
إعداد الدكتور محمود الخيال
التوحد أو الاجترار
Autism
لقد تحثنا في الابحاث السابقة عن التوحد
وأعراضة وكيف ان هذة الاعاقة تتشابة مع
اعاقات أخرى كالفصام مثلا .
وبالرغم مما ذكرناة سابقا عن الستة شروط التي
لابد ان تتوفر في حالات التوحد للحكم عليها بأنها حالة توحد فإن ما نشرتة بعض
دوريات علم النفس الاكلينيكي والتطوري في الفترة منذ عام 1985 حتى الان من تقارير
عن نتائج البحوث التي أجريت على حالات أعاقة التوحد تبرز بعض الخصائص و السلوكيات
التي أكتشفت لهذة الحالات تثير الكثير من التساؤل حول حقيقة هذة الاعاقة وتزيد من الغموض والاسرار التي تحيط بها حيث
تبرز في سلوكيات بعض الافراد نواحي من المهارات الخاصة غير العادية والتي لا
يستطيع القيام بها حتى الافراد الذين لا يعانون من أي إعاقة مما يزيد التساؤل حول طبيعة التوحد ويزيد من
حيرة الباحثين والمتخصصين في العمل مع هذة الفئات .
وفد رأينا ان نقوم بأستعراض بعض الخالات التي
تعاني من أعاقة التوحد سنقوم هنا بنشر أولها وهي لطفل مصري يمثل نموذجا لاحد حالات
التوحد الشائعة سواء في مجتمعنا او المجتمعات الاخرى ثم نستعرض في الابحاث القادمة
بعض الحالات الغير عادية .
عرض لحالة أعاقة توحد
شوهد رشوان لاول مرة في مراكز التاهيل للمعاقين
سمعيا وكان رشدان يختلف بشكل ملفت للنظر عن أقرانة العاديين من أطفال المركز وكان
يلبس حلة نظيفة ذات لون كحلي غامق وقميص ناصع البياض وحذاء أسود لامع وكان يقف
امام حوض بة أسماك ملونة يحدق في حركتها ويتحرك برشاقة من جانب الى أخر من جوانب
الحوض بنوع من الوقار وعندما اقتربت منة ظنا انة زائر او مرافق لاحد الاطفال ولاحظت
في عينية نظرات بها عمق وحيرة في نفس الوقت ومسحة من ابتسامة حائرة
وعندما بدأت أحادثة عن السمك والنباتات المائية التي ينساب بينهما في الحوض لاحظت انة
لايبدي أي أهتمام او حتى أي أحساس بوجودي وكانة لايراني ... ثو أختفت الابتسامة
وبريق عينية وحل محلهما عبوس واضح وبدأ يتحرك الى الامام والخلف ممسكا بماسورة
حديدية تحيط بقاعدة الحوض وعادت الابتسامةوبدا كانة يستمتع بهذة الحركة التي
أستنرت وقتا طويلا ومن هنا بدأ أهتمامي بهذة الحالة وقمت بعدها بالاتصال بأخصائي
المركز وبدأت قصتى مع حالة نموذجية للتوحد .
حالة الطفل رشوان
طفل في السادسة من عمرة ولو انة يبدوا من
الناحية الجسمية انة أكبر من عمرة الزمني بحوالي عامين وهو أطول قليلا من المتوسط
ابيض البشرة ذو شعر بني فاتح طويل ووجهة
طويل يتوسطة أنف عريض عند القاعدة بشكل أكثر من الطبيعي وفم صغير تتباعد شفتاة معظم الوقت لتكشف عن
اسنان غير منتظمة الشكل ولقد كان اللقاء الاول لهذة الحالة عند زيارة كاتب المقال
لاحد مراكز تأهيل الصم والبكم الذي يضم مجموعات من الاطفال الذين تتراوح أعمارهم
بين الرابعة والثالثة عشر من الجنسيين والذين لا يعانون من أي أعاقات جسمية او
ذهنية أخري خلاف الصم والبكم وكان ما لفت
نظرنا بالذات الى هذا الطفل هو عدم مشاركتة مع زملائة باللعب وهدوءة وهندامة
ونظافة مظهرة العام .
وكانت اول علامة من علامات التوحد هي القصور
الواضح في الكلام واللغة وفيما عدا بعض الهمهمة
الخفيفة او المرتفعة بصوت يشبة أصوات الماشية كما يمكن بسبب صمتة الدائم ان تعتبرة أخرص او
ابكم ولانة التحق لمدة 18 شهر بأحد مؤسسات الصم فإنة قد تعلم بعض الاشارات التي
يستخدمها الصم في الاتصال بالاخرين ولكنها لاتتعدي 10 أشارات يستخدمها في حالات
الغضب والضيق او الجوع او الرغبة في الذهاب الى الحمام وفي بعض الاحيان يستخدم
أصبعة للاشارة الى شخص او مكان ما او شيء ريدة ولكن في هذة الحالات يصعب فهمة
وفيما عدا هذة المحاولات القليلة من رشدان التي يحاول بها الاتصال بالاخرين فإن
قدرات رشدان اللغوية تكاد تكون معدومة اما من حيث ذكائة فإننا بعد مجاولات متعددة
وجهد كبير امكن تحديد مستوى ذكائة على مقياس وكسلر المعدل للاطفال مما يجعلة مصنفا
على انة فئة تخلف عقلي متوسط لو اننا أخذنا في الاعتبار القصور الشديد في مهارة
الاتصال وصعوبة تطبيق أي من اختبارات الذكاء الاخرى فإننا نقر بصعوبة التقييم
الصحيح والدقيق.
اما ما امكنا تقديرة بدقة هو سلوكياتة الغير
عادية عن طريق الملاحظة المستمرة ومتابعة التسجيل اول باول ومنها اة كان يجلس على
كرسية المفضل قابضا على رأسة او ركبتية او صدرة ويظل يتحرك للامام او الخلف او الى
أعلى وأسفل لمدة طويلة قد تمتد ساعات طويلة او يلعب بدمية او سيارتة الخشبية وهي
مائلة على جانبها وليس على العجل ذهابا وأيابا او يمسك قلم ومسطرة ثم يظل يسطر
بشكل متكرر خطوطا متوازية مستقيمة... وقد يظل يدور في الغرفة بجوار الحائط بحسم
وأصرار لمدة قد تستمر لساعة او ساعتين او أكثر دون ملل او تغيير او مقاطعة دون ان
يهتم او يلتفت او يستجيب لاي محاولة لايقافة او أغرائة بنشاط أخر مهما كان مغريا
وخلال هذة الطقوس السلوكية الخاصة ومع طول فترات ممارستها فانة ما من مرة لوحظ على
وجههة أي من الانفعالات او التغيرات العاطفية بل يبدو منهمكا في ادائها مستغرقا
بعمق شامل وغير ابة بما يجري حولة وكانة
لايرى ولايسمع منها شيئا ولكنة لوحظ انة بدأ منذ حوالي اسبوعيين كثيرا ما يتوقف فجأة عن الاستمرار في
حركاتة المتكررة ويرفع يدة لمحاذاة وجهة مدققا النظر ببصرة الذي يركزة عليها
ويقربها من وقت لاخر ثم يبعدها عنة او يديرها يمينا ويسارا ناظرا بعمق خلال
الفراغات الواقعة بين أصابعة مع تضييق عينة كما لو كان يتصفح كواكب السماء من خلال
تلسكوب يبحث بة في المجهول الوغاسع امامة عن نجم ضائع وبينما هو يتأمل عالمة من
خلال يدة الصغيرة التي أصبحت فجأة محور أهتمامة قد يصدر منة فجأة أصوات أحيانا
خافتة وأحيانا تصل لدرجة الصراخ مع تغير في النغمة من ان لاخر ثم يصمت فجأة كما
بدأ فجأة وأحيانا مايبتسم او يقهقة كانة سمع نكتة او قصة مضحكة او رأى سلوكا شاذا
ثم يعود اما الى تأمل ما وراء يدة وإما ان يدقق في فتات او بقايا الطعام العالق
بيدة عندما يتناول الطعام أو عندما تبتل بالماء ويستمتع بتأمل قطرات الماء وهي
تتساقط من بين أصابعة .
بالاضافة الى هذة السلوكيات غير العادية التي
كثيرا ما يتكرر أندماج رشوان في أدائها سلوكا من نوع أخر يثير عجب بل ويتسبب في
شعور والدية وافراد أسرتة بالاحباط وهو عدم قدرتة او ربما أيضا إصرارة على عدم
تكوين أي علاقة بهم فهو على مدى السنوات الست التي عاشها معهم لم يحاول المباداة
بأي أتصال ذو معنى بأي فرد منهم أو بغيرهم أو بشكل أدق فهو يتجاهل حتى وجودهم لا
فرق بينهم وبين أي شخص أخر غريب عن الاسرة بل ويتجنب دوما لقاء الاعين بينة وبينهم
ومع كل فهو يبدوا انة يدرك وجودهم ولكنة لا يعطيهم أي أهتمام وربما ينظر اليهم كما
لو كانوا قطعة من الاساس لاتثير أي أحساس بوجودهم بل ويتجنبهم كما يتجنب الانسان
حيوانا يسير أمامة وكل ما يفعلة عندما يحاول أحد أبوية توجية حديث لة هو ان ينظر
غير مكترث او متجاوب مع ما يقولة او يفعلة تماما كما لو كان شخصا غريبا لا يعرفة
قابلة صدفة في الطريق .
ولو انة أحيانا يظل فترة يراقب ما يفعل أي من
افراد أسرتة دون ان يثير ذلك أي مشاعر أو أحاسيس أو محاولة للمشاركة في انشطتة أو
أفعالة.
ومع هذا فإنة أحيانا ما ينقلب الى حالة من الغضب
او الثورة العارمة عند أي محاولة من جانبهم لمعارضة سلوكة او تغيير الروتين الذي
يتميز بة سلوكة وقد يقوم أثناء ذلك بالدوران حول نفسة متخبطا في الحائط او الاثاث
أو ملقيا نفسة على الارض او يكيل الكمات بقبضتة في قطع الاساس او بنثر يدية بعنف
كما لوكان يريد ان يتخلص منها او يفصلها بعيدا وأحيانا يقوم أثناء ثورة غضبة بعض
يدة أو بطرق رأسة في الحائط مصيبا نفسة بجرح أو كسر وهو في حالة صراخ وتوتر تشمل
كل جزء في جسمة وفجأة وبدون مقدمات تنتهي ثورة الغضب عائدا الى حالة الهدوء
والتوحد والانغلاق على نفسة كما لو ناة لم يحدث أي شيء.
تاريخ الحالة
رشوان هو الاخ الاصغر لطفلين أنجبتهما أسرتة
التي تعتبر من الطبقة المتوسطة العليا والتي تمتد جذورها من ناحية الام الى الاسرة
الملكية التي كانت تحكم مصر قبل الثورة والاب رجل أعمال يدير مصنعا للاثاث في احد
المدن الصناعية الجديدة وهو ووالدتة على درجة عالية من التعليم الفرنسي والجامعي وتعيش الاسرة في فيلا صغيرة بأحد ضواحي القاهرة
تحيط بها حديقة صغيرة .
ولرشوان أخ يكبرة بخمس سنوات يسير في دراستة
بنجاح ولا يعاني من أي مشكلة او أعاقة .
وتذكر الام ان ولادة رشوان كانت طبيعية وكانت في
الثلاثين من عمرها عند ولادتة وأنها كانت تدعوة بالطفل المثالي عند السنة الاولى
من عمرة لشدة هدوئة وقلة بكاءة وصراخة . ومع هذا بدأ هدوءة الزائد وعدم تجاوبة مع
عطف الاخرين او تجاوب نظراتة مع نظرات حنان الام يثير قلق الام خلال العام الثاني
وأيضا عدم قدرتة على التعبير ومع ذلك لم تقوم الام بعرض الطفل على طبيب او أحد
النفسيين الا في منتصف العام الثالث وهذا عنما التحق الطفل بدار الحضانة وقام
المشرفيت بأبلاغ الام ببعض الملاحظات التي بدأت تظهر بوضوح حيث كان يمضي يومة
منطويا على نفسة لايشترك مع الاخرين غارقا في عالم أخر محدقا في لا شيء او منهمكا
في حركات متكررة في احد اركان الغرفة او الفناء وبدأ واضحا عجزة الشديد عن الكلام
فضلا عن حدوث ثورات الغضب وايذاء رفاقة في الدار مما دعا مديرة الدار الى منع
الطفل من الحضور ومع هذا لم تفكر الام في عرض الطفل على
أحد الاخصائيين ثم أحضرت الام مربية أخري ولكنها
أنسحبت بعد شهرين وحدث هذا مع ثلاث مربيات غيرها لم يقبلن الاستمرار في رعاية
الطفل الذي لم يكن يتكلم حتى أقترب من الرابعة من عمرة وأدرك والدية انة في حاجة
الى رعاية خاصة وظنا منهما ان المشكلة هي ان طفلهم أصم وابكم فالحقاة بأحد المراكز
التي تقوم بتأهيل هذة الفئة من الاطفال وهناك وبعض ان أمضى بها ما يقرب من عام
التقى كاتب المقال بالحالة وأجرى المقابلات مع المشرفين على الدار وبوالدية
وبأجراء عدد من فحوص التشخيص للحالة التي تبين بشكل واضح انها حالة توحد وتم على
أثر ذلك نقل الطفل الى مركز للتاهيل يتعامل مع تلك الحالات مع أستمرار رعايتة في
المنزل تحت أشراف ومتابعة مهنية متخصصة للتاهيل النفسي والاجتماعي والتربوي
والتخاطب مع أشراف مستمر بواسطة ممرضة مقيمة خصيصا لرعايتة في المنزل بالاشتراك مع
الام التي تكاد تكرث كل وقتها بعد العودة من العمل لرعاية رشوان في تعاون وثيق مع
المتخصصين.