الثكنة الصهيونية معتقل للشعب الفلسطيني!

بقلم نصر شمالي

ليس الكيان الصهيوني وطناً ولا دولة ولا شعباً كما يزعم المستوطنون الإباديون وأسيادهم، فقد أعلن تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية اليهودية، منذ أواخر القرن التاسع عشر، أن الكيان سوف يقوم على أرض فلسطين ليكون قلعة يهودية أوروبية أميركية في مواجهة البربرية الآسيوية، والأفريقية طبعاً!

لقد أريد للكيان الصهيوني، منذ القرن السابع عشر (1649) حين كان لا يزال فكرة إنكليزية، أن ينهض قلعة حربية لخدمة مصالح هذه الحضارة الفاوستية الأوروبية الأميركية، ولخدمة مصالح شعب الله المختار الأنكلوسكسوني الصهيوني تحديداً، أما الذريعة فكانت محض خرافة تتلخص في حكاية أرض الميعاد التلمودية، وأما التوصيف للواقع الميداني فكان وقحاً إلى الحد الذي جعلهم يعتبرون فلسطين أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض!

 

الوقائع الميدانية تؤكد شيطانية الفكرة!

وعندما جاءت الوقائع اللاحقة، التي تلت الإعلان الدولي عن قيام الكيان الصهيوني عام 1948، عن طريق منظمة الولايات المتحدة وليس الأمم المتحدة، تأكد بصورة قاطعة أنه ليس وطناً ولا دولة ولا شعباً بجميع المعايير، فعلى الصعيد الاجتماعي ظهر كتجمع لمرتزقة متعددي الجنسيات والولاءات، ومتعددي اللغات وأماكن الإقامة، بحيث غالباً ما تكون فلسطين المحتلة مقر الإقامة الثانوي للكثير من المستوطنين، أي أن الكيان الصهيوني مجرد امتداد وذراع للمجتمعات الأوروبية والأميركية في بلادنا! وعلى الصعيد الاقتصادي يحظى الكيان الصهيوني، عن طريق الهبات والتسهيلات الأنكلوسكسونية، بوضع لا مثيل له ولا علاقة له إطلاقاً بإمكانيات ما يسمى "دولة إسرائيل" المزعومة. إن رعاية واحتضان الدول العظمى، خاصة الولايات المتحدة، تؤمن للمستوطن الصهيوني الواحد دخلاً يتراوح ما بين 18 – 20 ألف دولار، أي يوازي بل يتفوق على دخل الفرد في الدول العظمى ذاتها! إن الكثيرين من المستوطنين الإباديين يحملون أكثر من جواز سفر، ويملكون شركات وعقارات في عدد من البلدان، وهم يشاركون في الانتخابات العامة لأكثر من دولة، وتعالج شؤون كيانهم واحتياجاته مؤسسات مشتركة، أوروبية إسرائيلية، وأميركية إسرائيلية، على أعلى المستويات! وعلى الصعيد العسكري تتوفر للمستوطن المحارب جميع إمكانيات الجندي في الجيش الأميركي وفي قوات حلف شمال الأطلسي، وهو يعرف جيداً أنه جندي في هذه القوات الدولية، وأن جيشه اليهودي قطعة من قطعات تلك القوات الأميركية والأطلسية. إن كل هذا يؤكد حقيقة الفكرة الشيطانية الإنكليزية التي أسست للكيان الصهيوني كثكنة استعمارية وليس كوطن قومي!

 

الأنكلوسكسون يفرضون التعامل بمفرداتهم!

غير أن المفردات السياسية الدولية، التي فرضها الأنكلوسكسون (يهود الروح وليس يهود الدم كما يصفون أنفسهم) هذه المفردات تقلب الصورة والموقف رأساً على عقب، فبدلاً من توصيف قاعدة عسكرية يملؤها المرتزقة المقاتلون، نساءً ورجالاً، على اختلاف أزيائهم وأوضاعهم ووظائفهم، وبدلاً من توصيف حاملة طائرات أميركية برية عملاقة، وبدلاً من توصيف قاعدة نووية وجرثومية ضخمة، تتحدث المفردات السياسية الدولية عن وطن صغير لشعب صغير، وعن دولة صغيرة محاصرة، معتدى عليها ومحتلة بعض أراضيها (حيث يشيعون أن أراضي الضفة والقطاع يحتلها الفلسطينيون!) وأن هذا الشعب المسكين لا ينشد سوى الأمن والسلام!

وأغرب ما في الأمر أن العدو نجح في فرض اندماج مفرداتنا السياسية الرسمية بمفرداته، طوعاً أو كرهاً، ونجح في جعلنا نتعامل مع هذه الثكنة القلعة باعتبارها وطناً ودولة وشعباً، وحتى بعض العرب والمسلمين الذين يلتزمون موقفاً معادياً حتى النهاية للكيان الصهيوني يتعاملون معه بمفردات الأميركيين والأوروبيين، أي باعتباره دولة معتدية!

لقد نجحت القاعدة الصهيونية حتى الآن في ميدانين على الأقل: الأول، هو اعتقال الشعب الفلسطيني، بأطفاله ونسائه ورجاله، على مدى عشرات السنين وحتى يومنا هذا. إن حوالي عشرة ملايين عربي فلسطيني يعيشون حياة المشردين والأسرى والعبيد، سواء في المنفى أو في بيوتهم، وليس أمام من بقي منهم على أرضه سوى الانصياع التام للعبودية أو الموت! أما الأمر الثاني الذي نجحت القاعدة الصهيونية في تحقيقه فهو عزل الشعب الفلسطيني عن أمته والانفراد به تماماً. إن المستوطنين الصهاينة يتواصلون مع الدول العظمى ويتلقون إمداداتها على مدار الساعة، أما الشعب الفلسطيني فمقطوع عن أهله ومحروم من مساعدتهم حتى في تأمين لقمة العيش! وفي الوقت نفسه نجحت القاعدة الصهيونية في تحويل حياة العرب في جميع أقطارهم إلى شقاء مقيم، وإغراقهم في الظلام الدامس، وذلك بتأثيرها الكبير على مؤسساتهم القيادية، الرسمية وغير الرسمية!

 

الانتفاضة وزوال القبر والكفن!

لقد أعلنوا منذ البداية عن أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، فكان ذلك يعني إطلاق يدهم بالكامل لتطهير الأرض الفلسطينية من الكائنات الحية التي تعيش عليها، والتي هي ليست شعباً ولا بشراً، بل كائنات ضارة يتوجب طردها وإبادتها، وإن هذا هو عين ما يفعلونه منذ وضعوا أقدامهم على الأرض الطاهرة، فكيف ننسى للحظة واحدة هذه الحقيقة الثابتة القاطعة المعاشة؟! وإذا ما تذكرناها، ونجحنا في العمل على أساسها وفي مستواها، فهل ترك لنا المستوطنون المجرمون وأسيادهم مجالاً للغفران؟ كيف سنغفر هذا التوجه المفتوح على المطلق في ذبح أطفالنا، وتدمير بيوتنا وحقولنا، واستباحة أعراضنا؟ وهل سيغفر الله لنا إن غفرنا للأنكلوسكسون الصهاينة، مدعي الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، ما فعلوه ويفعلونه بنا في فلسطين والعراق؟!

ولكن، وعلى الرغم من عزل الشعب الفلسطيني عزلاً شبه تام، فقد نجح عرب فلسطين في تأكيد وجودهم وفرضه، وفي إضعاف وجود المستوطنين ونفيه، فبينما تتأكد أكثر فأكثر استحالة استئصال الشعب الفلسطيني الأصيل تتأكد أكثر فأكثر هشاشة بنية الكيان الصهيوني المصطنع.

إن الشعب الفلسطيني متمسك بثوابته الوطنية والقومية ومصمم على القتال في سبيلها، وعلى الحيلولة دون تمكين المستوطنين المرتزقة وأسيادهم من جني ثمرات مشروعهم الإجرامي الوحشي. إن لسان حال الفلسطينيين خصوصاً، والعراقيين والعرب عموماً، يردد مع أبي الطيب المتنبي طوال الوقت: كم قد قتلت وكم قد مت عندكم/ ثم انتفضت فزال القبر والكفن/ قد كان شاهد دفني قبل مولدكم/ جماعة ثم ماتوا قبل واندفنوا!

وبالمناسبة، فإن ما يسمى "مشروع إعادة إعمار العراق" ليس سوى محاولة لتكرار مأساة فلسطين، وذلك بجعل العراق أولاً أرضاً بلا شعب، عن طريق مشاريع الإعمار التي لن تنطلق إلا بعد استسلام العراقيين وانصياعهم، ثم يتحول العراق إلى مرتع خصب للمرتزقة واللصوص والمجرمين من شذاذ الآفاق!

Hosted by www.Geocities.ws

1