إضافات عن دارفور وأنبوب النفط العملاق!

بقلم: نصر شمالي

ينطبق على أعضاء الإدارة الأميركية في سعارهم اليوم قول أبي العلاء المعّري: تلوا باطلاً، وجلوا صارماً، وقالوا صدقنا! وللأسف هناك من يستجيب مردّداً: نعم، صدقتم! والأميركيون يميّزون بلا شك في درجة احتقارهم بين من يستجيب لباطلهم خوفاً وانصياعاً وبين من يستجيب انتهازية ونفاقاً! لكنهم بالتأكيد لا يحتقرون أولئك الذين يقولون: لا! بل لابد وأنهم يهابونهم، فالأميركيون يعرفون أن ما يتلونه باطل، وهم لم يعودوا يأبهون كثيراً لإضفاء المصداقية ولو الشكلية على ما يفعلونه، حيث غدا معيارهم هو النجاح والفشل بغض النظر عن الحق والباطل، يقدسون الكذب إن حقق النجاح ويزدرون بالصدق إن أدى إلى الفشل!

أحداث إقليم دارفور السوداني!

تعطينا الأحداث الراهنة في إقليم دارفور السوداني صورة نموذجية عن المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الأميركيون في مجافاتهم لأبسط مبادئ المنطق وفي استعدادهم لجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، فالإقليم مركز عريق من مراكز الترابط الأخوي بين العرب والأفارقة، وثّقت عراه ظلال الإسلام التي تضم بفيئها الجميع، فهو في السلم مركز التلاقي الخصيب المزدهر، وهو في الحرب ضدّ المستعمرين، وخاصة البريطانيين الأنكلوسكسون، جبهة الصمود العظيم والبطولات الرائعة، أما المشاكل  الأزلية فيه، الطبيعية، فأبرزها ذلك التناقض الأزلي الطبيعي بين مهنة الزراعة ومهنة الرعي، فهو إقليم زراعي رعوي، ولابد دائماً من وقوع تجاوزات عفوية أو مقصودة من مربي المواشي وقطعانهم على المزارعين ومزارعهم، وهذه المشكلة ليست وقفاً على السودان وحده، بل تعرفها معظم بلدان العالم، وقد عرفتها الولايات المتحدة بالذات، منذ تأسيسها وحتى الأمس القريب مع فارق جوهري هو أن الصراعات الضارية الدامية بين المزارعين والرعاة الأميركيين كانت بلا نهاية، لأنها تركت فعلياً وعن قصد بلا ضوابط، ليربحها الأقوى برجاله وأسلحته وماله، وهي لم تقتصر على المزارعين والرعاة، بل نشبت حرّة طليقة بين المزارعين الصغار والمزارعين الكبار، وبين أصحاب الأبقار وأصحاب الأغنام، وقد أخرجت هوليوود ما لا يحصى من الروايات السينمائية التي تؤرخ لتلك الصراعات والصدامات المبيدة لبلدات بأكملها، بسكانها ومزارعها وبيوتها، ولقطعان من المواشي جميعها برعاتها وأصحابها! أما في إقليم دارفور السوداني فإن المشكلة لم تبلغ في أي يوم من الأيام حدود ما بلغته في الولايات المتحدة، حتى في أزمنة الحرب وفي مواسم الجفاف الشديد، فكانت التجاوزات والاعتداءات، وما يترتب عليها أحياناً من حوادث قتل محدودة، تعالج روتينياً من قبل مجالس الشيوخ الحكماء، فيأخذ كل ذي حق حقه، وتنتهي المشكلة التي لابد وأن تتكرر، والتي ينظر الناس إليها ويتعاملون معها مثلما ينظرون إلى أفعال الطبيعة ويتعاملون معها، غير أن الأميركيين يصرّون على الانطلاق من هذا الأساس الواهي نحو عملية تمزيق السودان وإخضاعه، وهم وجدوا، للأسف الشديد، من اندفع للخدمة في ركابهم، ولمحاولة تغطية أهدافهم الحقيقية الكبرى!

في مهب الرياح الأميركية العاتية!

كما ذكرنا في مقالة سابقة، فإن أنبوب النفط الأميركي العملاق سوف ينطلق من منطقة الخليج العربي، فيعبر البحر الأحمر إلى إقليم دارفور، إلى تشاد فالنيجر فجنوب الجزائر، ثم مالي وموريتانيا، ليصب في المحيط الأطلسي حاملاً النفط العربي والأفريقي إلى حيث لا يوجد بين المصب والولايات المتحدة سوى مياه المحيط، أي لا عوائق جغرافية ولا سياسية ولا اجتماعية!

لقد وضع مشروع الأنبوب النفطي الأميركي، عابر القارات، مصير جميع البلدان الواقعة على طريقه في مهب الرياح الأميركية العاتية، وهذا هو السبب الرئيسي للاضطرابات التي يشهدها عدد من تلك البلدان وليس السودان وحده، وقد أرغمت مجموعة من الدول العربية والأفريقية على ما يسمى "التنسيق الأمني" مع واشنطن بحجة مكافحة الإرهاب، بينما الهدف الحقيقي هو إحداث تغييرات سياسية وبنيوية، وجغرافية إذا اقتضى الأمر ذلك، تتفق مع الاحتياجات الأمنية للأنبوب النفطي، ومن هذه الدول على سبيل المثال لا الحصر: تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا..الخ! إن "الإرهاب" الذي يزعمون محاربته هو كل نزعة استقلالية أياً كان مذهبها تعيق مشاريعهم، وأصحاب مشروع الأنبوب يحرصون، بالطبع، على الفصل التام بينه وبين الاضطرابات المميتة التي يجب أن تحدث ويجب أن تعطى لها أسباب محلية دينية أو عرقية أو سياسية، مع أن مثل هذه الأسباب في حقيقتها لا تصلح أبداً أساساً لتقويض الجذور التاريخية العميقة في البلدان المستهدفة، لكن الأميركيين يستلهمون تجربتهم التقويضية الإبادية الناجحة في القارة الأميركية ويحاولون تكرارها في قارات أخرى!

سايكس/بيكو في السودان!

إن حاجة المجمّع الأميركي الصناعي الحربي الملحة إلى طريق آمن يضمن له احتكار الجزء الأعظم والأجود والأرخص من احتياطي النفط العالمي تستدعي تدمير البلدان الواقعة على هذه الطريق، وتستدعي أيضاً محاصرة واستئصال أي وجود احتكاري آخر (مثل الفرنسي في أفريقيا) الأمر الذي يجعل الاضطرابات المسعورة أشدّ غموضاً ورهبة، وما يفعلونه اليوم ليس جديداً، فقد جرى تمزيق بلاد الشام بعد الحرب العالمية الأولى إلى أشلاء تقاسمها البريطانيون والفرنسيون، وكان السبب الرئيسي هو النفط وأنابيب النفط القادمة من منطقة الخليج والجزيرة إلى سواحل المتوسط الشرقية، ولم تكن اتفاقية سايكس/بيكو وتعديلاتها ومضاعفاتها الدولية والإقليمية سوى اتفاقية نفطية في جوهرها، وبعد الحرب العالمية الثانية كانت الاستقلالات الممسوخة لدويلات بلاد الشام من فعل الإنكليز والأميركان الذين اقتضت مشاريعهم النفطية إخراج الفرنسيين وإقامة دويلات ضعيفة لا تستطيع مقاومة مخططاتهم، وهذا عين ما يشير إليه واقعنا منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، وهاهم يحاولون اليوم تكرار تجربة سايكس/بيكو في السودان، حيث لن نجد أبداً قضية واضحة، قابلة للنقاش والمعالجة، في مواقف الأميركيين وفي تصرفات المتمردين في إقليم دارفور، بل إن الأمر نفسه ينطبق على ما يحدث في جنوب السودان، أما الذين وقفوا مع وحدة واستقلال السودان وتصدّوا للاضطرابات المريبة، فقد وصفوهم في دارفور بأنهم من الجنجويت (وليس الجنجويد) قطاع الطرق اللصوص، هؤلاء الذين ظهروا دائماً في هذا الإقليم الشاسع، ولا علاقة لهم بالذين يدافعون عن وحدة السودان واستقلاله، بل لعل الأميركيين يشجعون الجنجويت ويسلحونهم مثلما يشجعون ويسلحون قادة التمرّد!

لا خلاص أبداً إلا بالمقاومة!

إن الثابت تاريخياً هو أن الأميركيين لا يعطون أبداً أبداً، بل هم يأخذون دائماً ودائماً، فتركيبتهم تجعلهم كذلك وتمنعهم من أن يكونوا غير ذلك، وهكذا فلا خيار سوى المقاومة، أو الفناء من دون مقاومة، وقد أدرك الفلسطينيون ذلك قبل فوات الأوان، واستفاد العراقيون من التجربة الفلسطينية فسلكوا الطريق الوحيدة منذ اللحظة الأولى بلا أدنى تردّد أو تلكؤ، وهاهي مجمل مشاريع الأميركيين في المنطقة تعاني من التعثّر، ومن الخسائر المادية والبشرية، الأمر الذي يمكن أن يتحمله الأميركي لبعض الوقت ولكن ليس لوقت طويل مفتوح، ويحدث هذا التعثر وتقع هذه الخسائر بفضل الثبات الفلسطيني الأسطوري حقاً، وبفضل المقاومة العراقية التي أربكتهم وأذهلتهم حقاً، بينما فتحت في الوقت نفسه أعين العرب والمسلمين على الطريق الوحيدة للخلاص من نظام الربا والاحتكار العالمي.

Hosted by www.Geocities.ws

1