أيهما الثابت قطعاً: الهولوكوست اليهودي أم العربي؟!

بقلم: نصر شمالي

الهولوكست هو المحرقة، أو غرف الغاز الألمانية النازية، التي يقول الصهاينة أن ملايين اليهود كانوا ضحاياها خلال الحرب العالمية الثانية. ويدور جدل واسع حول هذه الواقعة، بين مؤكد لها وبين مشكك في حقيقتها جزئياً أو كلياً، فيقول المؤكدون أنها كانت عملية تطهير عرقي تمت بقرار اتخذه الفوهرر وحكومته، ويقول المشككون أنها مجرد دعاية من دعايات الحرب فرضها الحلفاء المنتصرون كحقيقة تخدم مصالحهم. وفي التفاصيل يقول المؤكدون أن الضحايا بالملايين، وأنهم أعدموا بواسطة غرف الغاز، بينما يقول المشككون أن الضحايا بمئات الألوف، بل أقل، وأنهم قتلوا وماتوا مثل غيرهم لأسباب حربية محضة، أي لأنهم كانوا مع الحلفاء كعسكريين أو كمدنيين، وأن وجود غرف الغاز التي يتحدث عنها الصهاينة مستحيل لأسباب تقانية وعملية لا تسمح أبداً بوجودها!

ومع أن الصهاينة لم يقدّموا على الإطلاق أي دليل ملموس يؤكد وجود غرف الغاز النازية، ومع أنه لم يتقدم أي شاهد، يهودي أو غير يهودي، ويقدم إثباتات قاطعة حول ما حدث، فإن القصة اعتبرت حقيقة لا تقبل التشكيك، يقع إنكارها تحت طائلة العقوبات المباشرة وغير المباشرة، بعد أن قال المنتصرون في الحرب أنها حدثت، وأرغموا بعض الأسرى الألمان على سردها، وبناء على ذلك تدفقت على الصهاينة التعويضات والهبات الخرافية، وأرغم الفلسطينيون على إخلاء وطنهم لليهود كي يقيموا "دولتهم" من دون أن يأبه المنتصرون أنهم دشنوا بذلك عين ما أدانوه، وأنهم أسسوا هولوكستاً مفتوحاً للعرب الفلسطينيين، فعالجوا ظلامة بظلامة أشدّ بما لا يقاس، اللهم إلا إذا كانوا لا يعتبرون العرب بشراً ويرونهم لا يستحقون الحياة مثل اليهود!

الهولوكست المفتوح للعرب والمسلمين!

منذ عام 1917 وحتى اليوم، لم يترك الأنجلوسكسون للعرب والمسلمين أي خيار إنساني منطقي في تنظيم حياتهم سوى الشتات أو العبودية أو الموت، ولم يتركوا لهم فرصة لخوض معركة متكافئة من النوع المتعارف عليه، وعندما لجأوا مرغمين إلى أساليب المواجهة غير المتعارف عليها (مثل العمليات الاستشهادية) للدفاع عن وجودهم الأولي في وجه عمليات الإبادة التي تلاحقهم على مدار الساعة في جميع أقطارهم، نعتهم الأنجلوسكسون بالارهابيين، واعتبروا عملياتهم الدفاعية هذه، التي لم يبق في أيديهم سواها، سبباً معلناً لإفنائهم!

يقول الرئيس الماليزي مهاتير محمد: لقد سمعت عدداً هائلاً من الأسباب التي تعيد ظاهرة الإرهاب إلى الجهل والفقر، ولكن ليست هذه هي الأسباب مطلقاً، فإذا لم يكن عندك طعام في بلدك فإنك تكافح ضدّ حكومتك ولا تزرع القنابل والمتفجرات في الولايات المتحدة، لأن هذا العمل لن يخدمك في أي شيء، لكن المشكلة هي أن بعض الدول الإسلامية لا يحكمها أبناؤها بل يحكمها حلفاء الولايات المتحدة حليفة "إسرائيل" عدوة المسلمين! إن أسباب الصراع الفعلية تعود إلى إنشاء "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية وطرد أهل فلسطين. فمنذ وعد بلفور عام 1917، الذي أعطت بريطانيا بموجبه فلسطين لليهود، لم يتوقف الصراع عن الاتساع إلى أن وصل مرحلة الإرهاب باعتباره السلاح الوحيد المتبقي! أما الإسلام فهو مثل باقي الديانات يحمل تفسيرات كثيرة، مثلما الدين المسيحي. فمثلاً كانت محاكم التفتيش في إسبانيا تحرق الناس بالنار، وهذا ليس من تعاليم المسيحية. لا يوجد في مبادئ الإسلام الأساسية ما يمنع الدول الإسلامية من دخول الحداثة، والاستفادة من التكنولوجيا، وتطبيق الديمقراطية، لأن الإسلام ديمقراطي. ما أعتقده جازماً، وما لا يمكن رفضه، لأن رفضه يعني عدم مواجهة المشكلة الرئيسية هو: "إن تنظيم القاعدة والإرهاب الدولي نتيجة مباشرة لإنشاء دولة إسرائيل"!

عشرات السنين من الهولوكست الفلسطيني!

لم يترك الصهاينة أي خرم إبرة يتنفس منه حوالي عشرة ملايين فلسطيني. فمنذ عام 1917 وضع الفلسطينيون تحت مطرقة الإبادة: إما الشتات، وإما العبودية، وإما الموت، ولا خيار آخر! لقد وقع شعب بكامله في الأسر منذ ذلك التاريخ، وطبقت بحقه أنظمة المعتقلات الكبرى، من دون تمييز بين المحارب وغير المحارب، بل من دون أدنى شفقة أو رحمة للأطفال والنساء والشيوخ، وهاهم اليوم يريدون اعتقال الصامدين، وهم بالملايين، في قطاع غزة الضيق الفقير، ويريدون تبديد اللاجئين في الشتات وهم بالملايين أيضاً، فلا يسمحون لهم بالعودة، وفي الوقت نفسه يستقدمون إلى فلسطين المحتلة أياً كان من أي بلد كان بالإغراءات الوضيعة! أما عرب الضفة الغربية فيعدّون لهم معازل ومعاقل مقطّعة بالجدار العازل ومطوّقة بالجنود المرتزقة الأجانب! وأما عرب الأراضي المحتلة عام 1948 فيعاملون في بلادهم معاملة الغرباء الدونيين، المشبوهين على الدوام، وهم عرضة للتدمير في أي وقت! فأي تطهير عرقي،  وأي هولوكست أفظع من هذا الهولوكست الفلسطيني المعلن، المدعم بالوثائق المادية المعلنة؟

لكن حكومة الولايات المتحدة تعتبر أطفال ونساء وشيوخ فلسطين ظالمين يستحقون الموت، وهم المحرومون من لقمة العيش ومن أبسط حقوق الحياة، وتعتبر المرتزقة الأجانب المحاربين مظلومين، وهم المدجّجون بأسلحتها الفتاكة والمعلوفون بإمداداتها الخرافية! وهذا طبيعي بالنسبة لدولة ارتكبت عمليات الهولوكست طوال تاريخها، ونظمت الهولوكست النووي في اليابان، فأبادت بطرفة عين مئات الألوف من المدنيين الأبرياء (ناهيكم عن الهولوكست الكوري والفيتنامي)، ثم تحوّلت تواً إلى هيئة الأمم المتحدة واستصدرت قراراً بإقامة الكيان الصهيوني على أنقاض الشعب الفلسطيني! وبالمناسبة، فقد مات قبل أيام ذلك الضابط الأميركي الذي ألقى القنابل النووية الأميركية على هيروشيما! لم يشهّر به أحد، ولم يطلبه إلى المحكمة أحد، ولم يحاول اغتياله أحد، ولم يعكر صفو حياته أحد، إلى أن قضى على فراشه بعد عمر مديد، فما معنى ذلك؟! أليس معناه أن الإدارات الأنكلوسكسونية الصهيونية تصنف الكائنات البشرية نوعين: نوع يستحق الحياة، ونوع من الطبيعي موته إذا كانت في ذلك مصلحة للصهاينة؟ لقد نهض الكيان الصهيوني مشبعاً بالغبار الذري للهولوكست الياباني!

هولوكست العراقيين الموثّق والمعلن!

لم تعرض أية صور لضحايا الهولوكست اليهودي في ألمانيا! لقد عرضت بعض الصور لجموع يسربلها الشقاء، وينخرها الجوع والمرض، وهي صور نسبت إلى الهولوكست اليهودي، بينما يمكن أن تكون هذه الصور لجموع المصابين بالتيفوس وغيره من الأمراض الفتاكة التي اجتاحت أوروبا عموماً أثناء الحرب العالمية الثانية، وبالطبع، كان المرضى يعزلون في معسكرات، وكانت جثثهم وحاجياتهم تحرق، وحتى لو سلمنا أنهم يهود من ضحايا الهولوكست فإننا لا نستطيع أن تقطع بذلك عملياً، وقد قامت السينما الهوليوودية بإعداد روايات تترجم بالصور المتحركة التخمينات والشهادات الشفاهية عن الهولوكست اليهودي إلى وقائع، وعرضت في ما عرضت صور الأسرى العراة من الرجال والنساء اليهود، ولنا أن تصدّق، لكن يمنع علينا أن لا نصدّق!

غير أن صور العراقيين العراة من الأسرى والشهداء في معتقل أبو غريب وعمليات تعذيبهم وإذلالهم التي فاقت كل توقع كانت حقيقية، بل إن ما اطلعنا عليه من عمليات التنكيل ليس إلا القليل القليل حسب ما يقوله الأميركيون أنفسهم، وقد اكتفى المجرمون، ابتداء بكبيرهم، بالاعتذار عما حدث، علماً أنه مازال يحدث، وها هي صفحة هولوكستهم العراقي الرهيب، المستمر، تبدو كأنما طويت بمجرد الاعتذار العلني المتغطرس المستخف! ولكن لماذا أعلن الأميركيون بأنفسهم عن هولوكستهم العراقي، فكانوا مصدر الصور الرهيبة، ومصدر الاعترافات العجيبة؟ يقول دوستويفسكي، الروائي الروسي العظيم، أن ارتكاب الآثام في السر أفضل من ارتكابها في العلن، فالحرص على السرّية يعني وجود الحياء، أما الإعلان فيعني انتفاء الحياء، أي فتح الأبواب على مصاريعها للتكرار العلني، والاكتفاء بمجرّد الاعتذار الوقح المتلاعب! وهكذا فإن الاعتذار على الطريقة الأميركية أسوأ من الجريمة الأساسية واستمرار متطور لها! ونذكر هنا القول الإسلامي المأثور: إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا!

إن الأنكلوسكسون الصهاينة، الذين لا يعرفون الحياء، ولا الشفقة ولا الرحمة، يتعمدّون كما يبدو الكشف عن معاصيهم وجرائمهم، ويتعمدون الإعتذار عنها علناً، كي يجعلونها عادية قابلة للتكرار العلني! غير أننا نتوقع، نحن العرب والمسلمون، أن يكون الهولوكست العراقي خاتمة آلامنا وأحزاننا، بل خاتمة آلام وأحزان البشرية جمعاء، لأننا نعتقد أن عصر الهولوكست الذي دشنوه في القارة الأميركية قبل خمسة قرون قد شارف على نهايته!

www.snurl.com/375h

Hosted by www.Geocities.ws

1