام تمكنها من
النزول إلي الأرض مطرا حسب مشيئة الله وتقديره.
وعند
نزول المطر إلي الأرض قد يتدفق فوق سطحها علي هيئة السيول
الجارفة التي قد تؤدي إلي دمار شامل في المناطق الصحراوية,
وإلي فيضانات مغرقة بالأنهار والجداول.
كذلك يتسلل قدر من
ماء المطر إلي التربة, أو يصل إلي طبقات صخرية عالية المسامية
والنفاذية فيتحرك رأسيا بالجاذبية الأرضية إلي أسفل حتي يصل إلي
مخزون الماء تحت سطح الأرض فيعمل علي تجديد عذوبته, وتعويض
مايفيض أو يضخ منه.
وهذه الدورة المائية المعجزة يتم
بواسطتها تطهير الماء, وتلطيف جو الأرض, وتوفير نسبة معينة
من الرطوبة, في كل من غلافها الغازي وتربتها فتسمح للكائنات
الحية بما تحتاجه منها.
وبواسطة هذه الدورة المائية تتم
تسوية سطح الأرض, وشق الفجاج والسبل فيه, ويتم تفتيت
الصخور, وتكوين كل من التربة والصخور الرسوبية, وخزن قدر من
ماء المطر فيها وفي غيرها من صخور قشرة الأرض, وتركيز عدد من
الخامات الاقتصادية.
ماء السماء
ماء طهور
إن دورة الماء حول الأرض لها فوائد كثيرة من
أبرزها تطهير هذا الماء من عوالقه وشوائبه المختلفة, فحينما
ينزل ماء المطر علي الأرض ويجري علي سطحها فانه يحمل معه من
نفاياتها كما كبيرا إلي أحواض البحار والمحيطات في عملية تنظيف
وتطهير مستمرة لسطح الأرض, وغسل لأدرانها المختلفة, والماء
في جريانه علي سطح الأرض يذيب كل مايمكن اذابته من مكوناتها من
مختلف العناصر والمركبات, كما يحمل ملايين الاطنان من العوالق
غير المذابة والتي تترسب علي طول مجاري الانهار والأودية
ودالاتها وفوق قيعان البحار والمحيطات والبحيرات وغيرها من
التجمعات المائية, وفي هذه الأوساط المائية يحيا ويموت بلايين
الكائنات الحية ولذلك يتعفن الماء غير الجاري في التجمعات
المائية المحدودة بسرعة كبيرة وبدرجات أقل في البحار الواسعة
والمحيطات, ويزيد من تلوث هذه الأوساط المائية مايدفع إليها من
مخلفات المصانع والمنازل.
وحينما تبخر أشعة الشمس هذا الماء
فإنه يتطهر مما فيه من الملوثات, ويصعد إلي الطبقات الدنيا من
الغلاف الغازي علي هيئة بخار ماء نقي طاهر من كل ماكان فيه من
أدران وأوساخ وأملاح.
وهذه هي عملية التطهير الرئيسية
لماء الأرض, ولذلك فان أنقي صورة للماء الطبيعي هي ماء
المطر, علي الرغم من أنه عند نزوله من السماء قد يذيب نسبة
ضئيلة من مكونات الغلاف الغازي للأرض كما قد يحمل معه نسبة
لاتكاد تدرك من ذرات بعض الأملاح اللازمة لصحة الإنسان وغيره من
الكائنات الحية, وذلك لأن الماء الصافي تماما قد يكون ضارا
بجسم الانسان, ولايفسد ماء السماء إلا الملوثات التي قد يطلقها
الإنسان, وذلك من مثل أكاسيد الكبريت التي تسبب نزول مايسمي
بالأمطار الحمضية أو إطلاق بعض الغبار المشع كالذي ينتج من
التجارب النووية أو من التسرب من المنشئات القائمة علي مثل هذا
النشاط كالمفاعلات النووية من مثل ماحدث في كل من مفاعل تشرنوبل
النووي في الاتحاد السوفيتي السابق( ابريل1986 م) والذي
أدي إلي سقوط أمطار مليئة بالاشعاع عبر كل من أوروبا والمشرق
العربي وأثر علي كل من الإنسان والحيوان والنبات في المنطقة,
ومفاعل جزيرة الأميال الثلاثة (ThreeMilesIsland), ومفاعلات
شمال اسكتلندا قبل وبعد ذلك التاريخ.
والرسوبيات الملحية
التي تقدر بملايين الأطنان بين مختلف التتابعات الصخرية المكونة
لقشرة الأرض هي من بقايا عملية تطهير ماء الأرض بتبخيره ثم
تكثيفه في الغلاف الغازي للأرض بطريقة مستمرة, ونسب الملوحة
المتباينة في كل مياه الأرض المالحة والمتزايدة بمرور الزمن هي
من نواتج عملية التبخير تلك وهي مستمرة مابقيت الأرض حتي لا يفسد
ماؤها بتراكم الأملاح والنفايات وافرازات الكائنات الحية
المختلفة وتكدس بقاياها بعد موتها, وتحلل تلك البقايا
وتعفنها. وعلي ذلك فالمصدر الرئيسي للماء النقي علي سطح الأرض
هو ماء المطر.
وحتي الماء المخزون تحت سطح الأرض فان
ملوحته تزداد باستمرار مع الزمن لإذابته من أملاح الصخور المختزن
فيها أو لتبخره, وتركيزنسبة مابه من أملاح مذابة, ولاتتجدد
عذوبة هذا الماء ونسبة الأوكسجين فيه إلا بما يصل إليه من ماء
المطر.
من هذا الاستعراض يتضح بجلاء أن القرآن الكريم قد
وصف في عدد من آياته حقيقة اخراج كل ماء الأرض- علي كثرته-
من داخل الأرض, وهي حقيقة لم يدركها الانسان إلا في العقود
المتأخرة من القرن العشرين, كما وصف دورة الماء حول الأرض بدقة
علمية فائقة وأثبت أن مختلف صور الماء علي سطح الأرض ناتج من هذه
الدورة المائية التي يطهر بها ربنا( تبارك وتعالي) هذا
السائل المهم والذي يعتبر ضرورة من ضرورات الحياة بطريقة مستمرة
عن طريق تبخيره إلي الغلاف الغازي المحيط بالأرض ثم تكثيفه منه
وانزاله ماء طهورا بتقدير من الله( تعالي) وحسب مشيئته
وارادته.
وهذه حقائق لم تصل إلي علم الانسان إلا بعد
نزول القرآن الكريم بأكثر من عشرة قرون علي الأقل, ولم تثبت
علميا إلا في خلال القرون الثلاثة الماضية, وحتي وصولها في هذا
التاريخ إلي علم الانسان يعتقد أن مصدره كان القرآن الكريم,
وأحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) التي
نقلت إلي الحضارة الغربية عبر عمليات الترجمة من التراث الإسلامي
في كل من بلاد الأندلس, وصقلية, وإيطاليا, وبلاد الشام في
أثناء الحروب الصليبية.
وفي ذلك من الاثباتات المادية
القاطعة بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن سيدنا
محمد( صلي الله عليه وسلم) كان موصولا بالوحي, ومعلما من
قبل خالق السماوات والأرض, علي الرغم من كفر الكافرين,
ومحاجة المعاندين, وادعاءات المبطلين, فالحمدلله الذي انزل
القرآن( انزله بعلمه), وتعهد بحفظه فحفظه بنصه ومعناه
ومعجزاته, وبلغة وحيه في صفائه الرباني واشراقاته النورانية
التي لاينكرها إلا جاحد, وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد
وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين
والحمدلله رب العالمين أولا وآخرا وقبل وبعد كل
شيء.
أعلى الصفحة