وبمقارنة متوسط
كثافة الصخور المكونة لقشرة الأرض والتي تتراوح بين2,9,2,5
جرام للسنتيمتر المكعب مع متوسط كثافة الأرض ككل والمقدرة
بحوالي5,52 جرام للسنتيمتر المكعب ثبت أن كثافة المادة المكونة
للأرض تزداد باستمرار من سطحها في اتجاه مركزها حيث تتراوح
الكثافة من10 إلي13,5 جرام للسنتيمتر المكعب ويفسر ارتفاع
متوسط الكثافة بالقرب من مركز الأرض بوجود نسبة عالية من
الحديد, وغيره من العناصر الثقيلة في قلب الأرض, وتناقص نسبة
هذه العناصر الثقيلة بالتدريج في اتجاه قشرة الأرض.
وتقدر
نسبة الحديد في الأرض بحوالي35,9% من مجموع كتلة الأرض المقدرة
بحوالي5520 مليون مليون مليون طن, وعلي ذلك فإن كمية الحديد
في الأرض تقدر بحوالي الألف وخمسمائة مليون مليون مليون طن,
ويتركز هذا الحديد في قلب الأرض علي هيئة كرة ضخمة من
الحديد(90%) والنيكل(9%) وبعض العناصر الخفيفة من مثل
السيليكون, والكربون والفوسفور والكبريت والتي لاتشكل في
مجموعها أكثر من1% مما يعرف باسم لب الأرض, والذي تشكل
كتلته31% من كتلة الأرض, ويمثل طول قطره حوالي55% من طول
قطر الأرض, أما باقي الحديد في الأرض(5,9% من كتلة الأرض)
فيتوزع علي باقي كتلة الأرض( وشاح الأرض وغلافها الصخري)
بسمك يقدر بحوالي ثلاثة آلاف كيلو متر(2895 كيلو مترا) في
تناقص مستمر يصل بنسبة الحديد في الغلاف الصخري للأرض
إلي5,6%.
وتركيز هذه الكتلة الهائلة من الحديد وغيره من
العناصر الثقيلة في قلب الأرض من وسائل جعله جرما مستقرا في
ذاته.
وهنا تأتي الإشارة القرآنية إلي تلك الحقيقة سبقا
يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق, ويشهد للنبي الخاتم
والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة لأن أحدا في زمانه
ولا لقرون متطاولة من بعده لم يكن له علم بهذه الحقيقة التي لم
يكتشفها الإنسان إلا في القرن العشرين, وفي ذلك يقول الحق(
تبارك وتعالي): إذا زلزلت الأرض زلزالها* وأخرجت الأرض
أثقالها*( الزلزلة:2,1)
ولو أن الزلزال المقصود هنا هو
زلزال الآخرة عند نفخة البعث, إلا أن الحقيقة المصاحبة للهزة
الأرضية تبقي واحدة, ولو أن المفسرين السابقين قد رأوا في
أثقال الأرض إشارة ضمنية إلي أجساد الموتي( بما تحمل من
أوزار) والتي تلفظها الأرض من داخل بطنها بسبب هذا الزلزال
الأخير, تلفظهم أحياء للحساب والجزاء, وإن كان رسول الله(
صلي الله عليه وسلم) قد وصف لبعث الأموات صورة مغايرة
لذلك.
والأثقال جمع ثقل(بكسر فسكون) وهو الحمل
الثقيل, أو جمع ثقل( بالتحريك) وهو كل نفيس مصون.
وفي
الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه يروي عن رسول الله( صلي الله
عليه وسلم) قوله:تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الاسطوانة من
الذهب والفضة, فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت, ويجيء القاطع
فيقول في هذا قطعت رحمي, ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت
يدي, ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا.
وهذا الحديث
الشريف يؤكد أن المقصود بأثقال الأرض في سورة الزلزلة هو الأحمال
الثقيلة كما أثبتت الدراسات العلمية الحديثة, وليست أجساد
الموتي فقط كما تخيل العديد من المفسرين السابقين, وهذا سبق
علمي قرآني ونبوي معجز لأن أحدا من البشر لم يكن له علم بأن
أثقال الأرض في جوفها حتي القرن العشرين.
ويقدر متوسط
المسافة بين الأرض والشمس بحوالي مائة وخمسين مليونا من
الكيلومترات, وهذه المسافة قد حددتها بتقدير من الله الخالق(
سبحانه وتعالي) كتلة الأرض تطبيقا لقوانين الجاذبية, والتي
تنادي بأن قوة الجذب بين جسمين تتناسب تناسبا طرديا مع كتلة كل
منهما, وتناسبا عكسيا مع مربع المسافة بينهما حسب المعادلة
التالية:
قوة الجاذبية بين كتلتين م1, م2= ثابت
الجاذبية* م1*م2/مربع المسافة بينهما
وهذا يعني أنه
كلما زادت كتلة أي من الجسمين زادت قوة الجذب بينهما, وكلما
زادت المسافة بينهما قلت قوة الجاذبية.
والاتزان بين
قوة جذب الشمس للأرض, والقوة النابذة المركزية التي دفعت
بالأرض الأولية من الشمس هو الذي حدد( بمشيئة الله الخالق)
بعد الأرض عن الشمس.
والارتباط الوثيق بين كل من كتلتي
الأرض والشمس بطريقة منتظمة بمعني أنه كلما تغيرت كتلة أحدهما
تغيرت كتلة الآخر بنفس المعدل, هو من الأمور التي تعمل علي
تثبيت بعد الأرض عن الشمس, وجعلها مستقرة في دورانها حول
محورها, وفي جريها حول الشمس في مدار محدد مما يؤدي إلي تثبيت
كمية الطاقة الشمسية التي تصل إلي الأرض وهي من عوامل تهيئتها
لاستقبال الحياة واستقرارها, وذلك لأن كمية الطاقة التي تصل من
الشمس إلي كل كوكب من كواكبها تتناسب تناسبا عكسيا مع بعد الكوكب
عن الشمس, وكذلك تتناسب سرعة جري الكوكب في مداره حول
الشمس.
والأرض كوكب فريد في صفاته الفيزيائية
والكيميائية والفلكية مما أهله بجدارة إلي أن يكون مهدا للحياة
الأرضية بكل مواصفاتها النباتية, والحيوانية,
والإنسية.
فقد أثبتت دراسات الفيزياء الأرضية أن الأرض
مبنية من عدد من النطق المتمركزة حول كرة مصمطة من الحديد
والنيكل تعرف باسم لب الأرض الصلب أو اللب الداخلي للأرض,
وتقسم هذه النطق الأرضية علي أساس من تركيبها الكيميائي أو علي
أساس من صفاتها الميكانيكية علي النحو التالي:
(1)
قشرة الأرض: وتتكون من صخور نارية ومتحولة صلبة تتغطي بسمك
قليل من الصخور الرسوبية أو الرسوبيات( التربة) في كثير من
الأحيان, وتغلب الصخور الحامضية وفوق الحامضية علي كتل القارات
وذلك من مثل الجرانيت والصخور الجرانيتية( بمتوسط كثافة2,7
جرام/للسنتيمتر المكعب) ويغلب علي قيعان البحار والمحيطات
الصخور القاعدية وفوق القاعدية من مثل البازلت والجابرو(بمتوسط
كثافة2,9 جرام/ للسنتيمتر المكعب).
ويتراوح متوسط سمك
القشرة الأرضية في كتل القارات من35 إلي40 كيلو مترا, وإن
تجاوز ذلك تحت المرتفعات الأرضية من مثل الجبال.
ويتراوح
متوسط سمك القشرة الأرضية المكونة لقيعان البحار والمحيطات من5
إلي8 من الكيلو مترات.
(2) الجزء السفلي من الغلاف
الصخري للأرض: ويتكون من صخور صلبة تغلب عليها الصخور الحامضية
وفوق الحامضية في كتل القارات بسمك يصل إلي85 كيلو مترا,
بينما تغلب عليها الصخور القاعدية وفوق القاعدية تحت البحار
والمحيطات بسمك في حدود60 كيلو مترا.
ويفصل هذا النطاق عن
قشرة الأرض سطح انقطاع للموجات الاهتزازية يعرف باسم
الموهو(TheMohoDiscontinuity).
(3) الجزء العلوي من
وشاح الأرض( نطاق الضعف الأرضي):
وتوجد فيه الصخور في
حالة لدنة, شبه منصهرة( أو منصهرة انصهارا جزئيا في
حدود1%), ويتراوح سمك هذا النطاق بين280 كيلو مترا,335
كيلو مترا, وهو مصدر للعديد من نشاطات الأرض من مثل الزلازل,
والبراكين, وتحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض, وتكون الجبال
والسلاسل الجبلية.
(4) الجزء الأوسط من وشاح الأرض:
ويتكون من مواد صلبة, كثيفة, ويقدر سمكه بحوالي270 كيلو
مترا, ويحده من أسفل ومن أعلي مستويات من مستويات انقطاع
الموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل يقع أحدهما علي عمق400
كيلومتر من سطح الأرض, ويقع الآخر علي عمق670 كيلو مترا من
سطح الأرض.
(5) الجزء السفلي من وشاح الأرض: ويتكون
من مواد صلبة تعلو لب الأرض السائل, ويحده من أعلي أحد مستويات
انقطاع الموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل علي عمق670 كيلو
مترا من سطح الأرض, ويحده من أسفل نطاق انتقالي شبه منصهر
يفصله عن لب الأرض السائل علي عمق2885 كيلو مترا من سطح
الأرض, ولذا يقدر سمك هذا النطاق بحوالي2215 كيلو
مترا.
(6) لب الأرض السائل( الجزء الخارجي من لب
الأرض):
وهو نطاق سائل يحيط بلب الأرض الصلب, وله نفس
تركيبه الكيميائي تقريبا, ويقدر سمكه بحوالي2275 كيلو
مترا( من عمق2885 كيلو مترا إلي عمق5160 كيلو مترا تحت سطح
الأرض), وتفصله عن النطاقين الأعلي والأسفل منطقتان انتقاليتان
شبه منصهرتين, أضخمهما المنطقة السفلي والتي يقدر سمكها
بحوالي450 كيلو مترا.
(7) لب الأرض الصلب( اللب
الداخلي للأرض): وهو عبارة عن كرة ضخمة من الحديد(90%)
والنيكل(9%) مع القليل من العناصر الخفيفة من مثل السيليكون,
الكربون, الكبريت, الفوسفور والتي لاتكاد نسبتها أن
تتعدي1%.
وهذا هو نفس تركيب النيازك الحديدية تقريبا,
والتي تصل الأرض بملايين الأطنان سنويا, ويعتقد بأنها ناتجة عن
انفجار بعض الأجرام السماوية.
وهذه البنية الداخلية
للأرض تدعمها دراسة النيازك التي تهبط علي الأرض, كما تؤيدها
قياسات الجاذبية الأرضية والاهتزازات الناتجة عن
الزلازل.
ولولاهذه البنية الداخلية للأرض, ماتكون لها
مجالها المغناطيسي, ولا قوتها الجاذبية, ولولا جاذبية الأرض
لهرب منها غلافها الغازي والمائي, ولاستحالت الحياة, ولولا
المجال المغناطيسي للأرض لدمرتها الأشعة الكونية المتسارعة من
الشمس ومن بقية نجوم السماء.
والأرض تجري حول الشمس في
فلك بيضاني قليل الاستطالة, بسرعة تقدر بحوالي30 كيلو مترا
في الثانية, لتتم دورتها في سنة شمسية مقدارها365.25 يوم
تقريبا وتدور حول محورها بسرعة تقدر اليوم بحوالي30 كيلو مترا
في الدقيقة عند خط الاستواء فتتم دورتها هذه في يوم مقداره24
ساعة تقريبا, يتقاسمه ليل ونهار, بتفاوت يزيد وينقص حسب
الفصول السنوية, والتي تنتج بسبب ميل محور دوران الأرض علي
دائرة البروج بزاوية مقدارها66,5 درجة تقريبا.
كذلك فإن
حركات الأرض العديدة ومنها حركتها المحورية, والمدارية,
وترنحها في دورانها حول محورها, وتذبذبها(نودانها أو
ميسانها), وقربها وبعدها من الشمس في حركتها المدارية,
والتغير التدريجي في توازن حركاتها مع حركات القمر حولها, ومع
باقي كواكب المجموعة الشمسية ومع الشمس حول مركز المجرة,
وباتجاه كوكبة الجاتي, ومع المجرة, حول مركز التجمع
المجري, وكلها حركات تحتاج إلي ضبط وإحكام حتي تصبح الأرض
مستقرة بذاتها, وقرارا للحياة علي سطحها.
وتكفي في
ذلك الإشارة إلي دور الجبال في تثبيت الأرض والتقليل من ترنحها
في دورتها حول محورها تماما كما تقوم قطع الرصاص التي توضع حول
إطارات السيارات في التقليل من معدلات ترنحها أثناء جري
السيارة.
ثانيا: جعل الأرض قرارا
بمعني قرارا لسكانها
ومن معاني جعل الأرض قرارا
لسكانها هو جعل الظروف العامة للأرض مناسبة للحياة علي سطحها,
ومن أولها مقدار جاذبية الأرض الذي يمسك بكل من غلافها المائي
والغازي وبالأحياء علي سطحها, والماء هو سر الحياة علي
الأرض, ولذا جعل ربنا( تبارك وتعالي) كوكب الأرض أغني
الكواكب التي نعرفها في المياه حتي ليسميه العلماء بالكوكب
الأزرق أو الكوكب المائي, وتقدر كمية المياه علي سطح الأرض
بحوالي1360 مليون كيلو متر مكعب, ويغطي الماء حوالي71% من
مساحة الأرض بينما لاتتعدي مساحة اليابسة اليوم29% من مساحة
الأرض.
كذلك فإن غاز الأوكسجين يشكل سرا من أسرار الحياة
الراقية علي الأرض فجعل الله( تعالي) لها غلافا غازيا تقدر
كتلته بحوالي خمسة آلاف مليون مليون طن, ويقدر سمكه بعدة آلاف
من الكيلو مترات فوق مستوي سطح البحر حيث يصل ضغطه إلي حوالي
الكيلو جرام علي السنتيمتر المربع, ويتناقص مع الارتفاع إلي
واحد من مليون من ذلك الضغط في أجزائه العليا.
ويضم
الجزء السفلي من هذا الغلاف الغازي( من6 إلي20 كيلومترا
فوق مستوي سطح البحر) حوالي66% من كتلته, ويتكون من غازات
النيتروجين( بنسبة78,1% بالحجم) والأوكسجين( بنسبة21%
بالحجم) والأرجون( بنسبة0,93% بالحجم), وثاني أكسيد
الكربون( بنسبة0,03% بالحجم) بالإضافة إلي نسب ضئيلة من
بخار الماء وغازات أخري. ولولا هذا التركيب للغلاف الغازي ما
استقامت الحياة علي الأرض.
كذلك فإن كتلة وأبعاد الأرض,
ومسافتها من الشمس قدرت كلها بدقة بالغة, فلو كانت الأرض أصغر
قليلا لاندفعت بعيدا عن الشمس ولفقدت الكثير من طاقتها, ولما
كان بمقدورها الاحتفاظ بغلافها المائي والغازي, وبالتالي
لاستحالت الحياة, ولو كانت أكبر قليلا لاندفعت الي مسافة أقرب
من الشمس ولأحرقتها حرارتها, ولزادت قدرتها علي جذب الأشياء
زيادة ملحوظة مما يعوق الحركة, ويحول دون النمو الكامل
للأحياء, ويخل بالميزان الحراري علي سطحها.
وكذلك
يعتمد طول السنة الأرضية علي بعد الأرض من الشمس, ويعتمد طول
يوم الأرض علي سرعة دورانها حول محورها, وكل ذلك مرتبط بأبعاد
الأرض, وكذلك يعتمد تبادل الفصول المناخية علي ميل محور دوران
الأرض علي دائرة البروج فلو لم يكن مائلا ماتبادلت الفصول,
ولاختل نظام الحياة علي الأرض.
ولولا تصدع الغلاف الصخري
للأرض, وتحرك ألواحه متباعدة عن بعضها البعض ومصطدمة ببعضها
البعض لما تكونت الجبال, ولا ثارت البراكين, ولاحدثت الهزات
الأرضية, وكلها من صور ديناميكية الأرض, ووسائل تجديد وتثبيت
غلافها الصخري, وإثرائها بالمعادن, وتكوين التربة وتحرك دورة
الماء حول الأرض ودورة الصخور, وبناء القارات وهدمها, وتكون
المحيطات واتساعها ثم اغلاقها وزوالها, وهذه الحركات
الأرضية( وغيرها كثير) لعبت وـ لاتزال تلعب ـ أدوارا أساسية
في جعل الأرض كوكبا مهيئا لاستقبال الحياة الأرضية وصالحا
للعمران.
هذه بعض آيات الله في جعل الأرض كوكبا مستقرا
في ذاته علي الرغم من حركاته العديدة, وجريه في فسحة الكون,
وفي تهيئته ليكون مستقرا للحياة التي أراد الله أن تزدهر علي
سطحه, علي الرغم من المخاطر العديدة المحيطة به, حتي يؤمن
الناس بقدر الرعاية الإلهية التي يحيطنا الله بها في هذا
الكون, ويستشعرون حاجتهم إلي هذا الخالق العظيم وإلي رحمته
وعنايته في كل وقت وفي كل حين لأننا لوتركنا لأنفسنا طرفة عين أو
أقل من ذلك لهلكنا...
وسبحان الذي أنزل من قبل ألف
وأربعمائة سنة قوله الحق: الله الذي جعل لكم الأرض قرارا
والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله
ربكم فتبارك الله رب العالمين( غافر:64)
وعاتب
الكافرين والمشركين والمتشككين بقوله الحق:
أمن جعل الأرض
قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا
أءله مع الله بل أكثرهم لايعلمون(
النمل:61)