في تفسير قوله(
تعالي): إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين, وفي خلقكم
وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما
أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف
الرياح آيات لقوم يعقلون( الجاثية:3 ـ5).
ذكر ابن
كثير( يرحمه الله) ما نصه: يرشد الله تعالي خلقه إلي
التفكير في آلائه ونعمه, وقدرته العظيمة التي خلق بها السماوات
والأرض وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع, من
الملائكة والجن والإنس والدواب, والطيور والوحوش والسباع
والحشرات, وما في البحر من الأصناف المتنوعة, واختلاف الليل
والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران, هذا بظلامه, وهذا
بضيائه, وما أنزل الله تبارك وتعالي من السحاب, من المطر في
وقت الحاجة اليه, وسماه رزقا لأن به يحصل الرزق( فأحيا به
الأرض بعد موتها) أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا
شيء, وقوله عز وجل( وتصريف الرياح) أي جنوبا وشمالا برية
وبحرية, ليلية ونهارية, ومنها ما هو للمطر, ومنها ما هو
للقاح, ومنها ما هو غذاء للأرواح, ومنها ما هو عقيم لا
ينتج...
وذكر صاحبا تفسير الجلالين رحمهما الله رحمة
واسعة ما نصه:( إن في السماوات والأرض) أي: في خلقهما(
لآيات) دالة علي قدرة الله ووحدانيته تعالي( للمؤمنين);(
وفي خلقكم) أي: في خلق كل منكم من نطفة, ثم علقة, ثم
مضغة, إلي أن صار إنسانا( و) خلق( ما يبث) يفرق في
الأرض( من دابة) هي: ما يدب علي الأرض من الناس وغيرهم(
آيات لقوم يوقنون) بالبعث;( و) في( اختلاف الليل
والنهار) ذهابهما ومجيئهما( متعاقبين, أو زيادة أحدهما
ونقصان الآخر)( وما أنزل الله من السماء) أي: السحاب( من
رزق) مطر, لأنه سبب الرزق( فأحيا به الأرض بعد موتها
وتصريف الرياح) تقليبها, مرة جنوبا ومرة شمالا, وباردة
وحارة,( وشديدة ولينة)( آيات لقوم يعقلون) الدليل
فيؤمنون.
وذكر صاحب الظلال( رحمه الله رحمة واسعة) ما
نصه: وقبل أن يعرض للقوم وموقفهم من هذا الكتاب, يشير الي
آيات الله المبثوثة في الكون من حولهم, وقد كانت وحدها كفيلة
بتوجيههم إلي الإيمان, ويوجه قلوبهم إليها لعلها توقظها وتفتح
مغاليقها, وتستجيش فيها الحساسية بالله منزل هذا الكتاب,
وخالق هذا الكون العظيم:....( وتصريف الرياح).. وهي تمضي
شمالا وجنوبا, وشرقا وغربا, منحرفة ومستقيمة, دافئة
وباردة, وفق النظام الدقيق المنسوق المقصود في تصميم هذا الكون
العجيب; وحساب كل شيء فيه حسابا دقيقا لا يترك شيئا للمصادفة
العمياء.. ولتصريف الرياح علاقة معروفة بدورة الأرض,
وبظاهرتي الليل والنهار, وبالرزق الذي ينزل من السماء, وكلها
تتعاون في تحقيق مشيئة الله في خلق هذا الكون, وتصريفه كما
أراد; وفيها( آيات) معروضة في الكون, ولكن لمن؟( لقوم
يعقلون).. فللعقل هنا عمل, وله في هذا الميدان
مجال.
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن( رحم الله
كاتبه برحمته الواسعة) ما نصه: اشتملت هذه الآيات الثلاث علي
ستة أدلة كونية: خلق السموات والأرض, والمتأمل فيهما يعلم
أنه لابد لهما من صانع حكيم, فيؤمن به, وخلق الإنسان
وانتقاله في أطواره, وخلق ما علي الأرض من صنوف الحيوان;
والمتأمل فيهما وفي ارتباط تكونهما بالعالم العلوي يصل بالتأمل
الي مرتبة اليقين, والحوادث المتجددة في كل وقت من اختلاف
الليل والنهار, ونزول المطر الذي به حياة الأرض بالنبات;
وتقلب الرياح وآثارها في البر والبحر; والتأمل فيها يؤدي الي
استحكام العلم وقوة اليقين, وذلك لا يكون إلا بالعقل الكامل;
ولذا اختتمت كل آية بما يناسب ما سبق فيها من
الدليل...
و(يبث) أي ينشر ويفرق...( وتصريف الرياح)
تقلبها من جهة الي اخري, ومن حالة الي حالة. وهنا أشار الي
الآية(164) من سورة البقرة حيث ذكر في تفسير قوله تعالي:(
وتصريف الرياح) ما نصه: تقليبها جنوبا وشمالا ودبورا, حارة
وباردة, عاصفة ولينة, عقيما ولواقح, بالرحمة تارة وبالعذاب
أخري, وتصريف مصدر مضاف للمفعول, والفاعل هو الله, أي
وتصريف الله الرياح أو مضاف للفاعل, والمفعول السحاب, أي:
وتصريف الرياح السحاب.
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير
القرآن الكريم( جزاهم الله خيرا) ما نصه:... وفي اختلاف
الليل والنهار في الطول والقصر, والنور والظلام مع تعاقبهما
علي نظام ثابت, وفيما أنزل الله من السماء من مطر فأحيا به
الأرض بالإنبات بعد موتها بالجدب; وبتصريف الرياح( في جهات
متعددة مع اختلافها برودة وحرارة, وقوة وضعفا علامات واضحة علي
كمال قدرة الله لقوم فكروا بعقولهم فخلص يقينهم.
وجاء في
صفوة التفاسير( جزي الله كاتبه خير الجزاء) ما نصه:.....(
إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين) أي إن في خلق السماوات
والأرض وما فيهما من المخلوقات العجيبة, والأحوال الغريبة,
والأمور البديعة, لعلامات باهرة علي كمال قدرة الله وحكمته,
لقوم يصدقون بوجود الله ووحدانيته( وفي خلقكم وما يبث من دابة
آيات لقوم يوقنون) أي وفي خلقكم أيها الناس من نطفة ثم من
علقة, متقلبة في أطوار مختلفة إلي تمام الخلق; وفيما ينشره
تعالي ويفرقه من أنواع المخلوقات التي تدب علي وجه الأرض; آيات
باهرة أيضا لقوم يصدقون عن إذعان ويقين بقدرة رب العالمين(
واختلاف الليل والنهار) أي وفي تعاقب الليل والنهار, دائبين
لا يفتران, هذا بظلامه وذاك بضيائه, بنظام محكم دقيق( وما
أنزل الله من السماء من رزق) أي وفيما أنزله الله تبارك وتعالي
من السحاب, من المطر الذي به حياة البشر في معاشهم
وأرزاقهم...( فأحيا به الأرض بعد موتها) أي فأحيا بالمطر
الأرض بعد ما كانت هامدة يابسة لا نبات فيها ولا زرع,...(
وتصريف الرياح) أي وفي تقليب الرياح جنوبا وشمالا, باردة
وحارة( آيات لقوم يعقلون) أي علامات ساطعة واضحة علي وجود
الله ووحدانيته, لقوم لهم عقول نيرة وبصائر
مشرقة....
تصريف الرياح في منظور
العلوم المكتسبة
يعرف الريح بأنه الهواء المتحرك
بالنسبة للأرض, والذي يمكن إدراكه إلي ارتفاع يصل إلي65 كم
تقريبا فوق مستوي سطح البحر, وإلي هذا الارتفاع تحكم حركة
الرياح نفس العوامل التي تحكمها فوق سطح البحر وهي: الجاذبية
الأرضية, قدر الاحتكاك بسطح الأرض, وتدرج معدلات الضغط
الجوي, أما في المستويات الأعلي من ذلك فإن عوامل أخري تسود من
مثل الكهربية الجوية, المغناطيسية, وعمليات المد والجزر
الهوائيين.
وبما أن99% من كتلة الغلاف الغازي للأرض تقع
دون ارتفاع50 كم فوق مستوي سطح البحر أي دون مستوي الركود
الطبقي
(TheStratopause), فإن دراسة حركة الرياح تتركز
أساسا في هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي
للأرض.
وتقسم الرياح بالنسبة إلي ارتفاعها عن سطح الأرض
إلي ما يلي:
(1) رياح سطحية وتمتد من مستوي سطح البحر إلي
بضعة كيلو مترات قليلة فوقه.
(2) رياح متوسطة وتمتد فوق
الرياح السطحية إلي ارتفاع35 كم فوق مستوي سطح
البحر.
(3) ورياح مرتفعة وتمتد في المستوي من35 إلي65
كم فوق مستوي سطح البحر.
وتقسم الرياح السطحية حسب
شدتها علي النحو التالي:
ويصف القرآن الكريم الصنفين الأول
والثاني من هذا التصنيف باسم الريح الساكن, والأصناف من الثالث
إلي السادس باسم الريح الطيبة, والأصناف من السابع إلي التاسع
باسم الريح العاصف, والأصناف من التاسع إلي الثالث عشر باسم
الريح القاصف, وهذا سبق قرآني بأكثر من عشرة قرون للمعرفة
العلمية المكتسبة في هذا المجال.
ويمكن تصنيف الرياح بحسب
القوي المحركة لها وأهمها التأثير المشترك للعوامل التالية:
التوازن الإشعاعي للشمس, وتوزيع درجات الحرارة عبر خطوط العرض
المختلفة, ودوران الأرض حول محورها أمام الشمس, بالإضافة إلي
التضاريس الأرضية المختلفة.
ويقدم كم الطاقة الشمسية
التي تصل إلي الأرض الطاقة اللازمة لحركة الرياح, وذلك لأن
أشعة الشمس التي تتعامد علي خط الاستواء وتميل ميلا كبيرا فوق
القطبين تؤدي إلي التباين في توزيع درجات الحرارة علي سطح
الأرض, هذا التباين الذي ينتج عنه حركة صاعدة للهواء الساخن
حول خط الاستواء, وحركة هابطة للهواء البارد فوق
القطبين.
كذلك فإن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي
الشرق يؤدي إلي دفع الهواء المحيط بالمنطقة الاستوائية في اتجاه
الغرب, والحقيقة أن الدورة الفعلية للرياح لها عدد من الخلايا
بين خط الاستواء وكل قطب من قطبي الأرض, وعند تحرك كتلة من
الهواء من فوق خط الاستواء باتجاه أحد القطبين فإنه نتيجة لحفظ
العزم الزاوي للهواء المتحرك فوق أرض تدور فإن الهواء المتحرك في
اتجاه القطب لابد أن ينحرف شرقا, والهواء المتحرك فوق خط
الاستواء لابد أن ينحرف في اتجاه الغرب, وبالمثل الرياح
السطحية تتجه إلي الشرق, بينما تتجه الرياح الوسطي إلي
الغرب.
والنتيجة هي دورة عامة للرياح شديدة الانتظام
حول الأرض, وذات عدة دوائر كبيرة بين خط الاستواء وكل قطب من
قطبي الأرض منها دوائر حارة فوق المناطق الاستوائية, ودوائر
باردة فوق القطبين, ودوائر معتدلة الحرارة بينهما, مع وجود
عدد من الجبهات الهوائية بين تلك الدوائر, وبالإضافة إلي ذلك
تتدخل الظروف الجغرافية المحلية فيكون الهواء دافئا ورطبا فوق
المحيطات المدارية, وحارا جافا فوق الصحاري, وباردا جافا فوق
المناطق المكسوة بالجليد, وتتداخل هذه الكتل الهوائية,
وتتكون بذلك السحب ومنها الممطر والعقيم وتحدث الاعاصير بمراحلها
المختلفة وتتحرك كتل الهواء الساخن من المناطق الاستوائية في
اتجاه القطبين, كما تتحرك كتل الهواء البارد من القطبين في
اتجاه خطوط العرض العالية, في تموجات واضحة تظهر آثارها علي كل
من أسطح البحار, وفي شواطئها( نيم البحر), وفي تموجات أسطح
الكثبان الرملية( علامات النيم) وغير ذلك من آثار حركات كل
من الرياح وأمواج البحار.
ومن الظروف الجغرافية المحلية
التي تؤثر في حركة الرياح تضاريس سطح الأرض مثل السلاسل
الجبلية, والتلال, والهضاب, والسهول والمنخفضات, والكتل
المائية المختلفة, ففي الصيف تسخن اليابسة بسرعة أكبر من
المحيطات, وفي الشتاء يحتفظ ماء المحيطات بالحرارة لمدة أطول
فتكون أدفأ من اليابسة, وينشأ عن تلك الفروق نسيم البر
والبحر, كما ينشأ عن فروق التضاريس دورة الرياح بين الجبال
والأودية والمنخفضات, وهذه الحركات الأفقية للكتل الهوائية
تصاحبها حركات رأسية, فإذا ارتفعت درجة حرارة كتلة من الهواء
بحيث تصبح أدفأ من الهواء المحيط بها, فإن الهواء الساخن يصعد
إلي أعلي, فيتناقص ضغطه وتنخفض درجة حرارته, وتبدأ ما فيه من
رطوبة في التكثف إذا وصلت درجة الحرارة إلي نقطة التشبع( نقطة
تكون الندي), وبذلك تتكون السحب وتتهيأ الفرص لهطول المطر بإذن
الله.
من هذا العرض يتضح أن الرياح التي تبدو للمراقب
من الناس هوجاء عاصفة لها في الحقيقة توزيع دقيق علي سطح
الأرض, تحكمه قوانين شديدة الانضباط, وقد وصف القرآن الكريم
هذه الدقة في التوزيع والانضباط في الحركة بوصف معجز هو تصريف
الرياح, بمعني أن الرياح لا تتحرك هذه الحركات العديدة
بذاتيتها, ولكن بقدرة الله الذي يصرفها بعلمه وبحكمته كيفما
يشاء, والرياح تقوم بدور رئيسي( بإذن الله) في تكوين
السحب, وإنزال المطر, وإتمام دورة الماء حول الأرض وإلا
فسد, وفي تفتيت الصخور وتعريتها, وتكوين التربة والرمال
السافية وتحريكها, وفي تلطيف الجو وتكييفه, وتطهيره من
الملوثات التي تحملها حركة الرياح جنوبا وشمالا في اتجاه قطبي
الأرض وغير ذلك من المهام الرئيسية في جعل الأرض صالحة
للعمران. فسبحان مصرف الرياح, ومجري السحاب, ومنزل القطر
الذي أنزل في محكم كتابه, وعلي خاتم أنبيائه ورسله( صلي الله
عليه وسلم) من قبل ألف وأربعمائة من السنين هذا الوصف
المعجز( تصريف الرياح), وهو وصف لم يدرك العلم الكسبي دلالته
إلا في القرن العشرين وبعد مجاهدة استغرقت جهود آلاف من
المتخصصين, وهو مع دقته يؤكد أن حركة الرياح وإن فهمنا بعض
القوي الدافعة لها تبقي من جند الله, يجريها وفق مشيئته بالخير
لمن يشاء من عباده, كما يجريها وفق إرادته لإبادة العاصين من
الكفار والمشركين المتجبرين في الأرض والمحاربين لعباد الله
فيها, ففهمنا لميكانيكية الحدث لا يخرجه عن إطار كونه من جند
الله, خاضعا لإرادته ومشيئته, فالحمد لله الذي أنزل القرآن
بعلمه, وعلمه خاتم أنبيائه ورسله, وأبقاه شاهدا علي حقيقة
نبوته ورسالته, وحفظه بلغة وحيه حفظا كاملا علي مدي أربعة عشر
قرنا أو يزيد وإلي يوم الدين, هاديا لطلاب الحق في كل مكان
وزمان.
وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا
محمد.