* أفغير الله
أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم
الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلاتكونن من الممترين*
وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لامبدل لكلماته وهو السميع العليم(
الأنعام:114 و115).
وقرب ختامها أكدت سورة الأنعام ضرورة
تأسيس الأحكام علي العلم, لا علي الظن والتخمين, وفي ذلك
يقول الحق تبارك وتعالي:
*... قل هل عندكم من علم
فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا
تخرصون (الأنعام:148).
هذا وقد سبق لنا( في أكثر
من مقال) تلخيص كل من ركائز العقيدة الإسلامية, وقواعد
التشريع الإسلامي, والايات الكونية التي جاءت في سورة
الأنعام, ولا أري حاجة إلي إعادة ذلك مرة أخري.
وفي
المقال السابق مباشرة تناولت النصف الأول من الآية رقم(99) في
سورة الأنعام, وأستكمل هنا مناقشة بقية هذه الآية الكريمة التي
يقول فيها ربنا( تبارك وتعالي):
.. ومن النخل من
طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير
متشابه انظروا إلي ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم
يؤمنون.( الأنعام:99).
وقبل الوصول إلي ذلك لابد من
استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين القدامي والمعاصرين في شرح
دلالة هذا النص القرآني الكريم.
من
أقوال المفسرين:
في تفسير هذا النص القرآني الذي
يمثل النصف الأخير من الآية رقم(99) من سورة الأنعام.
*
ذكر الطبري( رحمه الله) ما مختصره:( قنوان): جمع قنو
وهي: العذوق( دانية) متهدلة قصار قريبة من الأرض.(
مشتبها وغير متشابه) ما يشابه ورقه, ويختلف ثمره وطعمه,(
وينعه) نضجه وانتهاؤه.
* وذكر ابن كثير( عليه
رحمة الله) ما مختصره:( ومن النخل من طلعها قنوان) أي جمع
قنو وهي عذوق الرطب,( دانية) أي قريبة من المتناول, كما
قال ابن عباس( قنوان دانية) يعني بالقنوان الدانية قصار
النخل اللاصقة عذوقها بالأرض رواه ابن جرير.
وقوله
تعالي:( وجنات من أعناب) أي ونخرج منه جنات من أعناب,
وهذان النوعان هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز, وربما كانا
خيار الثمار في الدنيا.., وقوله تعالي:( والزيتون والرمان
مشتبها وغير متشابه), قال قتادة وغيره: متشابه في الورق
والشكل قريب بعضه من بعض, ومتخالف في الثمار شكلا وطعما
وطبعا,( انظروا إلي ثمره إذا أثمر وينعه) أي نضجه, ولهذا
قال ها هنا:( إن في ذلكم) أيها الناس( لآيات) أي دلالات
علي كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته( لقوم يؤمنون)
أي يصدقون به ويتبعون رسله.
* وجاء في تفسير
الجلالين( رحم الله كاتبيه) ما مختصره:( ومن النخل)
خبر, ويبدل منه:( من طلعها) أول ما يخرج منها,
والمبتدأ( قنوان) عراجين( دانية) قريب بعضها من بعض(
و) أخرجنا به( جنات) بساتين( من أعناب والزيتون والرمان
مشتبها) ورقهما, حال( وغير متشابه) ثمرهما( انظروا)
يامخاطبين نظر اعتبار( إلي ثمره) بفتح الثاء والميم
وبضمهما, وهو جمع ثمرة..( إذا أثمر) أول ما يبدو كيف هو(
و) إلي( ينعه) نضجه إذا أدرك كيف يعود( إن في ذلكم
لآيات) دلالات علي قدرته تعالي علي البعث وغيره( لقوم
يؤمنون) خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الايمان بخلاف
الكافرين.
* وذكر صاحب الظلال( رحمه الله تعالي برحمته
الواسعة) ما نصه:...( ومن النخل من طلعها قنوان دانية)
وقنوان جمع قنو وهو الفرع الصغير, وفي النخلة هو العذق الذي
يحمل الثمر, ولفظة( قنوان) ووصفها( دانية) يشتركان في
إلقاء ظل لطيف أليف. وظل المشهد كله ظل وديع حبيب..( وجنات
من أعناب).. و(والزيتون والرمان). هذا النبات كله بفصائله
وسلالاته ـ( مشتبها وغير متشابه) ـ( أنظروا إلي ثمره إذا
أثمر وينعه).. انظروا بالحس البصير, والقلب اليقظ.. انظروا
إليه في ازدهاره, وازدهائه, عند كمال نضجه, انظروا إليه
واستمتعوا بجماله.. لا يقول هنا, كلوا من ثمرة إذا أثمر,
ولكن يقول:( انظروا إلي ثمره إذا أثمر وينعه) لأن المجال هنا
مجال جمال ومتاع, كما أنه مجال تدبر في آيات الله, وبدائع
صنعته في مجالي الحياة.( إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون)..
فالايمان هو الذي يفتح القلب, وينير البصيرة, وينبه أجهزة
الاستقبال والاستجابة في الفطرة, ويصل الكائن الإنساني
بالوجود, ويدعو الوجدان إلي الايمان بالله خالق الجميع..
وإلا فإن هناك قلوبا مغلقة, وبصائر مطموسة, وفطرا منتكسة,
تمر بهذا
الابداع كله, وبهذه الآيات كلها, فلا تحس بها
ولا تستجيب( إنما يستجيب الذين يسمعون), وإنما يدرك هذه
الآيات الذين يؤمنون.
* وجاء في صفوة البيان لمعاني
القرآن( رحم الله كاتبه) مانصه:..( ومن النخل من طلعها
قنوان دانية) ومن طلع النخل قنوان دانية, والطلع: أول ما
يبدو ويخرج من ثمر النخل كالكيزان, وقشره يسمي الكفري, وما
في داخله يسمي الاغريض لبياضه, والقنوان: العراجين, جمع
قنو وهو العذق, وهو للتمر بمنزلة العنقود للعنب,
و(دانية) أي متدلية, أو قريبة من يد المتناول.( وجنات من
أعناب) عطف علي( نبات), أي وأخرجنا به جنات كائنة من
أعناب( مشتبها وغير متشابه) أي بعضه متشابه, وبعضه غير
متشابه في الهيئة واللون والطعم وغير ذلك, مما يدل علي كمال
قدرة الصانع..( وينعه) أي وانظروا إلي حال نضجه وادراكه نظر
استدلال واستبصار, كيف يعود شيئا قويا بعد الضعف, جامعا
لمنافع شتي. مصدر ينعت الثمرة كأينعت, تينع( بفتح النون
وكسرها) ينعا وينوعا, إذا نضجت.
* وذكر أصحاب
المنتخب في تفسير القرآن الكريم( جزاهم الله خيرا) ما
نصه:.. ومن طلع النخل عراجين نخرجها محملة بالثمار سهلة
التناول, وأخرجنا كذلك بالماء جنات من الأعناب والزيتون
والرمان, ومنها ماهو متماثل الثمر في الشكل وغير متماثل في
الطعم والرائحة ونوع الفائدة. انظروا في تدبر واعتبار إلي ثمره
حين يثمر, وإلي نضجه كيف تم بعد أطوار مختلفة إن في ذلك لدلائل
لقوم ينشدون الحق ويؤمنون به ويذعنون له.
وجاء في تعليق
الخبراء بالهامش ما نصه:.. وفي آخر الآية الكريمة قوله
تعالي:( انظروا إلي ثمرة إذا أثمر وينعه), وفي هذه الاشارة
سبق لعلم النبات الحديث في ما وصل إليه من الاعتماد في دراسته
علي مشاهدة الشكل الخارجي لأعضائه كافة في أدواره
المختلفة.
من الدلالات العلمية
لهذا النص القرآني الكريم
يقول الحق( تبارك
وتعالي) في محكم كتابه: وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا
به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل
من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها
وغير متشابه انظروا إلي ثمرة إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات
لقوم يؤمنون( الأنعام:99).
والتسلسل في استعراض الحبوب
والثمار في هذه الآية الكريمة يشمل معظم النباتات التي يحتاجها
الانسان في طعامه الأساسي, وتحتاجها أنعامه في
علفها.
فالحب المتراكب: يشمل القمح, والشعير,
والذرة, والأرز, والشوفان, وغيرها من محاصيل الحبوب
والغلال التي تمثل الطعام الأساسي لكل من الانسان والحيوان.
وهذه النباتات تجمع اليوم في رتبة واحدة تعرف باسم النجيليات,
وفي عائلة محددة منها تعرف باسم العائلة
النجيلية.
والنجيليات تضم أعشابا حولية أو معمرة لها شكل
مميز يطلق عليه الشكل النجيلي أي الذي يشبه النجيل, وإن ضمت
قليلا من الشجيرات, وأزهارها تلقح بواسطة الرياح. وسيقانها
غالبا اسطوانية, جوفاء, فيما عدا القليل منها مثل الذرة الذي
يتميز بساق أصم.
ويضم القمح عددا من الأصناف المميزة
منها البلدي, والهندي, الدكر, وكذلك يوجد من الشعير أصناف
عديدة منها البلدي, والنبوي, والتونسي, ويوجد من الذرة
البلدي, والبدري, والسبعيني, والأمريكي, والصواني,
والسكري, والمتبلور وغيرها, ومن الأرز المزروع يوجد
حوالي18 نوعا كلها من النباتات البرية, ومن نوع الارز
المزروع يوجد حوالي الألف صنف منها الأرز الياباني,
والسلطاني, والشعبي, والفينو وغيرها.
ويحل الأرز محل
القمح في كثير من الأقاليم الحارة, ويعتبر غذاء لا غني عنه
لأكثر من نصف سكان الأرض.
وينطوي في العائلة النجيلية
أكثر من(450) جنسا من أجناس النباتات النجيلية, وأكثر
من(4500) نوع من أنواعها, وعشرات الآلاف من الأصناف, ولذلك
تعتبر من أهم عائلات النبات من الوجهة الاقتصادية لاحتوائها علي
النباتات المنتجة لمحاصيل الغلال ذات الحبوب المتراكبة( في
السنابل), وعلي غيرها من المحاصيل الاقتصادية مثل قصب السكر,
والغاب, والأعشاب الطبية, وحشائش الرعي.
والحبوب
المتراكبة في العائلة النجيلية هي من ذوات الفلقة الواحدة,
وكما خلق الله( تعالي) تلك الحبوب التي تمثل المحاصيل
الأساسية لغذاء مختلف شعوب الأرض, خلق لنا حبوبا أخري غير
متراكبة ذات فلقتين توجد ثمارها في قرون بدلا من السنابل ولذا
توضع في عائلة من عائلات النبات تعرف باسم العائلة القرنية تضم
حوالي(600) جنس و(12 ألف نوع) ومئات الآلاف من الأصناف,
ومن أهم محاصيلها الفول, الحمص, العدس, الفاصوليا,
اللوبيا, البازلاء, فول الصويا, الفول السوداني,
الترمس, الحلبة, والبرسيم.
وتعتبر نباتات العائلة
القرنية من أهم النباتات الاقتصادية كذلك, وذلك لغناء بذورها
بالكربوهيدرات( مثل النشا), والبروتينات( مثل الزيوت
والدهون النباتية).
وتلي رتبة النجيليات مباشرة في تقسيمات
النبات رتبة النخيليات التي تشمل عائلة واحدة هي عائلة
النخيليات, وتضم أشجارا نخيلية, غير متفرعة0 فيما عدا نخيل
الدوم الذي تتفرع فيه النخلة إلي فرعين). وتتميز النخيل عامة
بأنها اشجار دائمة الخضرة, وبأن لها سيقانا اسطوانية الشكل,
ذات سلميات طويلة, ومغطاة بقواعد الأوراق, ولها جذور
ليفية.
وتضم( العائلة النخيلية) أكثر من(200)
جنس, وما يزيد علي(4000) نوع من أشجار النخيل وشجيراته,
ويضم نخيل التمر وحده حوالي(15) نوعا وأكثر من ألف صنف,
ولذلك جاء ذكر النخل في القرآن الكريم عشرين مرة.
ومن نماذج
العائلة النخيلية: نخيل التمر, نخيل جوز الهند, نخيل
الزيت, ونخيل الخيزران, ونخيل الأريكا, والنخيل الملوكي,
وأهمها علي الإطلاق نخيل التمر, لأن التمر يعد غذاء كاملا
تقريبا للانسان وذلك لاحتوائه علي الكربوهيدرات( السكريات
والنشا) والبروتينات( الدهون) والفيتامينات وعلي العديد من
الأملاح المعدنية الهامة.
ويلي ذلك في تصنيف النباتات
رتبة العنابيات وتضم عائلتين هما العائلة العنابية( وتضم45
جنسا,550 نوعا ومن امثلتها العناب, والنبق) والعائلة
العنبية( وتضم11 جنسا,600 نوعا تنتشر انتشارا واسعا في
الأرض وأهمها العنب) وتتميز هذه العائلة بنباتاتها المتسلقة,
وبراعمها الطرفية المحورة إلي محاليق, وجاء ذكر العنب والأعناب
في القرآن الكريم احدي عشرة مرة لأهميتها الغذائية
الغالية.
ويلي ذلك في تصنيف النباتات رتبة الملتفات وتشمل
ست عائلات أهمها العائلة الزيتونية وتشمل22 جنسا,500 نوع من
الأشجار والشجيرات وبعض المتسلقات أهمها اشجار الزيتون, و هي
أشجار معمرة تعيش الواحدة منها إلي أكثر من ألفي سنة, وقد ثبت
علميا أن زيت الزيتون يحتوي علي أحماض دسمة غير مشبعة, وهي
مفيدة في الوقاية من العديد من الأمراض مثل جلطات الدم التي
تتسبب في حدوث أمراض الشرايين الاكليلية في القلب, كذلك ثبت
علميا أن بزيت الزيتون أكثر من ألف مركب كيميائي منها ما يعدل
الكولسترول في أثناء استقلابه في الجسم, ومنها ماينقص مستوي
الكولسترول الضار ويرفع مستوي الكولسترول المفيد, ويشكل زيت
الزيتون حوالي70% من تركيب الثمرة, ويتكون زيت الزيتون من
الجليسيريدات والأحماض, بالاضافة إلي ذلك فإن زيت الزيتون
يحتوي علي البروتينات, والدهون, وعلي نسب متفاوتة من عناصر
البوتاسيوم, والكالسيوم, والمغنيسيوم, والفوسفور,
والحديد, والنحاس, والكبريت, وغيرها.
ويعطي
تناول(100) جرام من الزيتون حوالي(103) من السعرات الحرارية
ولذلك امتدح خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم)
كلا من الزيتون وزيته, فقال: ائتدموا بالزيت وادهنوا به,
فإنه يخرج من شجرة مباركة أخرجه كل من ابن ماجه, وعبد
الرزاق, والحاكم وغيرهم وورد في صحيح الجامع
الصغير).
ووصف ابن عباس( رضي الله عنهما) الزيتون
بقوله: في الزيتونة منافع, يسرج الزيت, وهو إدام ودهان
ودباغ, ووقود يوقد بحطبه وتفله, وليس فيه شيء إلا وفيه
منفعة, حتي الرماد يغسل به الابريسم( وهو
الحرير)...
وقد أفردت شجرة الزيتون بالذكر في القرآن
الكريم سبع مرات لعظيم منافعها, ولقلة ما تحتاجه من رعاية
وعناية من الزراع.
ويلي ذلك في تصنيف النباتات رتبة تعرف
باسم رتبة المرسينيات تشمل(33) عائلة أهمها العائلة الرمانية
التي تشمل أشجارا صغيرة( شجيرات) تضم جنسا واحدا هو الرمان
وله نوعان هما الرمان الأوليPunica Protoponica, والرمان
الجرانيتيPunica Granatum.
وقد جاء ذكر الرمان في القرآن
الكريم ثلاث مرات إشارة إلي أهميته في غذاء الانسان, منها
مرتان في سورة الأنعام, والثالثة في سورة الرحمن. وثمرة
الرمان قد يصل قطرها إلي18 سم ويصل وزنها إلي600 جرام,
تحتوي علي400 ـ500 بذرة, وتحاط البذرة بطبقة خارجية(
الطبقة الخارجية من القصرة) وهي التي تؤكل لاحتوائها علي عصير
حلو المذاق يتركب من85% ماء مذابا فيه نسبة من السكريات,
وكميات زهيدة من الدسم, والفيتامينات من مثل فيتامين ج,
والأحماض من مثل حمض الليمون والبوريك, بالاضافة إلي آثار من
عناصر البوتاسيوم, الكلور, الكالسيوم, المغنيسيوم,
الفوسفور, الحديد, النحاس, الكبريت.
وعصير الرمان له
خواص هاضمة بالنسبة للدهون علي وجه الخصوص, وقشر الرمان له
خاصية قابضة, قاتلة لديدان الأمعاء, ومعينة علي امتصاص
الحديد وغيره من العناصر وله قدرة هائلة علي معالجة قروح
الاضطجاع التي تحدث عند قعيدي الفراش.
وهكذا نري أنه في
كلمات محددة جاء هذا التسلسل المعجز من الحب المتراكب إلي ثمار
كل من النخل والأعناب والزيتون والرمان ليجمع كل أنواع الغذاء
الأساسي للانسان ولأنعامه, وذلك لأن باقي النباتات الراقية
المعروفة لنا إما تنتج فاكهة وخضراوات من كماليات الطعام, أو
هي نباتات الزينة, أو الظل, أو الأخشاب, أو الأعشاب وهي ـ
علي أهميتها ـ ليست من الضروريات الملحة لحياة الانسان
وأنعامه.
ويأتي الوصف القرآني لتلك النباتات بالتعبير
المعجز مشتبها وغير متشابه ليعبر عن حقيقة التنوع الهائل الذي
وهبه الله( تعالي) لتلك النباتات, حيث ينقسم كل جنس من
أجناسها إلي العديد من الأنواع, وتنقسم الأنواع إلي العديد من
الأصناف, ويضم كل صنف من هذه الأصناف بلايين البلايين من
الأفراد التي تكاثرت ولاتزال تتكاثر وسوف تظل كذلك إلي أن يرث
الله( تعالي) الأرض ومن عليها. وأفراد كل نوع من أنواع
النبات تبدو في ظاهرها متشابهة, ولكن بدراستها المتخصصة يتضح
ما بينها من الفرق بما يستوجب فضلها عن بعضها البعض, وهنا تتضح
روعة التعبير القرآني( مشتبها وغير متشابه).
ويأتي
بعد ذلك تنبيه من الله الخالق بالنظر إلي ثمار النباتات وقت
إثمارها وحين نضجها( انظروا إلي ثمره إذا أثمر وينعه), وفي
هذا النص سبق علمي أصيل يشير إلي ضرورة الاعتماد علي مشاهدة
الشكل الخارجي لمختلف أجزاء النبات في جميع أطوار نموه حتي يمكن
التعرف عليه وتصنيفه, وهي من القواعد الأساسية اليوم في علم
النبات, وفي النص أيضا إشارة إلي فضل الله العظيم في انتاج تلك
الثمار وإلي أهميتها لحياة النبات نفسه ولحياة كل من الانسان
والحيوان آكل العشب. وذلك لأن الثمرة الحقيقية هي مبيض الزهرة
بعد تمام اخصابه بحبوب اللقاح وتكون الجنين الذي يحاط بأغلفة
نباتية من المواد الغذائية لحمايته قبل الإنبات, ولتغذيته في
مراحل الانبات الأولي حتي تورق النبتة الأوراق الخضراء القادرة
علي القيام بعملية التمثيل الضوئي وإعداد الغذاء الخاص للنبات.
وعلي ذلك فالثمار مهمة لجميع النباتات العليا لاحتوائها علي
البذور التي بها يمكن للنبات أن يستمر في الوجود والتكاثر علي
الأرض إلي أن يشاء الله( تعالي).
والثمار مهمة للانسان
لأنها تمثل غذاءه الرئيسي وعلف أنعامه, كما تمثل مصدرا أساسيا
من مصادر الدواء, والكساء ومواد الصباغة, وغيرها من الصناعات
الأساسية في حياة الناس.
وثمار النباتات من أجل نعم
الله علي الانسان, وتحركها من بدء ظهورها علي النبات إلي
نضجها, وما يعتريها خلال تلك الفترة من نمو في الحجم,
واختلاف في اللون, وتدرج في الطعم والمذاق بما يشهد لله الخالق
بطلاقة القدرة علي الخلق والافناء والبعث, ولذلك ختمت الآية
الكريمة بقول الحق( تبارك وتعالي): إن في ذلكم لآيات لقوم
يؤمنون.
هذا السبق القرآني يعرض قدرا من حقائق عالم النبات
قبل أن يصل إليها علم الانسان بقرون متطاولة بما يشهد للقرآن
الكريم أنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق
الذي أنزله بعلمه علي خاتم انبيائه ورسله ليكون للعالمين
نذيرا, فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه
ودعا بدعوته إلي يوم الدين, والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا
علي نعمة الإسلام, وعلي نعمة القرآن وعلي نعمة الثمار وغيرها
من الأرزاق.