من أجل تسعة آلاف مليار دولار!
ما أن وضع الجنود الأميركيون والإنكليز أقدامهم على أرض العراق حتى أطلقت على أوائل معسكراتهم أسماء شركات النفط الأميركية والإنكليزية: معسكر شركة إيكسون ومعسكر شركة شل! ولابد أن الجنود فهموا عندئذ أن رؤساءهم كانوا يكذبون عندما قالوا أن الهدف من العمليات العسكرية هو تحرير الشعب العراقي من الاستبداد، وضمان سلامة وأمن العالم من أسلحة الدمار الشامل العراقية!
غير أن الإدارة الأنكلوأميركية مازالت تتحدث، وأكثر من ذي قبل، عن المهام الإنسانية التي دفعتها لاحتلال العراق، وفي الفترة الأخيرة تمادت إلى أبعد الحدود في محاولاتها إظهار الواقع على غير ما هو عليه، حيث دأبت على مدار الساعة في إشغال الناس بما أسمته عملية انتقال السلطة إلى العراقيين، وبفتح ملفات قصص الاستبداد، مغفلة الإشارة إلى أي من الدوافع والأهداف الحقيقية للاحتلال، وهذا ليس بالأمر الغريب ولا الجديد، حيث دأب أكلة لحوم البشر، في جميع المراحل، على قلب المشاهدات الإنسانية لفظائعهم رأساً على عقب، فالخداع والتآمر، والتخريب والجرائم، وجميع ما يخدم مصالحهم من أعمال شريرة، يعرض على الرأي العام العالمي بعد قلبه باعتباره أعمالاً إنسانية نبيلة!
الاحتلال مقرر قبل أكثر من عقد!
لقد كشفت مجلة "فورين أفيرز" الفصلية المتخصصة، منذ عام 1994، أن القوات الأميركية متواجدة في جميع أنحاء العالم لحماية السلام! أما هذا "السلام" فقد أوضح جانباً من طبيعته وزير الخارجية وارن كريستوفر، عندما صرح في العام نفسه، أثناء وجوده في منطقة الخليج العربي، بما يلي: "إن مطالبنا هي تسهيلات عسكرية لقواتنا سريعة الانتشار، ذات الكفاءة العالية والتقنية المتقدمة"! وأما لماذا "التسهيلات" التي لم يعلن عن هدفها حينئذ، فقد كانت لاحتلال العراق الذي كان خاضعاً للحصار المحكم منذ مطلع التسعينات!
في تلك الفترة (1994) كان الرئيس الأميركي بيل كلينتون يتجول في منطقة جنوب شرق آسيا، ويطرح على الحكام مطالب من النوع الذي طرحه كريستوفر في الخليج. وتؤكد الوثائق التي كشف النقاب عنها أن واشنطن أبلغت دول الخليج عن عملية نشر قوات برية وجوية وبحرية قوامها ثلاث فرق عسكرية، وخمسة عشر سرباً مقاتلاً، وحاملة طائرات، على أن تقوم دول الخليج بتمويلها، وأن واشنطن نجحت بالفعل في تشكيل صندوق لتمويل الوجود العسكري الإضافي الذي قدرت تكاليفه يومئذ بعشرة مليارات دولار! أما الهدف الذي لم يعلن عنه صراحة فقد عرفنا أخيراً أنه العراق الذي توجب علينا دفع تكاليف عملية احتلاله من أموالنا!
لقد ظل القول يتردد بأن لتلك المشاريع العسكرية الحربية أهدافها الإنسانية والأمنية، لكن روبرت بيللترو مساعد وزير الخارجية الأميركي أشار بوضوح إلى أهداف أخرى، ففي اجتماع للجنة التعاون المشترك بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي، عقد في أرلنجتون بولاية فيرجينيا، قال بللترو أن الأهداف الأميركية في الخليج متعددة: هناك الأهمية المتزايدة للشراكة الاقتصادية مع دول الخليج، وهناك المصالح القوية للشركات الأميركية التي تتولى إقامة الصناعات والبنية الأساسية، وهناك حماية الأصدقاء، وحماية المصالح الحيوية، والتأكيد على أن الولايات المتحدة مستعدة للتصرف بحزم عند اللزوم!
غير أن تصريحات مستشار الرئيس الأميركي الأسبق ريغان كانت أوضح في هذا السياق، حيث أعلن ما يلي: "إن منطقة الشرق الأوسط، بما فيها الخليج، هي من المناطق التي يطلق عليها وصف "المنطقة المفتاح"، أي أنها أساسية في السياسة الخارجية الأميركية، لأسباب لا تخفى على أحد، ولذلك فإن واشنطن على استعداد لتوجيه الضربات ولخلع أي نظام يقف في وجه مصالحها"!
احتياطيات العراق من النفط!
من غير المعقول أن يستخف الأنكلوأميركان بعقول الناس وبذاكرتهم الجمعية إلى هذا الحد، ولكن من غير المعقول أيضاً أن يساهم بعضنا، بحسن نية أو بسوء نية، في عملية الاستخفاف هذه، وفي محاولة إبعاد اهتمام أمتنا إلى شؤون لا تستحق الذكر قياساً بالأخطار العظمى الأنكلوأميركية الصهيونية، فاحتلال العراق مقرر منذ سنوات طويلة، حتى لو كانت حكومته موالية وديمقراطية، ولعل تعاظم معاناته الداخلية لم يكن في أحد أهم أسبابه سوى نتيجة للنوايا المبيتة مسبقاً ضده، والتي كان الإعداد لتنفيذها يفعل فعله السلبي في الداخل العراقي، ناهيكم عن حماقات الحكام وأخطائهم وسوء تقديراتهم وارتكاباتهم!
إن التقديرات تقول بأن احتياطيات العراق من النفط هي في حدود 110 مليارات برميل، أي أنها تحتل المرتبة الثانية في العالم بعد الاحتياطيات السعودية، غير أن هناك من يؤكد احتمال أن يحتوي باطن الأرض العراقية على 200 مليار برميل أخرى إضافة إلى الرقم السابق وأن الطاقة الإنتاجية يمكن أن ترتفع إلى 10.5 مليون برميل يومياً، الأمر الذي يجعل النفط العراقي مستقبلاً نقطة الارتكاز في السوق النفطية الدولية!
وجدير بالذكر أن حقول النفط المكتشفة في العراق هي في حدود 80 حقلاً، لم يتم تطوير وتشغيل سوى 21 منها، علماً أن 70% من الإنتاج يتم استخراجه من ثلاثة حقول فقط! وجدير بالذكر أيضاً أن تكلفة إنتاج البرميل الواحد في العراق هي أقل من دولار واحد (مثل نفط الخليج عموماً) بينما تكلفة البرميل، في بحر الشمال مثلاً، تتجاوز 18 دولاراً!
الشركاء يصبحون خدماً، والخدم عبيداً!
إن الشركاء في حلف الأطلسي، وفي مجلس الأمن الدولي، يجأرون بالشكوى من أنانية الأنكلوأميركان الذين لا يتركون لهم سوى الفتات! وقد سمعنا الرئيس الفرنسي شيراك وهو يحتج غاضباً: "إننا شركاء ولسنا خدماً"! ويعتقد الأوروبيون أن تشكيل حكومة عراقية، يتم اختيار أعضائها في واشنطن ولندن، سو يجعل الشركات الأميركية والبريطانية تجني أرباحاً تصل إلى تسعة آلاف مليار دولار خلال الخمسين سنة القادمة، من النفط العراقي فقط!
وهكذا فليس مستغرباً أن الرئيس بوش أصدر بتاريخ 28 أيار/مايو 2003 أمراً يحمل الرقم 13303، يكفل للشركات الأميركية والبريطانية الحصانة التامة بخصوص أي عمل يقومون به في العراق! لقد وضع النفط العراقي، من الناحية الشكلية، تحت سلطة "اللجنة الدولية للاستشارة والتوجيه"، غير أن هذه اللجنة مسيطر عليها مباشرة من قبل الإدارة الأميركية المكونة من تجار النفط والسلاح!
لقد استشرى الفساد ضارباً في النخاع الشوكي لهذا النظام الربوي العالمي، وبينما هو ينكفئ أكثر فأكثر، محولاً الشركاء الأوروبيين واليابانيين إلى خدم، فإنه في الوقت نفسه يحول الخدم في جنوبي العالم إلى عبيد تقمع مقاومتهم باعتبارهم عبيداً آبقين، كما نرى في معتقل غوانتنامو وفي معتقلات العراق! غير أن هنالك "بين انتصارات النظام العالمي الاحتكاري في ميدان الإنتاج وبين قرب هذا النظام من الدمار الذاتي ما يستدعي العجب" كما يقول المفكر البريطاني نايجل هاريس!
www.snur1.com/375h