رونالد ريغان من يستحق لقب الكيماوي !
كان الرئيس الأميركي يعرف أنه لا يقول الحقيقة حين أعلن أمام الهيئة العامة للأمم المتحدة، في أيلول/ سبتمبر 2002، أن العراق يمتلك ويصنّع أسلحة نووية ينوي استخدامها ضدّ الشعب الأميركي! بل هو تمادى في عرض القصة الملفقة عندما راح يكرر خلال الأشهر التالية أن النظام العراقي قادر على إنتاج أو سرقة كمية من اليورانيوم المخصّب (في حجم كرة البيسبول) كي يمتلك أسلحة نووية! وبما أن الأفضل إظهار النظام العراقي سارقاً ، فقد ألمحت الإدارة الأميركية أنه حصل على كمية اليورانيوم البيسبولية من النيجر بطرق ملتوية! وهكذا سارع وفد أميركي استخباراتي إلى النيجر، برئاسة الدبلوماسي المخضرم جوزيف ويلسون، للتأكد من المعلومات التي سرّبتها الإدارة البريطانية حول حصول العراق على هذا النوع من المواد، وبعد البحث الدقيق أعلن ويلسون أن هذه المزاعم لا أساس لها من الصحة! ولعل حكومة النيجر رفضت التواطؤ في إضفاء طابع الحقيقة على الكذبة الأميركية البريطانية الكبرى. أما العراق فكان قد أوقف نهائياً، في الواقع، كل نشاط نووي، وتخلص من كل ما لديه من أسلحة ومواد كيماوية.. أميركية!
كذبة مونيكا أم كذبة العراق؟!
يقول الكاتب والمخرج الأميركي الشهير مايكل مور أنه ليس أفظع من القول للشعب أن هناك من يمتلك ويصنّع أسلحة نووية ينوي استخدامها ضدّ الشعب الأميركي، إذ يكفي أن يستخدم الرئيس مثل هذه الكلمات السحرية حتى تتفجرّ العواطف الشعبية مثل قنبلة، معبّرة عن نفسها من خلال استطلاعات الرأي! وهذا الذي يقوله مور مفهوم تماماً، حيث عقدة الذنب والرعب الأميركية الأبدية التي تشكلت بسبب تأسيس الولايات المتحدة على أنقاض الإبادات الجماعية، ضدّ الهنود الحمر والفيلبينيين واليابانيين والفيتناميين والفلسطينيين، والعراقيين أخيراً! يقول مور أن هذا الكاذب (الرئيس بوش) دفع الملايين من أبناء شعبه للتصديق أن حياتهم باتت في خطر، بينما حقيقة الأمر هي أن ما فعله ضدّ العراق يتعلق بتصفية حسابات خاصة وبتأمين مصالح خاصة! وعندما بدأت الأكاذيب تنكشف شيئاً فشيئاً – حسب مور – كانت الإدانة قد أصبحت أمراً واقعاً كأنما هي تنهض على حقائق قاطعة! وفي شهر تموز/ يوليو 2003، بعد احتلال العراق، صرّح رئيس بعثة تقصي الحقيقة في النيجر جوزيف ويلسون أن ما حدث هو أن الحكومة الأميركية قامت بالتواطؤ مع بعض الدول المهمة بتبرير احتلالها للعراق. لقد بات من المؤكد أن ملفات النيجر كانت ملفقة!
يتساءل مايكل مور: أيهما الكذبة الأخطر التي يمكن أن يطلقها رئيس الولايات المتحدة؟ هل هي نفي كلينتون لأية علاقة جنسية مع مونيكا، أم تأكيد بوش أن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل وأنه يهدد الولايات المتحدة وحلفاءها؟! ثم يضيف أن الكذبة الأولى جعلت كلينتون يمثل أمام لجنة تحقيق ويتعرض للمساءلة، على الأقل من الناحية الشكلية، أما الكذبة الأخطر التي أطلقها بوش فقد سمحت لصاحبها بشن الحرب التي كان عازماً على شنّها مسبقاً منذ سنوات، وأتاحت له ولأصدقائه القيام بعملياته (المالية والسياسية) المريبة!
تاريخ الكذب الرئاسي الأميركي!
إن لرؤساء الولايات المتحدة تاريخاً من الكذب يتواصل على مدى قرنين من الزمان كما يؤكد مايكل مور. إنه يستعرض في كتابه الأخير أكاذيبهم بشأن إبادة الهنود الحمر، وحرب كوريا وفيتنام المدمرة الشاملة، وبشأن المناداة بالمساواة بين الناس منذ العهود الأميركية الأولى بينما هم يحتفظون بالعبيد في مزارعهم وداخل قصورهم. وبالمناسبة، كان الرئيس الأول جورج واشنطن من كبار ملاّكي العبيد، وكان يجلدهم بالسياط بيده "لأنهم كسالى ولصوص" حسب قوله! كان يجدهم كسالى لأنهم لا يعملون أربعاً وعشرين ساعة متواصلة، ويجلدهم كلصوص لأنهم كانوا جوعى يأخذون أحياناً من ممتلكاته الغذائية التي ينتجونها بعرقهم ودمائهم ما يسدّ رمقهم! وهو كان يقتل كلابهم لأنها –حسب قوله – تسرق لهم الطعام! كذلك كان جورج واشنطن يريدهم أن يتوالدوا بكثرة (كالأنعام!) كي تزداد ثروته من العبيد، وفي الوقت نفسه كان لا يصدق المرأة الرقيق عندما تظهر عليها عوارض الحمل المبكرة وتقصّر في العمل، ويرغمها بالسوط على مواصلة الكدح حتى يتضح حملها بجلاء! واليوم، يقول مور، أن الرؤساء الأميركيين ما زالوا يمارسون أفظع أنواع الكذب، واستغلال مشاعر الناس البسطاء، من حزن وقلق، وإقناع الملايين من الآباء والأمهات الأبرياء بإرسال أولادهم إلى جبهات بعيدة ليقاتلوا ويقتلوا في حروب لا مبرر (وطني) لها، وهكذا فإن هذا الكاذب (الرئيس بوش الإبن) صنع تهديدات خيالية، وهمية، لإقناع الملايين من شعبه أن حياتهم باتت في خطر نتيجة هجوم نووي عراقي!
الأميركي الكيماوي، والاحتواء المزدوج!
يقول مور أنه إذا كانت قد دخلت العراق أسلحة كيماوية في وقت ما، وخاصة في فترة الحرب العراقية الإيرانية، فالحقيقة هي أن تلك الأسلحة والمواد السامة كان مصدرها الولايات المتحدة، وهناك قائمة بالمواد الكيماوية التي باعتها الشركات الأميركية للعراق في الفترة ما بين العامين 1985-1990، وهذه القائمة يتضمنها تقرير مجلس الشيوخ الذي نشر في العام 1994، وقد سرد مايكل مور في كتابه محتويات تلك القائمة بالتفصيل، وهكذا فإذا كان هناك من يستحق لقب "كيماوي" فهو الرئيس الأميركي وكل من شركائه في الإدارة الحكومية وفي ميدان المال والأعمال، أما العراق، وبغض النظر عن الخطأ والصواب، فقد كان يخوض حرباً هائلة يريد أن يربحها بالطبع، وقد وجد الأميركيون في تلك الحرب فرصة نادرة لإتلاف كل من العراق وإيران، فأمدوا الطرفين بالأسلحة والمعلومات تحت عنوان "سياسة الاحتواء المزدوج"، وحصدوا لقاء توريداتهم مليارات الدولارات!
لقد قامت الولايات المتحدة بإمداد لعراق بمواد بيولوجية بناء على موافقة الرئيس رونالد ريغان ونائبه جورج بوش الأب، وتمّ ذلك عن طريق عدة شركات أميركية: كالتيركولكس، ألكولاك أنترناشيونال، ناتريكس- تشرشل كورب، سوليركورب، بورإير، جورمان راب.. وغيرها عرضها مور في كتابه وعرض ما قدمته من تجهيزات مختلفة!
رونالد ريغان وجورج بوش الأب !
كان البيت الأبيض، في عهد الرئيس ريغان ونائبه بوش الأب، ومعه النظام الرسمي العربي في معظمه تقريباً، حريصاً على مساندة العراق ضدّ إيران، لكنه بالتأكيد كان حريصاً أكثر على أن لا يربح الحرب أي من الشعبين الجارين المسلمين! وقد وقّع الرئيس ريغان على إنشاء إدارة متخصصة بتلك الحرب تحمل اسم "ناشيونال سكورتي كاونسل" برئاسة هاورد تايشر، وقام تجار العمولة الذين يعملون لحساب ريغان بتسريب الأسلحة إلى العراق، (وإلى إيران أيضاً) عن طريق مسارات ودوائر يصعب كشفها، وذلك حسب الشهادة الرسمية التي قدمها هاورد تايشر في ما بعد، وكما أوردها مايكل مور! لقد كان لنائب الرئيس ريغان، بوش الأب، دوراً ميدانياً في تلك الحرب المحزنة، وكان يتردّد على المنطقة بناء على ذلك، وإذا كانت قد وقعت جرائم حرب فهو ورئيسه كانا مسؤولين بالدرجة الأولى، فحكومة ريغان لم تشعر للحظة واحدة بوخز الضمير تجاه مآسي تلك الحرب التي كانت تؤججها بالعتاد وبالتحريض، وما كان ممكناً أبداً أن تفعل العكس، لأن ذلك يتعارض مع مصالح شركاتها التي لم تكن مكتفية بتوريداتها بل تتطلع إلى ما بعد الحرب وإلى مرحلة إعادة البناء في كل من العراق وإيران، وإلى أرقام الأرباح الفلكية التي سوف تجنيها! يقول مور: نعم، أسلحة دمار شامل قامت الإدارة الأميركية بتحصيل فواتيرها، وبجني أرباحها الطائلة التي ضخمت الحسابات المصرفية لكل من الرئيس رونالد ريغان ونائبه جورج بوش الأب!