ألم تر أن الله
يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من
خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء
ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار*(
النور:43)
ذكر ابن كثير( يرحمه الله) مانصه: يذكر
تعالي أنه يسوق السحاب بقدرته أول ماينشئها وهي ضعيفة وهو
الإزجاء,( ثم يؤلف بينه) أي يجمعه بعد تفرقه,( ثم يجعله
ركاما) أي متراكما أي يركب بعضه بعضا,( فتري الودق) أي
المطر,( يخرج من خلاله) أي من خلله, وقوله:( وينزل من
السماء من جبال فيها من برد) قال بعض النحاة:( من) الأولي
لابتداء الغاية, والثانية للتبعيض, والثالثة لبيان الجنس,
ومعناه: أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد, وأما
من جعل الجبال ههنا كناية عن السحاب فإن( من) الثانية عنده
لابتداء الغاية لكنها بدل من الأولي والله أعلم, وقوله
تعالي:(فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء) يحتمل أن يكون
المراد بقوله:(فيصيب به): أي بما ينزل من السماء من نوعي
المطر والبرد, فيكون قوله:( فيصيب به من يشاء) رحمة لهم(
ويصرفه عن من يشاء) أي يؤخر عنهم الغيث, ويحتمل أن يكون
المراد بقوله:
(فيصيب به) أي بالبرد نقمة علي من
يشاء لما فيه من إتلاف زروعهم وأشجارهم,(ويصرفه عن من يشاء)
رحمة بهم, وقوله:(يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار) أي يكاد
ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته....
وجاء
في تفسير الجلالين( رحم الله كاتبيه برحمته الواسعة)
مانصه:(ألم تر أن الله يزجي سحابا) يسوقه برفق( ثم يؤلف
بينه) بضم بعضه إلي بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة( ثم
يجعله ركاما) بعضه فوق بعض( فتري الودق) المطر(يخرج من
خلاله) مخارجه,( وينزل من السماء)( من) زائدة( جبال
فيها) في السماء بدل بإعادة الجار( من برد) أي بعضه(
فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء)( يكاد) يقرب( سنا
برقه) لمعانه( يذهب بالأبصار) الناظرة له:أي
يخطفها.
وجاء في الظلال( رحم الله كاتبها برحمته
الواسعة) مانصه:
ومشهد آخر من مشاهد هذا الكون التي يمر
عليها الناس غافلين, وفيها متعة للنظر, وعبرة للقلب, ومجال
للتأمل في صنع الله وآياته, وفي دلائل النور والهدي
والإيمان....., والمشهد يعرض علي مهل وفي إطالة, وتترك
أجزاؤه للتأمل قبل أن تلتقي وتتجمع. كل أولئك لتؤدي الغرض من
عرضها في لمس القلب وإيقاظه, وبعثه إلي التأمل والعبرة,
وتدبر ما وراءها من صنع الله. إذ يد الله تزجي السحاب وتدفعه
من مكان إلي مكان, ثم تؤلف بينه وتجمعه, فإذا هو ركام بعضه
فوق بعض, فإذا ثقل خرج منه الماء, والوبل الهاطل, وهو في
هيئة الجبال الضخمة الكثيفة, فيها قطع البرد الثلجية
الصغيرة.. ومشهد السحب كالجبال ليبدو كما يبدو لراكب الطائرة
وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها, فإذا المشهد مشهد الجبال
حقا, بضخامتها, ومساقطها, وارتفاعاتها وانخفاضاتها, وإنه
لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس, إلا بعد ماركبوا
الطائرات.
وهذه الجبال مسخرة بأمر الله, وفق ناموسه
الذي يحكم الكون, ووفق هذا الناموس يصيب الله بالمطر من
يشاء, ويصرفه عمن يشاء.. وتكملة المشهد الضخم:( يكاد سنا
برقه يذهب بالأبصار) ذلك ليتم التناسق مع جو النور الكبير في
الكون العريض, علي طريق التناسق في التصوير.
وجاء في صفوة
البيان لمعاني القرآن( رحم الله كاتبها رحمة واسعة) ما
نصه:( ألم تر أن الله): دليل من الآثار العلوية علي كمال
قدرته تعالي وانفراده بالخلق والتدبير.( يزجي سحابا) يسوقه
سوقا رفيقا إلي حيث يريد. يقال: زجي الشيء يزجيه تزجية,
دفعه برفق, كزجاه وأزجاه.( ثم يجعله ركاما) متراكما بعضه
فوق بعض. يقال: ركم الشيء يركمه ركما, إذا جمعه وألقي بعضه
علي بعض. وتراكم وارتكم الشيء: اجتمع, والركام: الرمل
المتراكم.( الودق) أي المطر. وهو في الأصل مصدر ودق السحاب
يدق ودقا, إذا نزل منه المطر.( خلاله) أي فتوقه ومخارجه.
جمع خلل, كجبال وجبل..( سنا برقه) أي شدة ضوء برق السحاب
ولمعانه. يقال: سنا يسنو سنا, أي أضاء.
وجاء في
المنتخب في تفسير القرآن الكريم( جزي الله كاتبيه خير
الجزاء) ما نصه: ألم تر أيها النبي أن الله يسوق بالريح
سحابا, ثم يضم بعضه إلي بعض ويجعله متراكما, فتري المطر يخرج
من خلال السحاب, والله ينزل من مجموعات السحب المتكاثفة التي
تشبه الجبال في عظمتها بردا, كالحصي ينزل علي قوم فينفعهم أو
يضرهم تبعا لقوانينه وإرادته ولا ينزل علي آخرين كما يريد الله
فهو سبحانه الفاعل المختار.
ويكاد ضوء البرق الحادث من
اصطكاك السحب يذهب بالأبصار لشدته, وهذه الظواهر دلائل قدرة
الله الموجبة للإيمان.
وجاء في الهامش الملاحظتان
التاليتان:
1 ـ لا يعرف التشابه بين السحب والجبال إلا من
يركب طائرة تعلو به فوق السحاب فيراها من فوق كأنها الجبال
والآكام, وإذا لم تكن تلك الطائرات في عصر النبي( صلي الله
عليه وسلم) فإنه يكون ذلك دليلا علي أن هذا الكلام من عند الله
الذي يعلم ما علا, وما انخفض.
2 ـ تسبق هذه الآية
الكريمة ركب العلم. فإنها تتناول مراحل تكون السحب الركامية
وخصائصها. وما عرف علميا في العهد الأخير من أن السحب الممطرة
تبدأ علي هيئة وحدات يتآلف عدد منها في مجموعات هي السحب
الركامية: أي السحب التي تنمو في الاتجاه الرأسي, وترتفع
قممها إلي علو15 أو20 كيلو مترا فتبدو كالجبال
الشامخة.
كما أن هذه السحب هي ـ وحدها ـ التي تجود بالبرد
وتشحن بالكهرباء, وقد يتلاحق حدوث البرق في سلسلة تكاد تكون
متصلة(40 تفريغا في الدقيقة الواحدة) فيذهب ببصر الراصد من
شدة الضياء. وهذا هو عين ما يحدث للملاحين والطيارين الذين
يخترقون عواصف الرعد في المناطق الحارة. وينجم عن فقد البصر
هذا أضرار بليغة تشكل خطرا حقيقيا علي أعمال الطيران وسط العواصف
الرعدية.
السحب الركامية في منظور
العلوم المكتسبة
اولا: تكون السحب:
تتكون السحب
نتيجة لتكثف بخار الماء في الهواء الرطب علي هيئة قطيرات دقيقة
من الماء, ويتم مثل هذا التكثف بتبريد الهواء الدافئ الرطب إما
بالتقائه مع جبهة باردة, أو بارتفاعه إلي أعلي بطفوه فوق
الجبهة الباردة أو بارتطامه بالسلاسل الجبلية, وفي كل الأحوال
يكون تصريف الرياح وإرسالها بمشيئة الله( تعالي) هو الوسيلة
الفاعلة في حركة الهواء الرطب أفقيا ورأسيا.
وتساعد حركة
الرياح حرارة الشمس التي تصل الأرض بكميات متفاوتة نظرا لميل
محور دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس علي دائرة البروج بزاوية
قدرها ست وستون درجة ونصف. والأرض تجري كذلك في مدارها حول
الشمس وهي مائلة بهذا القدر, وعلي ذلك فإن أشعة الشمس تتعامد
علي خط الاستواء, وتميل ميلا كبيرا فوق القطبين, وميلا
متوسطا بينهما, مما يؤدي إلي تباين كبير في توزيع درجات
الحرارة علي سطح الأرض, وعند هذا التباين تنتج حركة صاعدة
للهواء الساخن, وحركة هابطة للهواء البارد, كذلك فإن دوران
الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق يعين علي دفع الهواء المحيط
بالمنطقة الاستوائية في اتجاه الغرب, وإلي تكون عدد من الخلايا
بين خط الاستواء وكل من قطبي الأرض علي هيئة دورة عامة للرياح
شديدة الانتظام حول الأرض, منها الدوائر الحارة, والمعتدلة
والباردة والجبهات الهوائية الفاصلة بينها. وبالاضافة إلي ذلك
فإن الظروف الجغرافية المحلية تزيد من تعقيد الصورة العامة
لحركات الرياح التي تكون دافئة ورطبة فوق المحيطات المدارية,
وحارة/ جافة فوق الصحاري, وباردة/ جافة فوق المناطق
المكسوة بالجليد.
وتتدخل تضاريس سطح الأرض مثل السلاسل
الجبلية, والتلال, والهضاب, والسهول والمنخفضات و الكتل
المائية المختلفة في زيادة تعقيد الصورة, ففي الصيف تسخن
اليابسة أكثر من الكتل المائية, وفي الشتاء تحتفظ الكتل
المائية بالحرارة لمدة أطول فتكون أدفأ من اليابسة, فينشأ عن
تلك الفروق في درجة الحرارة حركة للرياح تعرف باسم نسيم البر
والبحر, كما تنشأ دورة للرياح بين الجبال والأودية والمنخفضات
المحيطة بها.
وهذه الحركات الأفقية للكتل الهوائية من مناطق
الضغط المرتفع إلي مناطق الضغط المنخفض تصاحبها حركات رأسية إلي
أعلي, فإذا سخنت كتلة من الهواء إلي درجة تمايزها عن الكتل
الهوائية المجاورة لها فإنها ترتفع إلي أعلي حيث يتناقص ضغطها,
وتنخفض درجة حرارتها, ويبدأ ما فيها من رطوبة في التكثف إذا
وصلت درجة الحرارة فيها إلي نقطة التشبع( نقطة تكون الندي),
فتتحول الكتلة الهوائية الرطبة إلي سحابة من أنواع السحب
المتعددة.
وبتصريف الرياح أفقيا ورأسيا ينقسم الغلاف
الغازي المحيط بالأرض إلي أعداد من الكتل الهوائية المتجاورة
والمتمايزة في صفاتها الطبيعية وتركيبها الكيميائي, وكل كتلة
من هذه الكتل الهوائية تمثل بكمية هائلة من الهواء المتجانس فيما
بينه خاصة في درجتي الحرارة والرطوبة النسبية, وتمتد كل كتلة
منها لعدة كيلو مترات أفقيا ولمئات حتي آلاف الأمتار رأسيا,
ويفصل بينها حدود واضحة تعرف باسم الجبهات
الهوائية.
والغلاف الغازي للأرض يقدر سمكه بعدة آلاف من
الكيلو مترات, وتقدر كتلته بأكثر قليلا من ستة تريليونات من الأطنان (6.120*1510 طن), والغالبية العظمي من هذه
الكتلة(99%) يقع دون ارتفاع50 كيلو مترا فوق مستوي سطح
البحر, وعلي ذلك فإن حركة الرياح تكاد تتركز أساسا في هذا
الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض.
ويتناقص ضغط
الهواء بالارتفاع في الغلاف الغازي للأرض من حوالي الكيلو جرام
علي السنتيمتر المربع(1.0336 كيلو جرام/ سم2) عند مستوي
سطح البحر إلي حوالي الجرام علي السنتيمتر المربع(1.0336
جرام/ سم2) عند ارتفاع48 كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر,
وإلي قرابة الصفر عند ارتفاع ستين كيلو مترا فوق مستوي سطح
البحر.
والغلاف المائي للأرض تقدر كميته بحوالي1.36 مليار
كيلو متر مكعب, ويغمر ماء الأرض أكثر قليلا من71% من مساحة
سطحها, وأغلب هذا الماء(97.2%) مخزون في البحار والمحيطات,
وأغلب الباقي( حوالي2.15% من مجموع ماء الأرض) موجود علي
هيئة جليد فوق قطبي الأرض, وفي قمم الجبال العالية,
والباقي(0.65%) موجود في البحيرات العذبة, وفي خزانات الماء
تحت سطح الأرض, وفي المجاري المائية المختلفة من الأنهار
والجداول وغيرها.
وتقوم حرارة الشمس بتبخير380.000
كيلو متر مكعب من ماء الأرض سنويا, أغلبها(320.000 كيلو متر
مكعب) من أسطح البحار والمحيطات, والباقي(60.000 كيلو متر
مكعب) يصعد من اليابسه بالبخر ومن تنفس الانسان والحيوان ونتج
النبات, وهذا البخار تدفعه حركة الرياح جانبيا ورأسيا علي هيئة
هواء رطب إلي مناطق أبرد أو أقل ضغطا فتبدأ فيه عمليات التكثف
علي هيئة قطيرات متناهية الدقة من الماء فتتكون السحب, ثم تدفع
تيارات الرياح بهباءات الغبار وغيرها من نوي التكثف إلي داخل
السحب فتعين علي المزيد من تكثف بخار الماء ونمو قطيراته إلي
الحجم الذي يسمح بنزولها مطرا أو بردا أو ثلجا, وتحرك الرياح
تلك السحب المثقلة بالماء( المزن) إلي حيث يشاء الله(
تعالي) لها أن تنزل فينزلها( سبحانه) بقدر
معلوم.
وحينما يصل ماء المطر إلي المنطقة المقسوم لها أن
ينزل عليها هذا القدر من الماء بتقدير من الله( تعالي) فإنه
يجري علي سطح اليابسة يشرب منه كل حي بالقدر المقسوم, كما يقوم
بدور مهم في تفتيت صخور الأرض وتكوين التربة, وشق الفجاج
والسبل, ويخزن جزء معلوم منه في صخور الأرض المنفذة وينتهي
المطاف بالباقي إلي البحار والمحيطات ليعاود الكرة من
جديد.
والماء المختزن تحت سطح الأرض قد يشارك في تغذية
بعض الأنهار والبحيرات والمستنقعات, وقد تتفجر عنه الصخور
فيخرج علي هيئة عدد من الينابيع الفوارة أو العيون, كما قد
يحفر عليه عدد من الآبار.
وتسقط الأمطار علي
البحاروالمحيطات بمعدل284.000 كيلو مترا مكعبا في السنة,
وعلي اليابسة بمعدل96.000 كيلو مترا مكعبا, وذلك في دورة
معجزة تعرف باسم دورة الماء حول الأرض وفي ذلك يقول المصطفي(
صلي الله عليه وسلم): ما من عام بأمطر من عام ولكن الله
يصرفه.
ثانيا: تكون السحب
الركامية:
بتصريف الرياح ـ حسب علم الله ومشيئتة
ينقل بخارالماء من مناطق البخر علي هيئة الكتل الهوائية الدافئة
الرطبة إلي مناطق التكثيف الباردة مكونا السحب التي تلقح بنوي
التكثف بفعل الرياح التي يصرفها الله( تعالي) أيضا بعلمه
وحكمته وإرادته فتتحول هذه السحب إلي سحب قادرة علي إنزال الماء
تعرف باسم السحب الممطرة( أو المزن) يسوقها الله( تعالي)
إلي حيث يشاء.
وعلي ذلك فإن من العوامل الفاعلة في تكثف
بخار الماء في داخل الكتل الهوائية الرطبة وتكون السحب هو تبردها
بدرجة كافية حتي تصل إلي نقطة الندي فيبدأ البخار المتجمع في تلك
الكتل الهوائية الرطبة في التكثف علي هيئة قطيرات مائية,
وتتبرد الكتل الهوائية الرطبة إما بالتقائها مع كتل هوائية
باردة, وإما برفعها إلي مستويات أعلي من مستوي سطح البحر بعدة
مئات بل آلاف من الأمتار, مما يتسبب في فقدانها الكثير من
حرارتها بوجودها في وسط أقل حرارة, وبتمددها لوجدوها في وسط
أقل ضغطا فتتبرد إشعاعيا, ومع التبرد ترتفع درجة الرطوبة
النسبية فيها, ويبدأ ما تحمله كتلة الهواء الرطب من بخار الماء
في التكثف علي هيئة قطيرات الماء فتتكون السحب, وتتحدد قاعدة
السحابة الواحدة بناء علي كل من درجة الحرارة والرطوبة في كتلة
الهواء الصاعدة وشدة الرياح التي تدفعها, بينما تتحدد قمة
السحابة وحجمها علي هذه العوامل ذاتها بالاضافة إلي قوة حركة
الدفع إلي أعلي وطبيعته.
ومن العناصر الفاعلة والمؤدية
إلي مزيد من تكثف بخار الماء في داخل السحب المثقلة به هي نوي
التكثف التي يسوقها الله( تعالي) مع الرياح المصرفة, وهي
عبارة عن هباءات دقيقة من الغبار والهباب, والمركبات
الكيميائية التي لها جاذبية خاصة لبخار الماء( مثل كبريتات
النوشادر) وبعض الأملاح الناتجة عن تبخر ماء البحار
والمحطيات, وغير ذلك مما يمكن أن يعلق بالهواء.
فعندما
يرسل الله( تعالي) الرياح فتدفع بكتلة من الهواء الرطب
الدافئ فوق كتلة من الهواء البارد فإنها تتبرد, ويبدأ ما بها
من بخار الماء في التكثف علي هيئة قطيرات مائية فتتكون سحب
منخفضة نسببا لها هيئة طباقية ولذا تعرف بالسحب
الطباقية (Stratiformor Layered Clouds) وهي تتكون من
طبقات أفقية تقريبا تمتد لمئات من الكيلو مترات المربعة, بسمك
عدة مئات من الأمتار, وتدفعها رياح عمودية علي اتجاه جبهتها
تزودها ببخار الماء, ولذلك فهي عادة ما تكون من أغزر أنواع
السحب إمطارا وأوسعها انتشارا بإذن الله(
تعالي).
وعلي العكس من ذلك فإنه عندما يرسل الله(
تعالي) الرياح فتدفع بكتلة من الهواء البارد في أتجاه كتلة من
الهواء الدافيء الرطب, فإن كتلة الهواء البارد تقطع كتلة
الهواء الدافيء بمقدمتها( الجبهة الهوائية الباردة) وبتكرار
عملية سوق السحب في اتجاه بعضها بعضا( الإزجاء), والتأليف
بينها فإنها تداوم إلي نصفين ترفع احدهما إلي أعلي, وتحتوي
النصف الآخر في الأرتفاع إلي أعلي علي هيئة متراكمة مكدسة
متراكبة فوق بعضها بعضا, ومع مداومة الارتفاع يبدأ بخار الماء
في كتلة الهواء المرتفعة في التكثف علي هيئة قطيرات مائية دقيقة
مكونة تجمعات من السحب العالية المتراكبة تعرف باسم السحب
الركامية( Cumuliformor Heap Clouds)
وهي عبارة عن أكوام
من السحب المكدسة فوق بعضها بعضا بما يشبه سلاسل الجبال المفصولة
بعدد من الأخاديد والأودية العميقة التي قد يصل ارتفاعها إلي
أكثر من15 كيلو مترا, مما يعكس الأرتفاع المتكرر والمتعدد
للهواء المشبع ببخار الماء علي مدي طويل من الزمن, ومع
الارتفاع إلي مستويات تتعدي مستوي الركود المناخي يحدث الانخفاض
الشديد في درجة الحرارة مما يسمح بتكون بللورات من الثلج في قمة
جبال السحب الركامية يليه إلي أسفل حبيبات البرد وقطرات من الماء
الشديد البرودة, ثم قطرات الماء البارد, والسحب الركامية,
هي النوع الوحيد من السحب المعروفة لنا والمصاحبة بظواهر الرعد
والبرق و بنزول كل من البرد والثلج.
وعلي ذلك فإن تكون
السحب الركامية يتطلب أن تسوق الرياح بإذن الله( تعالي) قطعا
من السحاب المتناثر بطريقة مستمرة ولفترة محددة حتي تتلاقي وتتحد
وتتآلف في مناطق تعرف باسم مناطق
التجمع( ConvergenceZones) وهو ما سماه القرآن الكريم
بتعبير الإزجاء, وهذا الإزجاء أو السوق البطيء لقطع السحاب
يزيد من تركيز بخار الماء في مثل هذا التجمع من السحب, وذلك
لأن سرعة تحرك هذه السحب تكون أبطأ من سرعة الرياح المثيرة
لها, خاصة إذا كان حجم السحابة كبيرا, وذلك بسبب تأثير قوة الإعاقة (DragForce) وهذا ما يسبب التحام وتآلف تلك
السحب.
كذلك فإن سرعة الرياح تتباطأ بصفة عامة كلما اتجهنا
إلي مناطق التجمع حتي تتلاحم السحب مع بعضها البعض بإرادة
الله( تعالي), ولعل هذا هو المقصود من قول الحق( تبارك
وتعالي): ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه.. وعندما
تلتحم سحابتان أو أكثر (Cloud-merging) فإن تيار الهواء الصاعد
داخل تجمعهما يزداد شدة, وعنفا, وسرعة مما يعين علي جلب
المزيد من بخار الماء إلي قمة هذا التجمع التراكمي للسحب,
ويزيد من معدلات التكثف فيه, وبازدياد سرعة تيار الهواء الصاعد
فإنه يدفع بالتجمع المتراكم إلي مزيد من الارتفاع إلي أعلي,
وتكون سرعة التيارات الهوائية الصاعدة أعلي ما تكون في وسط هذا
التجمع للسحب الركامية, مما يؤدي إلي المزيد من ركم مكوناتها
والدفع بها إلي أعلي بهيئة النافورة المتدفقة أو البركان الثائر
الذي تتراكم طفوحه علي جانبيه.
وكلما زاد إزجاء السحب
إلي بعضها البعض أي تجميعها, زاد ركمها أي تراكمها وتكدسها,
وزاد سمك تجمعها وبالتالي زادت قدرة هذا السحاب المركوم علي
إنزال المطر والبرد بإذن الله وزادت ظواهر الرعد والبرق فيه,
وسمي بالمزن الركامية( أو السحاب الركامي الممطر), والأنواع
الشاهقة الارتفاع من المزن الركامية تتكون من بلورات الثلج في
قمتها, ومن خليط من حبات البرد وقطرات ماء شديد البرودة في
وسطها, وقطرات ماء بارد فقط في قاعدتها.
وتتحرك السحب
الركامية إلي حيث شاء الله تعالي لها أن تصل, وتظل عملية الركم
مستمرة فيها مادامت تيارات الهواء الصاعدة قادرة علي رفع مزيد من
بخار الماء, وعندما تثقل حمولة هذا السحاب المركوم ينزله
ربنا( تبارك وتعالي) حيث يشاء بقدر معلوم علي هيئة مطر, أو
برد, أو ثلج, أو علي هيئة خليط منها جميعا وذلك حسب مكونات
التجمعات المزنية المركومة وتوزيع درجات الحرارة والرطوبة فيها
وأسفل منها, ويتكون البرد بين درجات تتراوح بين ما دون الصفر
المئوي وأربعين درجة تحت الصفر, وقد تنمو حبات البرد إلي حجم
البرتقالة, وهي مدمرة للزراعة, وينزل المطر من قاعدة المزن
الركامية علي هيئة زخات متفرقة في باديء الأمر, ثم لا تلبث أن
تشمل معظم قاعدتها حيث تسود التيارات الهابطة في نهاية عمر المزن
الركامية.
إن معرفة السحب الركامية لم يدركها الانسان
إلا بعد ريادة السماء بواسطة الطائرات, وهذا الفهم لطبيعة
وتكون السحب الركامية لم تصل إليه العلوم المكتسبة إلا في أواخر
القرن العشرين, ومن هنا يأتي وصف القرآن الكريم لها بهذه الدقة
والإحاطة والشمول شهادة صدق علي أن القرآن العظيم هو كلام الله
الخالق, وأن الرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي,
ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض فسبحان الذي أنزل القرآن
الكريم, أنزله بعلمه, وأنزل فيه قوله الحق: ألم تر أن
الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من
خلاله, وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء
ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار.(
النور:43)
وصلي الله وسلم وبارك علي النبي الخاتم
والرسول الخاتم الذي تلقي هذا القرآن العظيم وعلي آله وصحبه ومن
تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين.