فيزياء ومواضيع أخرى » مقالات وأخبار:
عن تجربة -أفشار- ذات الشقين
هل تم دحض تفسير كوبنهاغن للميكانيك الكمومي؟
May 15, 2005
منذ ما يقارب السنة أعلن الفيزيائي شهريار أفشار في جامعة هارفرد عن نتائج تجربة ضوئية أجراها يدعي أنها تدحض تفسير كوبنهاغن للميكانيك الكمومي. الخبر أحدث ضجة بين الفيزيائيين ما مبين مؤيد ومعارض وما زال النقاش حتى الآن يدور حول صلاحية هذه التجربة. المثير في الموضوع هو أن كثير من النقاش يتم بين أفشار وبقية الفيزيائيين على الإنترنت حيث بإمكان الجميع متابعته.
القصة تعود الى الفترة التي تم فيها تشييد الميكانيك الكمومي في عشرينات القرن الماضي حيث قام فيرنر هايزنبرغ وإيرفين شرودينغر كل على حدى، وبمساعدة قدر كبير من الحدس وشيء من الحظ، قاموا بوضع الأساس الرياضي للميكانيك الكمومي حيث توافقت معادلاتهم مع البيانات المأخوذة من تجارب في الفيزياء الذرية، لكن هذه المعادلات لم تعطهم تصور واضح لما يحصل في الواقع، بل على العكس كانت توحي بتصورات شاذة وغريبة للغاية لسلوك المادة والطاقة في المستوى الذري.
في عام 1926 في المعهد الجامعي للفيزياء النظرية في كوبنهاغن كان النقاش يدور بشكل يومي تقريباً بين نيلز بور وهايزنبرغ. كانا يحاولان أن يصلا إلى حل للمفارقات التي تبديها الصيغ الرياضياتية سابقة الذكر، في محاولة للإجابة على أسئلة عدة كانت تؤرق الفيزيائيين في ذاك الوقت: كيف يمكن لفوتون أو إلكترون أن يمتلك خصائص كل من الموجة والجسيم؟(وهذا ما سأركز عليه في هذا المقال)، لماذا "ينهار" التوصيف الموجي للإلكترون عندما يتم تحديد موقعه؟ كيف يمكن توقع حصول حدث كمومي يبدو ظاهرياً أنه عشوائي؟... الخ
بمعزل عن بور، توصل هايزنبرغ الى ما يعرف بمبدأ الإرتياب (Uncertainty) الذي كان خطوة هامة في حل هذا اللغز. يقول المبدأ بأننا " كلما حاولنا الحصول على مزيد من الدقة في قياس موضع الإلكترون ساءت دقة معرفتنا بعد هذا القياس باندفاع الإلكترون".
مبدأ الإرتياب هذا أوحى لنيلز بور بفكرة التتامية (Complementarity)التي تميز هذا المبدأ والتي تعني أن معرفة أحد جوانب منظومة ما، تحول دون معرفة جوانب أخرى من هذه المنظومة. وسّع بور فكرته إلى تتامية كل من السلوك الموجي والجسيمي سابق الذكر، الذي يعني أن القياس الدقيق لتموج الإلكترون مثلاً، يقتضي الجهل التام بموضعه ومساره. إن مبدأ بور هذا بالإضافة الى مبدأ الإرتياب والتفسير الإحتمالي لمعادلة شرودينغر الذي أتى به ماكس بورن، شكلوا المبادئ الأساسية لما يعرف بتفسير كوبنهاغن للميكانيك الكمومي.
عارض الكثير من الفيزيائين في ذلك الوقت فكرة أن الطبيعة تعمل بهذه الطريقة الغريبة، أشهرهم كان ألبرت أينشتاين الذي نشر مع بودولسكي و روزن ورقة في عام 1935 يقدمون فيها تجربة فكرية Gedenkenexperiment ادعوا أنها تثبت أن الشرح الميكانيكي-الكمومي للواقع الفيزيائي هو شرح غير كامل. عرفت هذه التجربة باسم تجربة EPR وهي الحروف الثلاثة الأولى من أسماء العلماء الذين نشرت بإسمهم هذه الورقة، والتي كانت احدى أعنف الهزات التي واجهها ميكانيك الكم.
تجربة أفشار
ما يركز عليه أفشار هو أن تجربته تدحض مبدأ تتامية بور. حيث يقول أنه تمكن من رصد كل من الخاصيتين الجسيمية والموجية للضوء في تجربه واحدة.
التجربة مشابه جزئياً لتجربة توماس يونغ ذات الشقين التي أجراها في بدايات القرن التاسع عشر والتي اعتبرت يومها على أنها دليل على الطبيعة الموجية للضوء، حيث يمر الضوء عبر فتحتين طوليتين ثم يشكل تداخل الموجات الخارجة منهما خطوطاً متوازية تسمى أهداباً من المناطق العاتمة والمضيئة، ويفسر ذلك على أن الأهداب العاتمة هي أماكن التقاء قمة (Maxima) موجة ضوئية من الفتحة الأولى مع قعر (Minima) موجة ضوئية أخرى من الفتحة الثانية.
تجربة يونغ
أما أفشار فأعد تجربته بالشكل التالي: ضوء ليزر يمر عبر شقين ثم يمر بعدسة تركز الضوء الآتي من الفتحة رقم-1 في المكشاف(detector) رقم-1، والضوء الآتي من الفتحة-2 في المكشاف-2، حيث تقاس كمية الإضاءة.
ثم يضيف أفشار إلى تجربته شبكة من القضبان يثبتها خلف العدسة. موقع هذه القضبان مدروس مسبقاً بحيث يشغل المكان الذي يفترض أن تتشكل فيه الأهداب العاتمة الناتجة عن تداخل الضوء القادم من الفتحتين.
بداية يأخذ القيمة التي يسجلها المكشاف-2 عندما تكون الفتحة-1 مغلقة وبوجود شبكة القضبان فيسجل المكشاف نسبة غباش ( أي فقد في الفوتونات) تساوي 6.6%.
أما عندما يمر الضوء من الفتحتين وبوجود شبكة القضبان فتنخفض درجة الغباش فجأة الى 0.1%، وهي نتيجة مشابهه تقريباً للنتيجة التي يعطيها المكشاف عند غياب شبكة القضبان وترك الضوء يمر من الفتحتين.
يقول أفشار أن هذه القيمة تعني أن حالة التداخل قد حصلت، حيث لم تقم شبكة القضبان بإعاقة تذكر للضوء بسبب وجودها في المكان الذي تحدث فيه الأهداب العاتمة، وهذا يعني أنه تم رصد حالة الضوء الموجية، ومن جهة أخرى تم رصد مسار الضوء عندما قامت العدسة بتركيز الضوء القادم من الفتحة-2 في المكشاف-2. إذا فقد تم رصد طبيعتي الضوء الموجية و الجسيمية في تجربة واحدة أو بشكل أدق في مكشاف واحد. فإما أن التجربة قد أسيء تفسيرها، وإما أن تتامية بور غير صحيحة وهذا ما يصر عليه البروفسر أفشار.
على أي حال لا يبدو أن هذه التجربة قد أخذت على محمل الجد من قبل المجتمع الفيزيائي، فعلى حد علمي لم يتم نشر أي شيء حولها في المجلات المرموقة كالساينتفيك أميريكان فيزيكس وورلد أو فيزيكس ريفيو.
May 15, 2005
يرجى عدم التصرف بأي من محتويات الموقع دون إذن صاحبها
الرئيسية | مقالات وأخبار | كتب