إعداد دكتور محمود الخيال

 

إعاقة التوحد والاجترار

خواصها و تشخيصها

 

 

تحدثنا في البحث السابق عن أعراض التوحد ولما كانت هذة الاعاقة محيرة  للعلماء في المجالات الطبية والنفسية وتتشابة في أعراضها مع بعض اعراض الاعاقات الاخرى كأعاقات التخلف العقلي والتعلم وربما أيضا مع بعض أعراض الفصام الطفلي فإنة من الضروري ان تنوسع في هذا المقال في أستعراض تلك الاعراض بشيء من التفصيل أخذين في الاعتبار بانة ليس من الضروري ان تظهر كل هذة الاعراض في حالة واحدة بل قد يظهر بعضها في حالة معينة ويظهر الاخر في حالة اخرى كما يتباين ظهورها من حيث الشدة والاستمرارية او السن الذي يبدأ فية العرض في الظهور فقد بدأ ظهور أعراض التوحد في بعض الحالات في الشهور الستة الاولى من الميلاد ولكن الاغلب في ظهورها يكون ما بين العام الثاني والثالث او خلال الثلاثين شهور الاولى من ميلاد الطفل .

 

وتزعم أحد النظريات المشهورة نظرية المراحل الحرجة ان أول أعراض الاعاقة تظهر تظهر خلال المراحل الاولى من المراحل الحرجة وهي الست أشهر الاولى من ميلاد الطفل ثم تظهر ثاني مجموعة من الاعراض مابين الشهرين السادس والتاسع بعد الولادة حينما يدرك الطفل العادي تفردة كإنسان مستقل فإذا لم يجد تجاوبا من الاخرين أزدادت حدة المشكلة أما المرحلة الحرجة الثالثة فهي في السن بين سنةونصف وسنتين من عمر الطفل ثم تزداد الحالة شدة كلما ازداد العمر وزاد ابتعادة عن الاخرين وفقد أحساسة بالزمن وزادت حركاتة الغير هادفة وفقد قدرتة في التعامل مع البيئة والتفاعل معها في نفس الوقت الذي يقف عجزة عن الاتصال اللغوي بالكلام بالبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها حائلا بينة وبين نمو شخصيتة او ادراكة لذاتة فتزداد قدراتة اللغوية في التدهور اكثر واكثر.

 

ولانة قد يبدا الحديث بلغة غير مفهومة وبالتالي يزداد قصور قدرتة في التعامل مع البيئة والانسحاب منها ويزداد انغلاقة عاى نفسة وقد يمضي ساعات وساعات غارقا في ذاتة غير ملتفت او شاعرا بما يجري حولة لايميز بين أي شخص وأخر ويصر على ان يترك وحيدا وقد يثور ويتهور إذا حاول احد تغيير هذا الوضع الذي قد يستمر مغلقا على ذاتة لمدة ساعات طويلة

وكانت هذة السمة من سمات اعاقة التوحد هي السبب في تسميتها بهذا الاسم autism فهي كلمة مشتقة من كلمة auto  اليونانية التي تعني الذات او النفس .

 

ولنفس السبب ايضا فإنة لا يحب الاختلاط بالناس ويعيش منعزلا ونادرا ما يبتسم او تصدر منة مبادرة بالاقتراب او الاتصال بالاخرين ولايميز بين افراد أسرتة او الاغراب ولايحاول تقليد احد وبالتالي غياب القدرة على التعلم والتطبيع الاجتماعي ويكاد يظن انة أصم وابكم رغم ان حاسة السمع تكون سليمة تماما فهو دائم الشرود بعيد المنال غارق في عالم الخيالات غارق في وحدة مفرطة ورغبة قلقة متسلطة في البقاء على حالتة كما هي .

 

وفضلا عن هذا فهو يتسم بحدة المزاج وسرعة الغضب ولايرتبط بوالدة او امة او أخوتة ولايبدي أي انفعال عند غياب أي أحد منهم عنة ولايبتهج بقربهم او أقبال أي أحد منهم الية ويبدوا في الغالبية العظمى من الاوقات وكانة منقطع الصلة او التجاوب مع أي من المثيرات البيئية المحيطة بة او تحقيق أي قدرة على الاتصال بالاخرين ويعيش في عزلة أجتماعية دائمة.

 

ويتميز الطفل الذي يعاني من اعاقة التوحد بالسلبية وعدم التجاوب فهو لايستجيب لاي رجاء او امر او تكليف ويرفض الاجابة على أي سؤال حتى إذا كانت حصيلتة اللغوية تسمح لة بالاجابة ولا يتجاوب مع أي مشاعر او أحاسيس تصدر من الاخرين ودائما ما تفشل محاولة تعليمة الكلام وخاصة إذا كانت إعاقتة يصاحبها التخلف العقلي أكثر من %50 من حالات التوحد تعاني أيضا من تخلف عقلي.

 

ومن أعراض هذة الاعاقة أيضا مقاومتة للتغيير بكل صورة في كل عاداتة و سلوكياتة وما حولة من أثاث وما يلبسة من ملابس وما يأكلة من أطعمة او شراب والروتين الذي يعيشة وقد يرغم من معة في المنزل على سلوكيات معينة وإذا ارغم على التغيير ثار وعبر عن ثورتة بالصراخ وتحطيم الاشياء التي تقع في متناول يدية او الاعتداء على نفسة وعلى الاخرين ولعل اهم العوامل المؤثرة في أعاقة الاوتيزم هو الفشل في اكتساب مهارات الاتصال اللغوي أو غير  اللغوي(الإيماءات) وفي تكوين علاقات أجتمتعية مع الاخرين بما فيهم الاباء والاخوة والاقارب بينما نجد ان الطفل السليم العادي يستطيع ان يتعرف على أمة ويميزها عن غيرها ويتهلل فرحا ويهز رجلية ويدية عندما تقبل امة علية لحملة في مرحلة مبكرة من عمرة قبل الشهر السادس وقبل لن يتعلم الكلام ويكتسب اي رصيد لغوي وبينما نجدة يبكي إذا تركتة أمة او نهرتةلاي سبب من الأسباب ولذلك فإننا نجد ان الطفل الغير معاق لدية القدرة على الاتصال والتفاهم العاطفي والانفعالي في سن مبكر قبل تعلم الكلام بينما نجد العكس في حالة الطفل الذي يعاني من التوحد حيث تغيب هذة القدرة على الاتصال وعلى تبادل الاحاديث والانفعالات وتفهمها والتعبير عنها وبينما تلتقي عيون الطفل العادي وتتبادل النظرات مع أمة بدءا من الطفولة المبكرة فإننا نجد الطفل الذي يعاني من التوحد لا يتبادل النظر مع أي من حولة .

وبالنسبة للطفل العادي ايضا فإن انشطتة في سن 12 ال 20 شهرا الذي يكون تركيزة في لعبة على ذاتة أو أصدار اصوات بغير معنى يبدأ في التحول بعد عامة الثاني الى انشطة استطلاعية يتفحص اللعب او الاشياء المحيطة والتفاعل مع عناصر البيئة من اشخاص واساس وتزداد قدرتة تدريجيا في التعامل مع الكبار واللعب مع الاطفال وتنمو قدرتة على الاتصال والكلام.

 

أما بالنسبة للطفل الذي يعاني من أعاقة التوحد فإن هذا التطور في النمو يتعثر ويقف قبل ان يصل الى عامين او عامين ونصف او ربما لايحدث أطلاقا قبل ذلك.

 

ولعل من اهم الاعراض التي تلحظها هي عدم قدرة الغالبية العظمى من هؤلاء الاطفال على تعلم الكلام بشكل كلي او جزئي او عدم التجاوب مع أي حديث يوجة اليهم .وقد تبدوا على بعض من يكتسب حصيلة لغوية بسيطة ظاهرة حيث يردد بشكل ميكلنيكي نفس الجملة التي توجة الية وهو غير قادر على أستخدام الضمائر في وضعها الصحيح فيخاطب الاخر بضمير انا ويتحدث عن نفسة بضمير انت وهكذا بالنسبة لغير ذلك من الضمائر فهو دائما مايستخدم الضمائر مقلوبة.

 

وقد يقتصر كلامة على أستخدام بضع كلمات ولايستخدم الكلمة او الجملة الصحيحة في مكانها المناسب وعادة ما يفشل في تركيب جمل ذات معنى او استخدام الكلمة في مكانها المناسب .

كما يعاني من الربط بين الشكل والمضمون والمعنى وبين الاستخدام الصحيح للكلمة ومع هذا القصور اللغوي فإنة يبدوا ان بعض هؤلاء الاطفال لة ذاكرة قوية حيث لوحظ ان بعضا منهم يبدأ في ترديد كلمة او جملة سبق سمعها امام التلفزيون والراديو او سمعها من احد المحيطين بة دون ان يفهم معناها بعد ان يكون مضي ساعات او ايام من سماعها وأحيانا يبدوا من تصرفاتة ان لدية القدرة على تذكر تفاصيل بعض المثيرات البيئية السابقة (حادث _ منظرغريب _ مهارة موسيقية_أو حتى جملة بلغة إنجليزية سمعها يرددها دون ان يفهمها  )

وتحكي أحد تقارير المركز الدولي لبحوث الاطفال في باريس عن طفل عمرة 3 سنوات يعاني من أعاقة التوحد ورغم ذلك فقد تمكن من اداء أغنية كاملة وقطعة موسيقية سمعها قبل ذلك بأسبوع كما يحكي عن طفلة تعاني من نفس الاعاقة أمكنها ترديد السلم الموسيقي في سن 6 شهور .

 

هذا ويؤدي الفشل في أكتساب اللغة وكافة وسائل الاتصال الاخرى الى قصور في عمليات الادراك الحسي وغيرها من العمليات العقلية الاخرى كالتخيل والتذكر ومعالجة المشكلات والاستيعاب وغيرها . مما دعى بعض الباحثين أمثال بارون وليزلي وفريت الى تاكيد مفهوم غياب العقل لدى الافراد الذين يعانون من أعاقة التوحد .

 

ويختلف أطفال التوحد من حيث النشاط الحركي فالبعض قليل النشاط والبعض عادي والبعض زائد النشاط Hyper Active .

 

ومن حيث مستوى الذكاء فإن بعضهم يعاني من التخلف العقي وتصل نسبتهم الى حوالي 50% بينما الباقي يكون مستوى الذكاء عادي او اعلى من المتوسط.

 

ومنهم من هو عنيف عدواني في سلوكة ومنهم من هم عاديون كغيرهم من الاطفال.

 

وقد يشخص بعضهم على انهم صم بسبب عدم أستجابتهم للاستثارة الصوتية رغم ان فحص أجهزة السمع تثبت ان اجهزة السمع سليمة ويزيد الاعتقاد بأنهم صم عندما تكون الحالة حادة ولا يستطيعون اكلام .

 

ومن حيث الجنس كمتغير لوحظ من الاحصائيات المتوفرة ان هذة الاعاقة تنتشر أكثر بين الذكور منهم من الإناث تقريبا بنسبة 1:4 .

 

أما من حيث انتشار أعاقة التوحد فهو بالمقارنة بغيرة من انواع الاعاقات يعتبر انتشارة محدودا ولمل كان هناك صعوبة وربما أستحالة في تطبيق أختبارات مقننة مع بعض الحالات في عملية التشخيص بصفة عامة فإن الاحصائات المتوفرة محدودة ومتباينة وتتراوح بين حالة واحدة بين كل 1000 ولادة حية او 3 الى4 حالات بين كل 10000 طفل يولد حي.

 

اما من حيث إمكانية تحقيق درجة معقولة من النمو اللغوي والاجتماعي والعاطفي فقد وجد ان 10% على الاكثر من الاطفال الذين يعانون من التوحد قابلين للاستفادة من البرامج المكثفة للتاهيل في هذة الاتجاهات الثلاث.

 

هذا ولايخفى على القاريء ما يتضح عند أستعراض هذة السمات والخصاءص السلوكية التي تميز الطفل الذي يعاني من اعاقة التوحد التداخل والتشابك بين هذة الخصائص من حيث كونها سببا او نتيجة فلغياب القدرة على الاتصال لن يتعلم الطفل اللغة وغياب اللغة والقدرة على الكلام يزيد من تعقيد مشكلة الاتصال وعدم فهم الايماءات والرمز وبسبب غياب اللغة والقدرة على الاتصال يعجز الطفل عن تكوين علاقات إجتماعية مع الاخرين فتزداد عزلتة وتوحدة كما لايستطيع تفهم انفعالات وعواطف الاخرين ولا التعبير عن عواطفة وانفعالاتة من فرح وحزن وغضب وحب او ضيق او كره... الخ . بل ولايستطيع التعبير عن رغباتة او التجاوب مع المتغيرات الاجتماعية المحيطة به ويصاحب كل هذا فقدان القدرة على الاحساس بالزمن .

 

وهكذا يكون تفاعل المتغيرات شبكة متداخلة من الحلقات المفرغة التي تزيد تاثيراتها ونتائجها من حدة الاعاقة وتذكرنا خصائصها بخصائص انسان الغابة التي يحدثنا التاريخ عن حالات منها لاطفال فقدوا من أهلهم وضاعوا في غابة عاشوا بها مع الحيوانات منقطعين تماما لسنوات طفولتهم عن المجتمع البشري وحيث يؤدي غياب اللغة والقدرة على الاتصال الى أستحالة تكوين مفهوم الذات لدى طفل الغابة او الطفل المتوحد فإن مفهوم الذات لايتكون في غياب الاتصال والتفاعل الاجتماعي المستمر.

 

كان هذا عرضا شاملا لخصائص وسمات وسلوكيات الاطفال الذين يعانون من اعاقة التوحد والتي يمكن استخدامها كمؤشرات لتشخيص الاعاقة وقد قام كاتب المقال من تجميعها من العديد من تقارير البحوث ودراسات الحالة ومن استعراض عدد كبير من الافلام التي قان المختصون بانتاجها عن اطفال يعانون من هذة الاعاقة او من شرائط فيديو تزخر بها عيادات تقييم مراحل النمو او صورها اباء لابنائهم المعوقين ضمن فئة التوحد فضلا عن ما سجلة كاتب المقال شخصيا عن حالات التوحد التي قام بتشخيصها او اشرف على برامج التاهيل التي كان مسئولا عن تخطيطها لهم.

 

ولما كانت عملية تشخيص حالات إعاقة التوحد من العمليات المهنية الفنية العلمية المعقدة التي تحتم ان يقوم بها المتخصصون ذو الكفاءة والخبرة والتدريب الطويل وخاصة ان بعض هذة الاعراض يشترك فيها اكثر من نوع من انواع الاعاقة الاخرى كالتخلف العقلي واعاقات التعلم والفصام فإننا نرجو لفت نظر الاباء والامهات او بعض العاملين في مجال التاهيل الذين لاتتوفر لهم الخبرة والاعداد الكافي الى خطورة القيام بتشخيص هذة الحالات بل عليهم عند ملاحظة احد هذة الاعراض على احد الاطفال الذين يتعاملون معهم ان يقوموا بتحويلها الى العيادات المختصة او خبراء الطب النفسي او علم النفس الاكلينيكى الذين لديهم الكفاءة والخبرة الطويلة في تشخيص حالات التوحد فالواقع ان هناك الكثير من جوانب اعاقة التوحد الذي لم يصل العلم بعد للكشف عنها ولازال الكثير يعتبر سرا مغلقا وخاصة ما يتعلق منها بالعوامل المسببة ومادامت تلك العوامل يحيطها الغموض فإنة بالتالي يحيط الغموض بأكثر اساليب التاهيل والعلاج والوقاية فاعلية وإجابية ولعلنا نذكر كما أشرنا في مقالنا بالعدد السابق ان هذا النوع من انواع الاعاقة لم يكشف عنة الا حديثا بواسطة الباحث النفسي kanner سنة 1943 وأطلق علية أصطلاح autism ومع هذا لم يتم الاعتراف العلمي بهذا النوع من الاعاقة في الدوائر والدوريات العلمية بدليل عدم ظهورة في قاموس الامراض النفسية والعقلية لا في طبعتة الاولىDsm1 ولا الثانية D.S.m2 اللتان صدرتا في الستينات والسبعينات ولكنة ظهر في الطابعة الثالثة D.s.m.3 التي صدرت عام 1980 حيث تم ظهورة تحت قسم أضطرابات النمو السلوكية بأسم infantile autism ثم ظهر بعد ذلك في أصدار الطبعة الثالثة المعدلة D.s.m.3r التي صدرت عام 1986.

 

وتعتبر هذة الطابعة بعد التعديلات العلمية المتكررة التي ادخلت على هذا المرجع العلمي الوحيد في العالم الغربي لتشخيص جميع أعاقات النمو وكافة الامراض النفسية وانحرافات الشخصية ليستخدمة أخصائيو الامراض النفسية والعقلية.

 

وبالنسبة لحالات التوحد يشترط هذا المرجع وجود الاعراض الستة التالية لكي تشخص الحالة على أنها autism .

 

1-    ان يكون ظهور بوادر أعاقة التوحد قبل سن 30 شهرا بعد الولادة.

2-    غياب الاستجابة للمثيرات الاجتماعية.

3-    قصور لغوي تام او شديد

4-    إضطراب غير طبيعي في الكلام.

5-    اندماج الطفل في ممارسة بعض الحركات النمطية وتكرارها بأستمار لمدة طويلة من ان لاخر.

6-    يشترط ايضا الايكون من ضمن الاعراض صدور تخيلات او هلوسة التي تميز حالة الفصام.

ولابد من توفر هذة الشروط الستة كمحك أساسي يستخدم في تشخيص حالات التوحد تشخيصا سليما.

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية للابحاث
Hosted by www.Geocities.ws

1