قصة الثورة الملعونة والنفط المسروق!

بقلم: نصر شمالي

في عالم يعتبره المرابون الاحتكاريون مجرّد شركة استثمارية، يديرونها لصالحهم وعلى هواهم، يتساوى المظلومون خصوم الشركة الربوية الأنكلوسكسونية في نظر الظالمين، سواء أكانوا تقدميين أم محافظين، مسلمين أم مسيحيين، وسواء أكانوا عرباً أم غير عرب! لقد رأينا بوضوح تام كيف كان الخصم الذي يستحق الإبادة في البلقان صربياً مسيحياً أرثوذكسياً، وفي فنزويلا لاتينياً كاثوليكياً، وفي العراق وفلسطين عربياً مسلماً! وعندما كان الاتحاد السوفييتي قائماً اعتبر العرب والمسلمين حلفاء للمرابين من الدرجة الأولى، واعتمد عليهم في الحرب الأفغانية ضدّ السوفييت، بل وفي تمويل العمليات السياسية ضدّ أحزاب أوروبا الغربية غير المرغوب وصولها إلى الحكم، ولكن ما كاد الاتحاد السوفييتي يزول من الوجود كدولة شيوعية ملحدة، كانت هي العدو الأول لشركتهم العالمية، حتى جعلوا، بكل بساطة، من العرب والمسلمين والعروبة والإسلام عدوّهم الأول!

يقول أرنولد توينبي في كتابه "الحضارة في الميزان" ما يلي:

- " منذ قرون طويلة كان أسلافنا يرون في الإسلام خطراً مخيفاً يتهدّدهم، وذلك قبل أن يسمع الناس بالشيوعية. ففي القرن السادس عشر كان الإسلام يبعث في قلوب الغربيين من الهوس ما تبعثه الشيوعية في القرن العشرين. وهذا يرجع في جوهره إلى أسباب واحدة، ذلك أن الإسلام اعتبر مثل الشيوعية حركة مناهضة للغربيين، وبدعة دينية مخالفة لديانات الغربيين، وفي الوقت نفسه اعتبر الإسلام، مثل الشيوعية، سلاحاً لا يمكن مقاومته بالأسلحة المادية"!

لقد أشار توينبي إلى القرن السادس عشر، حين كانت الشركة العالمية الربوية الاحتكارية في طور التأسيس، فاعتبر الإسلام في حينه مثلما اعتبرت الشيوعية لاحقاً، خطراً على الشركة يستحق الحرب المفتوحة!

ثورة الرعاع الملعونة الملحدة!

في ما بعد، كان فرع تجارة النفط هو الفرع القائد الذي وجه جهودهم العدوانية ضدّ ثورة عام 1917 الروسية، وهذا الفرع هو الذي يوجه جهودهم الحربية اليوم ضدّ العرب والمسلمين، خاصة في العراق وفلسطين.

في عام 1919 كان العالم مدمراً وملطخاً بالدماء بسبب تلك الحرب العالمية الأولى التي نشبت بين أطراف شركة الربا الدولي نتيجة تسابقها للاستيلاء على المستعمرات وعلى حقول النفط. كانت بعض تلك الأطراف تفرك أيديها حبوراً وغبطة لأن صناديقها امتلأت بالأرباح الخيالية التي جنتها بفضل الحرب. لقد كانوا ينظرون إلى هلاك البشرية باعتباره عادياً، ويرون الأمور تسير على أفضل ما يرام وهم يتابعون إيقاع المعارك الرهيبة على جميع الجبهات! ولكن الحرب ساعدت على انتصار الثورة الروسية أيضاً، غير أن ذلك لم يعكر صفو المرابين ولم يشوّش نظرتهم المتفائلة إلى المستقبل، فالعالم شركة في قبضتهم، والأحداث الروسية مجرّد ثورة ملعونة نفذها الرعاع والملحدون، وهي لا تتعدى مشكلة طارئة سرعان ما يتغلبون عليها ويتجاوزونها! وهكذا استمرت جيوش الدول الاستعمارية تخبّ في أطراف القيصرية الروسية المدمّرة لمساعدة المتمرّدين ضدّ الثورة، وواصل المرابون تسابقهم من أجل الاستيلاء على حقول النفط الروسية، متطلعين بكل جدّية ووقار إلى تلك الحقول باعتبارها ثمرة كبرى من ثمار الحرب يستحقونها عن جدارة!

لقد كان سلوك الاحتكاريين المرابين يستدعي الدهشة حقاً، فهل يعقل أن تصل بلادتهم الذهنية إلى هذا الحدّ فلا يساورهم أي قلق جدّي حول مستقبل تلك الحقول؟ لقد اندفع البريطانيون والأميركيون، واليابانيون أيضاً، يدعمون الحكومات المتمردة ضدّ الثورة الروسية، وهي حكومات راحت ترتجل هنا وهناك بسرعة وتزول بالسرعة نفسها، في مقاطعات القوقاز وأرمينيا وأذربيجان!

من يملك البترول يملك السيطرة!

كانت الإدارة الأميركية حينئذ تنظر بتشاؤم إلى حالة النفط في بلادها، حيث تنبأ المعهد الأميركي للبترول بأن الاحتياطي الروسي أكبر من الاحتياطي الأميركي، وأن الولايات المتحدة ستكون في عام 1930 بحاجة إلى البترول الروسي وإلى البترول الفارسي! وكان هنري برنجر، مفوض فرنسا العام لشؤون البترول، قد دوّن في مذكرة رفعها إلى رئيس الوزراء كليمنصو مايلي:" إن من يملك البترول يملك السيطرة"!

من جهة أخرى كان البريطانيون، الذين انتقلوا بسرعة من بغداد إلى باكو واحتلوها في آب عام 1918، قد شرعوا في إعادة الحياة إلى صناعة النفط في باكو، ومنحوا تأييدهم بلا حدود للروس المناهضين للثورة، على أمل إنشاء دولة قوقازية تابعة لهم. وقد انسحبوا عسكرياً من باكو تاركين الفيلق البريطاني البحري في قزوين تحت تصرّف حليفهم الجنرال الروسي دينيكين!

 لكن ستاندرد أويل الأميركية كانت تنظر إلى الموقف من زاوية أخرى، فهي طمعت أولاً بالاستيلاء على نفط باكو، وهي أرادت ثانياً قيام حكومات محلية ضعيفة في القوقاز موالية لها وليس للبريطانيين! لقد راحوا يبيعون ويشترون في جلد الدب قبل صيده، وهاهو الجيش الأحمر يجتاح باكو في حزيران 1920، وهاهم البريطانيون يخلون ميناء باطوم البترولي بسبب ذلك الاجتياح، وفي العام التالي وصلت جيوش الثورة الروسية إلى جورجيا!

أمنيات وقصص غاية في الطرافة!

لم تستتب الأوضاع دفعة واحدة لصالح الثورة الروسية في جميع المناطق، الأمر الذي جعل الأميركيين والبريطانيين يكتبون في صحفهم (حتى عام 1924) أن الذين يقاومون الثورة يتمتعون بتأييد ومساندة شركات النفط الأميركية والإنكليزية! لقد كانت تلك أمنيات مخالفة للواقع، لكن الأمور لم تقتصر على مجرّد الأمنيات، بل حدثت قصص في غاية الطرافة، تتضمن معان هامة ومفيدة لفهم ما يحدث اليوم في العراق وفي منطقتنا عموماً.

كان آل نوبل – مثلاً – الذين استقروا في بولونيا بعد أن فقدوا ممتلكاتهم الروسية، ينتظرون انهيار النظام الروسي الجديد بين يوم وآخر وليس بين شهر وآخر، وقد راحوا يطالبون الحكومة الاشتراكية – بمنتهى الجدية – بنصف الإنتاج الروسي متعامين عن رؤية مرسوم تأميم صناعة النفط الذي جاء بين الإجراءات الأولى التي اتخذتها حكومة الثورة الروسية! والغريب أن الأميركيين اشتروا من آل نوبل (عام 1920) كمية من كيروسين باكو، لكن الجيش الأحمر وصل بعد إبرام الصفقة مباشرة إلى تلك الناحية من القوقاز وحولها إلى مجرّد حبر على ورق، ومع ذلك استمرت الشركة الأميركية في التفاوض مع آل نوبل، ودفعت لهم نصف مليون دولار مقدماً، إلى حين سقوط الثورة الذي اعتبروه متوقعاً في كل يوم! بل إن وزارة الخارجية الأميركية أوعزت برفع الحواجز الجمركية الموضوعة ضد روسيا في الحال، وذلك تسهيلاً لتنفيذ تلك الصفقات، بعد الإعلان عن قيام تحالف بين شركة ستاندرد وشركة نوبل. وبمنتهى الثقة والجدية أخفيت ملكية الأميركان الجديدة تحت اسم إحدى الشركات السويسرية، وذلك إمعاناً في تضليل الشركات والحكومات الأوروبية الأخرى المتربصة! وبلغت اللعبة الطريفة ذروتها في صفقة العمر التي أبرمتها ستاندرد أويل الأميركية مع آل نوبل، ودفعت لهم بموجبها 11.5 مليون دولار مقابل حصتها في نصف الشركة الجديدة، وهي حصة تشكل ربع النفط الروسي بمجمله. لقد تمّ كل شيء، فوقعوا العقود، ودفعوا الأموال، ولم يبق سوى مشكلة بسيطة وصغيرة جداً، كانت القناعة بالتغلب عليها راسخة، وهي الثورة الملعونة التي يتوقعون سقوطها بين لحظة وأخرى!

التفاوض سراً مع الثوار الملاعين!

على الجبهة الأخرى لم يفت شركة رويال دوتش الهولندية البريطانية، التي تمتلك استثمارات ضخمة في حقول باكو، شيئاً مما يجري بين الأميركيين والسويديين، فقررت التحرك على طريقتها وهي التي اشترت استثماراتها الضخمة من آل روتشيلد الذين كانوا شركاء لآل نوبل. لقد تحركت رويال دوتش على جبهتين: على جبهتها باعتبارها مالكة سابقة لها حقوق المالك، وعلى جبهة ثانية جديدة ومذهلة حقاً وهي التفاوض مع .. البلاشفة! أي الاتصال بالثوار الملاعين، الملحدين، الرعاع، اللصوص.. الخ، والتعامل معهم وهم الذين سيسقطون بين يوم وآخر! وقد علمت ستاندرد الأميركية بالذي تفعله رويال دوتش البريطانية الهولندية، وتنبهت لخطورة اللعبة التي تعني بداهة الاعتراف بسيادة الحكومة السوفييتية على النفط الروسي، الأمر الذي سيجعل صفقتها مع آل نوبل لا تساوي بنساً واحداً، وإذا بوزارة الخارجية الأميركية، خادمة المرابين والنفطيين منهم خاصة، تتدخل معلنة أنها لن توافق، أبداً أبداً، على أية اتفاقية تعقد مع السوفييت الذين "يتحكمون بصفة مؤقتة"! أما ستاندرد أويل فقد أضافت إلى كلام وزير الخارجية الأميركي اقتراحاً بتشكيل جبهة موحدة من الشركات ضدّ السوفييت! ولكن (لاحظوا جيداً ) في تلك الفترة بالذات اجتمع مندوب ستاندرد أويل الأميركي إلى البلاشفة الملاعين الملحدين وتباحث معهم – سراً – في سبل التعاون النفطي مستقبلاً! لقد كانت كل واحدة من الشركات الربوية النفطية تخشى أن تعقد الأخرى اتفاقاً مع السوفييت من وراء ظهرها! كانوا يتبادلون الاتهامات المريرة بخصوص الاتفاق سراً مع الثوار الملاعين، ويركزون في أجهزة إعلامهم على خبث السوفييت الذين سرقوا النفط واستباحوا قدسية الملكية الفردية، بينما كانت كل شركة، في اللحظة ذاتها، تفعل سراً ما تحذّر الشركات الأخرى علناً من فعله!

شراء وبيع النفط المسروق!

كان آل نوبل يدعون باستماتة إلى مقاطعة النفط السوفييتي، وفي عام 1923 ألحوا على ذلك كثيراً، لإرغام الروس على الركوع وعلى دفع تعويضات المالكين السابقين، وكانت دعوتهم العلنية تبدو " أخلاقية " ومفهومة وتحظى بالتأييد والموافقة من قبل جميع الشركات الاحتكارية، لكنهم في العام نفسه، وفي الوقت نفسه بالضبط، كانوا يفاوضون السوفييت سراً لشراء 150 – 200 ألف طن من الكيروسين الروسي المسروق من قبل حكومة الرعاع، وهم اشتروا سّراً بالفعل، وباعوا بكل طيبة خاطر نصف الكمية إلى ستاندرد أويل الأميركية التي لم تتردد لحظة واحدة في استلام الكمية سراً! وأخيراً توصل مؤرخ شركة ستاندرد أويل الأميركية إلى النتيجة التالية:" إن الغلطة الأساسية التي وقع فيها قادة صناعة البترول العالمية تكمن بفشلهم في تقدير مدى ضخامة القوى الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية التي كانوا يسعون إلى محاصرتها "!

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومة السوفييتية لم تكن قادرة على تسويق نفطها الفائض عن حاجتها بحريتها، وهو كميات كبيرة، على الرغم من حاجتها الماسة إلى عائداته، لأن أسواق الاستهلاك العالمية تقع جميعها في نطاق السيطرة المباشرة وغير المباشرة للاحتكار الربوي الدولي، ولأن الشركات الربوية هي وحدها القادرة على التسويق، فالتسويق عملية ضخمة جداً، وهي في حد ذاتها الركن الأول من أركان النظام العالمي، ولا تزال كذلك حتى يومنا هذا. لقد راودت الأميركيين حينئذ بعض الأفكار السوداء حول ما إذا كان السوفييت سينجحون بتسويق نفطهم في أوروبا، وبالتالي بمزاحمتهم عن طريق خفض الأسعار، ولعل هذه الهواجس كانت وراء مساعيهم الحثيثة للاتفاق سراً مع الحكومة السوفييتية، ولكن سرعان ما ثبت أن هواجسهم لم تكن في محلها، لأن التجارة الخارجية بالصادرات النفطية كانت قد اعتبرت مسألة ثانوية في السياسة السوفييتية، ولأن اهتمام السوفييت الكبير تركّز على برامج التنمية والخطط الخمسية الطموحة التي حققت فعلاً نمواً سريعاً في طلبات السوق المحلية من النفط!

فهم الدروس واستخلاص العبر!

ألا يتوجب علينا التدقيق في تفاصيل ما عرضناه، وفهم الدروس واستخلاص العبر، بينما نحن نواجه هذا الوحش النفطي في بلادنا عموماً وفي العراق خصوصاً؟ إن إحساسنا بالعار و الصغار قاسياً مؤلماً ونحن نرى بعضنا يتجاهل الحقائق الأساسية في المعركة التاريخية الضخمة التي تدور على أرض العراق، ويشغل أهله بالقشور عن الجوهر! إن أجهزة الإعلام تعرضنا ونحن نشرح للمبعوثين الأجانب، خدم الشركات الربوية، معاناة أمتنا مع الشركات وحكوماتها، ومع قواعدها في المنطقة، وخاصة القاعدة الصهيونية، بينما المبعوثون المهندمون يهزون رؤوسهم متظاهرين بالفهم، يحملقون ويفركون أيديهم ويردّدون جملاً لا معنى لها، فأية مهزلة مأساوية هذه؟

غير أن المقاومة الجدّية انطلقت في فلسطين والعراق، غير آبهة لإملاءات المبعوثين، ولا متأثرة بما تردّده أجهزة الإعلام التي هي بدورها شركات احتكارية عالمية، فالأمة التي تطورت بنيتها الداخلية هضمت دروس الماضي واستخلصت العبر الضرورية، وبدأت بالنهوض جبهة عالمية تجسّد إرادة الإنسان في كل مكان، ولعل المقاومة مستمرة حتى استرداد الأمة حقوقها ومكانتها، وحتى تحكم العالم علاقات دولية جديدة عادلة!

 

Hosted by www.Geocities.ws

1