هل ثمة صلة لليهودية بالإبراهيمية والموسوية؟!
ظهر اليهود وظهرت اليهودية ما بين العامين 638-608 ق.م، أي في عهد ما يسمى تجاوزاً "مملكة يهوذا" التي نهضت في بلدة تحتل جزءاً صغيراً من مساحة فلسطين، غير أن أصحاب تلك "المملكة" التي ومضت واختفت بسرعة الشهاب زعموا أنهم ورثة الدعوة الإبراهيمية وما تلاها من دعوات توحيدية، ونسبوا إلى أنفسهم وحدهم ما لا يخصهم وحدهم بل يخص جميع أقوام المنطقة، فصاغوا تراث المنطقة وتاريخها باعتباره تراثهم وتاريخهم الخاص، لتترتب على ذلك إشكاليات إدعائية خرافية لم تتورع الصهيونية المعاصرة عن اعتمادها كذريعة لاغتصاب فلسطين!
لقد ظهرت الدعوة الإبراهيمية التوحيدية في العراق عام 1900 ق.م، واستمرت مسيرتها الطويلة حتى عام 1700 ق.م، لتشمل فعالياتها الروحية والفكرية مجمل مجتمعات العراق وبلاد الشام ومصر، ولتبلغ موقع مكة المكرمة، فالإبراهيمية الآرامية (العربية) حركة عامة أسست لظهور المسيحية والإسلام ببعدهما الإنساني المفتوح، وأسست لتبلور الأمة العربية واندماج روافدها القديمة في تشكيلة واحدة ابتداء من القرن السابع الميلادي، من المحيط إلى الخليج، فأية صلة يمكن أن تقوم بين هذه الحركة التوحيدية التأسيسية العظمى وبين الحركة اليهودية التي اقتصرت على قبائل منغلقة محدودة الحجم وضيقة الأفق؟ فإذا أضفنا إلى ذلك المسافات الزمنية الهائلة التي تفصل بين الإبراهيمية واليهودية، والتي لا تقل عن ألف ومئتين وسبعين عاماً، بكل ما يترتب عليها من اختلافات جذرية في جميع الميادين، أدركنا مدى وقاحة وإجرام الصهاينة المعاصرين باعتمادهم الخرافات اليهودية.
ما بين العامين 3000-2100 ق.م حلت بالمنطقة العربية ظروف مناخية استثنائية قاسية تسببت في حدوث جفاف شديد ضرب معظم المناطق الخضراء في شمالي أفريقيا والجزيرة العربية فحوّلها إلى ما يشبه الصحارى. ثم عادت المنطقة تشهد فترات من الطقس البارد والمطر الغزير، إلى ما بعد عام 2000ق.م، وقد ظهرت الدعوة الإبراهيمية بأبعادها الروحية والفكرية والاجتماعية في نهاية تلك التحوّلات المناخية التي تواصلت عبر ألف عام، بما ترتب عليها من انعكاسات على مجمل حركة الحياة المجتمعية.
وعلى صعيد الحياة المادية تواكبت مقدمات الدعوة الإبراهيمية مع بدايات العصر البرونزي الثاني، أو الوسيط، أي مع بدايات تطوّر الأدوات والوسائل المادية تطوراً ملحوظاً إلى أشكال أرقى وأجدى، وقد انعكس أثر ذلك أيضاً على مجمل ميادين الحياة الاقتصادية والعسكرية والفكرية والسياسية.
لقد تسببت التحولات المناخية والمادية في حدوث تغييرات ديمغرافية كبرى حققتها هجرات إجبارية واختيارية واسعة النطاق، فاشتدت الأزمات الاجتماعية، ونشبت الحروب الطاحنة الداخلية والخارجية، بين مصر الفرعونية وسورية الكنعانية، والحروب بين الدويلات العمورية، والحروب المصرية النوبية..الخ
وهكذا فقد كان طبيعياً أن تؤدي تلك التحولات والأحداث التاريخية جميعها إلى تعمق الأزمات الفكرية والروحية في جميع أرجاء المنطقة العربية، وبينما عبّرت تلك الأزمات عن نفسها بالحروب والإجتياحات النظامية على صعيد الدول، فقد عبّرت عن نفسها شعبياً بالدعوة الإبراهيمية التوحيدية التي تصدّت لوثنية الملوك/الآلهة ولحروبهم التي عمّقت الأزمات وزادت في شقاء الناس.
لقد كانت المقاومة أو الثورة ضدّ الأوساط الحاكمة المتألهة تأخذ شكل خروج من أراضي الدولة ومن دائرة سلطتها، مثلاً إلى الصحارى الليبية ثم باتجاه المغرب، أو إلى سيناء ثم باتجاه فلسطين، أو من العراق إلى ماري في سورية، أو إلى واحات الجزيرة العربية، أو بالعكس! ولعل المسيرة الإبراهيمية، التي كانت محطتها الأولى مدينة ماري السورية هي أول المسيرات الثورية البارزة وأطولها وأشملها في ذلك الزمن، فأين اليهود من هذه الأحداث الهائلة الشاملة التي شهدتها المنطقة العربية عموماً قبل ظهورهم بألف ومئتين وسبعين عاماً تقريباً؟!
كذلك، فإن الدعوة الموسوية ظهرت قبل عام 1220 ق.م الذي هو عام الخروج من مصر، أي أن مملكة يهوذا واليهود ظهروا بعد هذا التاريخ بستمائة عام تقريباً. لقد بدأ تدوين "العهد القديم" في عهد يوشيا "ملك يهوذا" أي ما بين العامين 638-608 ق.م، وفي خطابات عاموس وأشعيا، قبل قرن من تدوين التوراة، لم يرد أي ذكر للنبي موسى، أي أن الدعوة الموسوية، مثل الإبراهيمية، لم تكن لها صلة باليهود الذين ظهروا بعدها بحوالي ستة قرون، لكنهم لم يتورعوا عن اعتبارها فصلاً من تاريخهم وحدهم، واعتبار دعوتها جزءاً من تراثهم وحدهم!
والحال أن ما عرضناه (باقتضاب شديد جداً) من ظروف أحاطت بالدعوة الإبراهيمية، أحاط ما يماثلها بالدعوة الموسوية التي هي حدث يخص المنطقة وأقوامها جميعاً ولا يمكن أن يقتصر على قبائل محدّدة صغيرة متقوقعة على نفسها. ثم إن الدعوات الإصلاحية والتوحيدية صارت تصدر عن بعض الملوك كاستجابة إلى هذا الحد أو ذاك للإبراهيمية، مثل إصلاحات الملك العراقي حمورابي التي يظهر فيها واضحاً أثر الإبراهيمية، ومثل دعوة الملك المصري إخناتون إلى عبادة إله واحد (توفي شاباً عام 1362 ق.م).
لقد ظهرت أول إشارات عابرة إلى "بني إسرائيل" وليس إلى اليهود بعد وفاة إخناتون بحوالي خمسة وسبعين عاماً، بعد عودة الملك رمسيس الثاني من بلاد الشام حيث قضى ثلاث سنوات في فلسطين، وطبيعي أن الإبراهيمية تركت أتباعاً وآثاراً في فلسطين، ولربما كان من نتائج حملات رمسيس الثاني في بلاد الشام أن عاد إلى مصر ومعه أعداد من "بني إسرائيل" كموظفين ومهاجرين ومسخّرين وعبيد. وكان النظام الحاكم في مصر قد ارتدّ على توحيد إخناتون عقب وفاته، وشنّ حملات ضارية ضدّه وضدّ آثاره. وهكذا فإن بعض المؤرخين يعتقدون أن رمسيس الثاني (المرتدّ ضدّ إخناتون) هو فرعون موسى الذي ورد ذكره بعد ستمائة عام تقريباً في تدوين سفر الخروج. ولما كان الخروج من مصر قد حدث عام 1220 ق.م فإن ذلك يعني أن إقامة "بني إسرائيل" في مصر، التي بدأت مع عودة رمسيس الثاني من بلاد الشام، لم تدم أكثر من ثمانية وستين عاماً تقريباً، أي لا صلة لها بثورة إخناتون التوحيدية، وأن الدعوة الموسوية كانت لها جذورها المصرية الرسمية والشعبية، أي أن "بني إسرائيل" التحقوا بها ولم تلتحق بهم!
تتعدّد الروايات بصدد نسب النبي موسى، فمن قول أنه ابن الأميرة حتشبسوت التي أصبحت ملكة في ما بعد، ومن قول أنه كان كاهناً مصرياً (إخناتونياً؟) وثالث أنه كان قائداً عسكرياً (إخناتونياً أيضاً؟) عاد من حملة في الحبشة بعد وفاة إخناتون والانقلاب على نظامه ومعتقداته والارتداد إلى تعدّد الآلهة، وهناك القصص الإسلامية التي تروي حكاية التقاطه رضيعاً من النهر واحتضانه في القصر الملكي، وأنه ترعرع وشب في رعاية الملك..الخ، وأياً كان وضعه من وجهة نظر مختلف المؤرخين، فقد قاد جموع الفقراء المصريين والمسخّرين والعبيد في عملية الخروج من مصر، التي هي من طراز خروج الإبراهيميين من العراق.
كانت مطالب الثائرين المصريين تتلخص بالدرجة الأولى في إعطائهم الحق بالاستعمال الخاص لأجسادهم وعقولهم ولو في أيام محدّدة، فكانت الدعوة الموسوية تطالب الفرعون بأيام عطل للمسخّرين والعبيد الذين يكدحون على مدار الساعة في الحقول والمناجم وفي إقامة المنشآت العملاقة، ولا ينالون من الوقت إلا ما يكفي بالكاد لنومهم، فهم يعملون بطاقتهم القصوى تحت السياط حتى التلف، فيتجددون بالولادة، ويستبدلون كالأدوات! ولذلك طالبت الدعوة الموسوية بثلاثة أيام عطلة "يذبح فيها الشعب للرب في البرية"! فإذا لم يستجب الحكام، وهم لم يستجيبوا، فالخلاص بالثورة، أي بالخروج أو الهروب إلى خارج دائرة سيطرة الحكام. والنجاح بالخروج أو الهروب كان يعني انتصار الثورة، أما الحكام فكانوا يعتبرون مثل هذا النجاح كارثة تحلّ بهم، لأنه يعني خسارتهم لممتلكاتهم من الأدوات البشرية التي يقوم عليها نظامهم وحياتهم!
وكانت جموع الخارجين، أو الهاربين، أو الثائرين، تتألف من خليط من المجموعات، يتوحّد خلف قادة من ذلك الطراز الذي ينسلخ عن طبقته الأعلى، ويتبنى قضية المظلومين في جميع العصور، متسلحاً بقدر من المعرفة والخبرة والإرادة التي اكتسبها من طبقته الاجتماعية التي تملك حاجتها من الوقت للتأمل والتفكير والتنظيم!
وعندما كان الزحف، الثائر الخارج الهارب، يصل إلى الصحراء، ويصبح حراً، يجد الزحوف التي سبقته وقد توضعت في تشكيلات جديدة ليست بالضرورة استمراراً للقضية التي خرجت من أجلها! بل يحدث أنها تحاول في موطنها الجديد اعتماد سياسات وأساليب النظام الذي هربت من ظلمه! وهكذا، إذا حاولنا تتبع مصائر ذلك الخليط من الجماعات، الذي خرج بقيادة موسى إلى الصحراء، فسوف نتصور أموراً لا تخرج عن دائرة المعقول: الذين انفصلوا عن الدعوة وارتدوا، والذين التحقوا بها في مواطنها الجديدة، والذين واظبوا على عبادة الله، والذين انكفأوا وراحوا يعبدون العجل الذهبي، والذين تحوّلوا إلى مجرّد قطاع طرق ولصوص قتلة، والذين واصلوا حمل الرسالة المقدسة..الخ ، لقد حدث ولابد كل أمر يتوقعه المنطق عبر تلك التفاعلات العظمى، وفي أوساط تلك الأقوام العديدة الكبيرة، وعلى امتداد المنطقة العربية، فكيف يعقل أن ينسب كل ذلك إلى اليهود الذين لم يكن لهم وجود بعد، وإلى قبائل ضئيلة الحجم ضيقة الأفق، تعتبر تلك الأحداث تخصها وحدها فقط؟!
ولكن، حتى لو جارينا اليهود في أهمية "ممالكهم" التي ظهرت بعد حوالي ستة قرون من الثورة الموسوية المصرية وعاشت لعشرات السنين فقط، فإن تلك الممالك لم تخرج أبداً عن إطار الدول الكبرى التي ظلت تحتويها، وهي لم تكن سوى تقليداً مصغراً لتلك الدول التي وقع الخروج ضدّها، دارت خلال عمرها القصير في فلكها سياسياً واقتصادياً، أما القضية المقدسة فقد تحوّلت أخبارها إلى عقيدة وثنية محتكرة من قبل أقلية ضئيلة، وظيفتها تمكين هؤلاء المدعين المحتكرين من احتلال مكانة مقبولة من الأنظمة الوثنية الكبيرة العريقة!
إن قصة الهيكل اليهودي، على سبيل المثال، لم تكن سوى محاولة بائسة وفاشلة لتقليد هياكل طيبة ونينوى وبابل وغيرها، كالكعبة المشرّفة! وهم استعاروا المهندسين والصناع المهرة ومواد البناء من الفينيقيين الكنعانيين في صيدا وصور، لكن تجربتهم القصيرة افتقرت لشروط الثبات والديمومة، وظلوا محاصرين طوال الوقت، لا يجدون مخرجاً إلا بالتبعية لإحدى الممالك الكبرى، مثلما هو حالهم مع الولايات المتحدة اليوم!
غير أن الأدهى من كل ذلك هو مسخهم لقضية التوحيد، واعتبارهم أنفسهم "شعب الله المختار"، واقتصار همومهم على الطموحات الأنانية البدائية الصغيرة، ومحاولتهم تحجيم الإبراهيمية والموسوية لتكونا على مقاسهم وفي خدمة مصالحهم!
لقد استعارت تلك القبائل اليهودية المترحّلة أحد آلهة كنعان وصاغته في الصورة البدائية التي كانت عليها: إلهاً صارماً، ذا نزعة حربية، يرتكب في سبيل انتصار شعبه الخاص من ضروب الوحشية ما تشمئز منه النفوس (ديورانت- قصة الحضارة) ويأمر شعبه بارتكاب هكذا وحشية، بذبح أمم بأكملها، مسروراً راضياً عن عمله! إن نصوص "العهد القديم" الذي جرى تدوينه بعد الدعوة الموسوية بحوالي ستمائة عام، تعطينا صورة لا مثيل لفظاعتها في القوانين المتعلقة بالحرب، فهي تقول:
1- احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصير فخّاً في وسطك!
2- وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة ما، بل تحرمها تحريماً الحثيين والعموريين والكنعانيين والفرزيين والحوريين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك!
3- اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكر اقتلوها لكن جميع الأطفال من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيّات!
إنها تعاليم مروّعة لا علاقة لها أبداً بالإبراهيمية والموسوية، وهي تتضمن من القسوة والوحشية بمقدار ما تتضمن من السذاجة والبدائية الهمجية، لكنها لا تزال معمولاً بها حتى يومنا هذا، بل لعلها لم يعمل بها حقاً وفعلاً سوى في عصرنا هذا، من قبل الأنكلوسكسون المتهودّين المتصهينين ومن قبل الحركة الصهيونية اليهودية المعاصرة، لكن الدعوات لإعادة النظر بالتعاليم الدينية التي تؤدي إلى الإرهاب لا تتوجه إلى معتنقي هذه النصوص، وفي مقدمتهم حكام بريطانيا والولايات المتحدة! إن الدعوات لإعادة النظر توجه إلى العناوين الخطأ، بدلاً من أن توجه إلى أولئك الذين أبادوا شعوب أميركا واستراليا، ولا زالوا يحاولون إبادة شعب فلسطين!
أما عن العرب والمسلمين، فلنتأمل في توجيهات أبي بكر الصديق لقادة الجيوش العربية والإسلامية:
- " لا تخونوا، ولا تغلّوا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تقطعوا شجراً ولا تحرقوه، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله، وسوف تمرّون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له"!