|
لا ندّعي أننا نملك حلولاً سحرية، غير
أن ذلك لا يمنع من أن نبحث في هذه المشكلة ونحاول أن نسلط عليها بعض الأضواء
ونحللها، فإن الإحساس بوجود المشكلة، -أية مشكلة- هو الخطوة الأولى باتجاه
حلها، ويبقى الأمر متعلقاً بكل فرد على حده فهو الذي يقرر ما ينبغي فعله
بعدما توضحت الأسباب والنتائج لهذه الظاهرة ما دام كشف الأسباب الحقيقية لهذه
الظاهرة، إضافة إلى أن الكثير من الأبحاث أشارت إلى أن الفكرة السائدة
والقائلة بأن التلفزيون أحد وسائل التعليم هي فكرة غير صائبة، فقد بينت
الأبحاث أن الطفل وحتى سن المدرسة لا يتذكر الكثير مما يراه، وبالتالي لا
يشكل له ذلك زاداً معرفياً(10).
إذاً لا بد من الانتباه إلى عدم استنزاف وقت
الطفل مما يعوقه عن الدخول في تجربة القراءة وتعطيله عن واجباته الأساسية
وإيجاد حالة من التوازن بين التلفزيون الذي يحظى بسطوة كبيرة على الجيل وبين
الأسرة التي بدأ دورها يتراجع بوضوح لصالح هياكل جديدة.
وهذا يتطلب استراتيجية واضحة لإعادة الاعتبار
للأسرة ودورها الضروري في عملية التنشئة الاجتماعية. من أجل تحقيق ذلك لا بد
من العمل على جملة من الشروط قد تكون مفيدة:
1- إنشاء مجالس ولجان من الأخصائيين
الاجتماعيين والنفسانيين لمراقبة برامج القنوات التلفزيونية والسهر على
احترام ضوابط بث الأفلام وممارسة حق الرد والخضوع لمتطلبات الرأي العام
والابتعاد عن البرامج المرتجلة والعفوية.
2- صياغة منظومة قيمية تعبر عن وعي الأجيال
وضميرها وتبني ذاتيتها بناءً سليماً.
3- تحصين الأجيال ضد التأثيرات الخارجية
وبخاصة ضد التأثيرات السلبية التي تنعكس على تشكل الهوية الثقافية من خلال
التكامل الفعلي والإيجابي بين الأسرة والمدرسة والتلفزيون، وهي المؤسسات
المعنية مباشرة بشروط التنشئة الاجتماعية.
4- تفعيل دور المنظمات الشعبية والأهلية من
أجل الإعداد لبيئة تربوية وثقافية تتسم بالخبرات الفنية التي تنمي قدرات
الطفل النظرية والعلمية والوجدانية، فالحرمان الثقافي للطفل له آثار سلبية
على شخصيته؛ لذا لا بد من ضبط سلوك الطفل وانفعالاته وتعريفه بما هو ممنوع
عنه وما هو مرغوب به.
5- على الآباء مرافقة الأبناء إلى المسارح
والملاعب والمراكز الثقافية، وتشجيعهم على توجيه الطاقة الموجودة عند الطفل
إلى الحركة والانطلاق في الاتجاه الصحيح المفيد، كأن يقوم بالمساعدة في أعمال
البيت أو إنجاز أشياء مفيدة له وللأسرة، وهذا يكسب الطفل الشعور بالأهمية
وبالدور الذي يقوم به داخل هذا المجتمع الصغير، مما يمنحه احترام الذات
وتقديرها والثقة بالنفس، واللعب يفيد الطفل في بث روح الجماعة، وغرس معنى
الاجتماع والمشاركة الجماعية.
6- العمل على زيادة مساحة الأفلام والبرامج
التعليمية والعلمية المخصصة للأطفال. كما ينبغي أن نركز على معرفة أنفسنا
وتاريخنا ومقومات حضارتنا وأهدافنا، بل يجب علينا معرفة طبيعة عدونا المتربص
بنا.
7- زيادة إنتاج أفلام تلفزيونية مخصصة
للأطفال محلياً، تنسجم مع ثقافتنا وتعبر عن الاستراتيجيات التربوية المطروحة
على ساحتنا وتساعد على حماية الأطفال من التأثير الثقافي القادم من البلدان
الأجنبية(11).
8- التخفيف من ساعات المشاهدة الطويلة
نظراً لمنعكساتها السلبية على الصحة والذاكرة، فالأطفال الذين يقضون ساعات
طويلة في المشاهدة يعانون البدانة نتيجة لأكلهم كميات كبيرة من الأطعمة أو
الحلويات وعدم الحركة أثناء الجلوس الطويل(12)،
وبذلك يتعرض الفرد لأمراض الدم والسكري والروماتيزم والسمنة.
9- دراسة مضمون وخلفية البرامج
المستوردة وتحليلها واختيار ما هو مناسب منها، لقد ازداد تطور أجهزة وأدوات
وتقنيات قياس مشاهدة الشاشة الصغيرة، من دعاية وفيديو كليب، وتزايد الاعتراض
والتشكيك في فاعلية بعضها، وازدادت خشية البعض من خطرها على (تسليع) الثقافة
-أي تحويلها إلى سلعة-، لكن المردودية الاقتصادية والثقافية والإعلامية تعطي
شرعية لقياس المشاهدة ضمن أشكال الاهتمام بأنواع الحصص التلفزيونية، لذا يعد
قياس المشاهدة أداة أساسية ضمن الأدوات الأخرى التي تربط التلفزيون بالمجتمع
وتدفعه نحو الأفضل(13).
10- إجراء المزيد من البحوث والدراسات حول
أهمية التلفزيون ودوره في التأثير على الأجيال الصاعدة.
11- التشجيع على تنمية الحوار واحترام رأي
الأطفال والشباب وإفساح المجال أمام تصوراتهم والاهتمام بمقترحاتهم؛ حرصاً
على تكوين تصور عام ومتفهم للمرحلة القادمة، وإشراكهم في اتخاذ القرار.
إذاً ونتيجة لهذا كله لا بد من أن نحاول
العثور على حل للخروج من هذه الأزمة التي تتفاقم يوماً بعد يوم، أو أن نتدارك
الخطأ قبل أن يستفحل الخطر. لا بد من أن نقنن ساعات المشاهدة، وأن نكون
صارمين في ذلك، وأن نشغل الأطفال بأشياء مفيدة، وأن نغرس فيهم حب القراءة
والمطالعة، وأن نعيش معهم لذة المعرفة واكتشاف الجديد، وأن نثق بهم ونعتمد
عليهم بما يحسنون صنعه، ونمنحهم الفرصة للتعلم، وبذلك نمنحهم الثقة بأنفسهم
ونعلمهم الاعتماد على الذات، فيصبحوا بشراً صالحين لذويهم ولمجتمعاتهم. |