كيف هاجر يهود العراق إلى فلسطين المحتلة؟
ترافق احتلال العراق من قبل الجيوش الأنكلوأميركية مع زوبعة من الأخبار انطلقت تتحدث عن دور "شيطاني" عصيّ على الفهم وعلى المواجهة يقوم به اليهود الصهاينة لصالح المحتلين، ومن أجل تدمير العراق، وتضمنت هذه الأخبار، التي ما زالت تتردّد، إشارات إلى اليهود الإسرائيليين من أصل عراقي! والحال أن البريطانيين والأميركيين، الذين هم أشدّ صهيونية من اليهود الصهاينة، لا يحتاجون في الأساسيات الاستراتيجية إلى من يحرّضهم ويوجّههم، فهم الذين اخترعوا الحركة الصهيونية (غير اليهودية) في لندن عام 1649، حين كانت إنكلترا محرّمة على اليهود ولا يوجد فيها يهودي واحد، وهم الذين أسّسوا في عام 1897 الحركة الصهيونية اليهودية لخدمة أهدافهم العدوانية الكبرى انطلاقاً من فلسطين.
إن الأنكلوسكسون البيوريتان يحتاجون إلى خدمة اليهود في التفاصيل، مثلما يحتاجون إلى خدمات غيرهم من أعراق وأديان أخرى، أكثر من غيرهم بكثير أحياناً وأقل من غيرهم بكثير أحياناً أخرى، وما حدث في العراق يدّل على ذلك، وإنه لخطأ فاحش أن ينسب كل عمل ناجح يحققه الإنكليز والأميركيون إلى دور يهودي غامض يفوق إدراكه طاقة البشر، فمثل هذا الخطأ يلحق أفدح الأضرار بمناعتنا وفعاليتنا وبقضيتنا عموماً. وقد أدرك الشهيد الخالد عز الدين القسام هذه الحقيقة، وشرح للمجاهد الحاج أمين الحسيني، في الثلاثينات من القرن الماضي، أن الجهاد ضدّ الإنكليز هو الأساس، حيث اليهود الصهاينة مرتزقة في خدمة الإنكليز (والأميركيين في ما بعد) ينتصرون بانتصارهم وينهزمون بانهزامهم!
من جهة أخرى، فإن يهود العراق خاصة وقفوا في البداية ضدّ محاولات إقناعهم بالهجرة طوعاً إلى فلسطين المحتلة، لكنهم عجزوا عن المقاومة وأرغموا على الهجرة، وإنه ليتوجب علينا معرفة تفاصيل ما تعرضوا له من مؤامرات قبل التهجير وأثناءه وبعده. والغرض من ذلك ليس نفي مساهمة بعض اليهود الإسرائيليين العراقيين في خدمة احتلال العراق، حيث لابد وأنهم فعلوا ويفعلون ذلك، مثل غيرهم من غير اليهود أكثر أو أقل، إنما الغرض التعرف على الأساليب الأنكلوأميركية التي تجعل أحياناً أوساطاً اجتماعية بكاملها تنخرط طوعاً أو كرهاً في خدمة المشاريع الاستعمارية.
إحجام اليهود عن الهجرة إلى فلسطين!
بعد التوقيع على اتفاقيات الهدنة بين العرب والصهاينة إثر حرب عام 1948، وبعد الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني رسمياً، بدا الانتصار الذي حققته الصهيونية هزيلاً قياساً بالجهود التي بذلتها طوال عشرات السنين، بل مئات السنين، وأول ما جعله يبدو هزيلاً هو ذلك الإحجام اليهودي الواسع النطاق عن الهجرة إلى "أرض الميعاد"! لقد بدا بوضوح تام أن الأكثرية الساحقة لا تريد التوجه إلى فلسطين المحتلة إلا إذا أغلقت في وجهها جميع السبل الأخرى وأرغمت على الالتحاق بالثكنة الصهيونية الأميركية التي أطلق عليها اسم "إسرائيل"، فكانت تلك خيبة لآمال وتوقعات قادة الاستيطان،سرعان ما تطورت إلى حالة من القلق الشديد، فها هي "الدولة" التي طالما بشّروا بها، والتي أضفيت عليها جميع المعاني الأخلاقية والإنسانية والحضارية، إضافة إلى التوراتية، والتي أعدّت ملاذاً وخلاصاً وحيداً لليهود المضطهدين في أنحاء العالم، لا يهاجر إليها يهودي عادي بمحض إرادته واختياره الحرّ، وقد توقع الصهاينة أن اليهود سوف يزحفون إليها ولو سيراً على الأقدام من مختلف أنحاء العالم!
لقد لبى نداء الهجرة رقم ضئيل للغاية قياساً بعدد اليهود في العالم الذي يربو على عشرة ملايين! وكان واضحاً أن ملايين اليهود الأوروبيين الذين عانوا من ويلات الحرب العالمية الثانية ومن النظام الألماني النازي، لا يريدون الرسوّ على شاطئ الأمان الصهيوني في فلسطين المحتلة. لقد كانوا يريدون الهجرة إلى الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، إلى حيث "إسرائيل الكبرى" الأميركية الناجزة الجاهزة، وهذا ما فعلته أسرة هنري كيسنجر الألمانية على سبيل المثال، وما فعله آنشتاين الذي يقال أنه رفض عرضاً لتولي مهام "رئيس دولة إسرائيل" قائلاً أنه لا يريد أن يكون رئيساً لدولة سوف تزول إن عاجلاً أو آجلاً!
جرائم الصهيونية ضدّ يهود البلاد العربية!
أمام الخيبة التي تجلت في التجاوب البالغ الهزال من قبل يهود العالم مع حدث قيام "دولتهم" لم تجد قيادات الكيان الصهيوني أمامها من حلّ سوى اللجوء إلى الجريمة ضدّ اليهود في بلدانهم المختلفة لإرغامهم على الهجرة! ولما كان فعل ذلك ليس سهلاً ضدّ يهود الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، فقد تركزت الجرائم الصهيونية بالدرجة الأولى ضدّ يهود البلاد العربية والإسلامية والبلاد الأخرى المستعمرة وشبه المستعمرة في أسيا وأفريقيا. وقد كتب الصحفي الإسرائيلي باروخ نادل معلقاً:"إن الصهيونية التي لم تستطع إنقاذ يهود أوروبا (يقصد إقناعهم بالهجرة إلى فلسطين) وجدت نفسها بعد الحرب العالمية الثانية بدون هدف مقبول. ولكي يعطوا تبريراً معنوياً لوجود "دولتهم" عمل الصهاينة على "إنقاذ" يهود البلاد العربية"!
لكن يهود البلاد العربية ما كانوا يعانون أية مشكلة سوى مشكلة الظلم الاستعماري الذي تعاني منه بلدانهم، ولم تكن لهم علاقة مباشرة بمآسي الحرب العالمية. وكانت واشنطن قد عبأت دول العالم وأرغمت معظمها على إقرار إقامة الكيان الصهيوني، بقرار من هيئة الأمم، متذرّعة بإنقاذ يهود أوروبا المساكين الذين يجب أن تقوم "دولة إسرائيل"لإيوائهم وكمطلب وحيد لهم، وإذا بيهود أوروبا يرفضون الهجرة إلى الدولة التي قامت واعترف بها رسمياً!
أمام هذه المعضلة المحرجة والمقلقة توجه قادة الكيان الصهيوني، الذي ولد تواّ، بأنظارهم إلى البلاد العربية، وبدأ العمل من أجل الوصول مع بعض الحكام العرب إلى اتفاق بسيط خلاصته:"خذوا أملاك اليهود وأعطونا أجسادهم"!
ولإعطاء نموذج عن أولئك الحكام، فقد ذكرت مجلة "صباح الخير" المصرية، في أحد أعداد حزيران/يونيو 1995، أن اتصالات سرية جرت في القاهرة منذ عام 1946 بين رئيس الحكومة صدقي باشا وبين ساسون مبعوث الحركة الصهيونية، وأن ساسون دخل في مساومات حول مصير فلسطين التي لم يكن صدقي يمانع في تحويلها إلى "دولة يهودية"، وأن العقبات كانت تنحصر بالدرجة الأولى في رفض يهود البلاد العربية القاطع للهجرة إلى فلسطين المحتلة!
التعامل مع يهود العراق بالقنابل الصهيونية!
كان يهود العراق يعيشون في طمأنينة ورخاء، وقد رفضوا بحزم دعوتهم للهجرة إلى فلسطين المحتلة، الأمر الذي فاقم حالة الحرج والقلق الصهيونية أمام هذا الإحجام الواسع النطاق عن الهجرة، ولذلك وجدوا أنه لابد من اللجوء إلى العنف المسلح، وبالفعل بدأ عملاؤهم إلقاء القنابل على المراكز اليهودية في العراق، لإثارة الهلع ولإجبار يهود العراق على الانصياع والهجرة، وقد تحقق لهم ما أرادوه خلال أقل من عام، إنما ليس بالقنابل وحدها، ولا بالعملاء الصهاينة وحدهم! ففي شهر آذار/مارس 1950، قدم صالح جبر، وزير داخلية العراق في حكومة توفيق السويدي، مشروع قانون إلى البرلمان العراقي ينص على السماح لكل يهودي راغب بالهجرة بالتخلي عن جنسيته العراقية! ولكن، رغم صدور قانون الهجرة، الذي حظي بموافقة البرلمان ونشر في الجريدة الرسمية، ورغم فتح مكاتب علنية لتسجيل أسماء اليهود الراغبين في الهجرة، فإنه لم يتقدم لتسجيل اسمه طيلة شهر كامل سوى مائة وعشرون يهودياً فقط!
بعد شهر من صدور القانون، في مساء 8/4 تحديداً وكان يوم عطلة يهودية، ألقيت القنابل على مقهى البيضاء الذي يرتاده اليهود في شارع أبي نواس، وتوالت القنابل مترافقة مع منشورات وزّعت في الكنس اليهودية العراقية تدعو اليهود إلى الهرب والهجرة، لأن هجمات واسعة بالقنابل سوف تتوالى، وعندئذ بدأت مكاتب التسجيل تغص بالناس، وراح عشرات الآلاف يتزاحمون للتخلي عن جنسيتهم العراقية ويضعون أنفسهم مذعورين في تصرف مكاتب الهجرة، ورغم ذلك استمر إلقاء القنابل على الكنس وغيرها مما يخص اليهود العراقيين!
أكثر من مائة ألف يهودي رحلوا من العراق خلال أشهر قليلة، في أجواء من الإرهاب والرعب! فقط ستة آلاف يهودي عراقي صمدوا وأصرّوا على البقاء في بلد آبائهم وأجدادهم، وعلى الاحتفاظ بجنسيتهم العراقية المتوارثة! وفي 10/3/1951 دعى رئيس الوزراء (نوري السعيد) البرلمان إلى جلسة سرّية، وصدر في اليوم نفسه قانون صادقه على الفور عبد الإله الوصي على العرش، نصّ على تجميد أملاك اليهود الذين تخلّوا عن جنسيتهم! وفي المحاكمات التي جرت بعد ثورة 14/7/1958 وجهت إلى عدد من زعماء النظام الملكي السابق تهمة "بيع أكثر من مائة ألف يهودي عراقي للكيان الصهيوني"!
المستر آرمسترونغ وشلوموهيلل ؟!
لقد تولّت شركة الطيران الأميركية مهمة نقل يهود العراق إلى فلسطين المحتلة! في البداية كان الجسر الجوي الأميركي بطيئاً جداً، فقد اقتصر لمدة طويلة على طائرة واحدة يومياً، ولكن ما كاد قانون تجميد ممتلكات اليهود يصدر حتى أصبحت الطائرات الأميركية تحط في مطار بغداد خمس مرات وست مرات يومياً، ناقلة حمولاتها البشرية مباشرة إلى مطار اللد في فلسطين العربية المحتلة! أما ممثل شركة الطيران الأميركية في بغداد الذي أشرف على نقل تلك الشحنات من يهود العراق، فكان الأميركي المستر آرمسترونغ. ولكن ما كادت تمرّ فترة زمنية قصيرة على انتهاء عمليات الشحن حتى انكشف أن المستر آرمسترونغ الأميركي ليس سوى الإسرائيلي شلوموهيلل، وزير البوليس المقبل!
بعد أن أصبحوا في فلسطين المحتلة، واظب اليهود العراقيون طويلاً على إثارة قضية القنابل الصهيونية التي ألقيت عليهم في العراق. وعندما انفجرت فضيحة لافون، المتعلقة بقنابل مماثلة انفجرت في الإسكندرية والقاهرة، قال وزير الحرب الصهيوني:" إن هذا النوع من العمليات لم يبدأ وينفّذ في مصر، بل جرّب في العراق أولاً"! وخلال اجتماع للزعماء اليهود العراقيين، أعضاء الكنيست الصهيوني، صرّح شلوموهيلل (مستر آرمسترونغ!) وزير البوليس قائلاً:" طبعاً، نحن نستطيع اكتشاف من ألقى القنابل في بغداد، لكن الدولة الإسرائيلية لن تخرج بفائدة من هذا الاكتشاف"!
كان ديفيد بن غوريون (رئيس الحكومة) لا يزال منتشياً بما تحقق من نجاح صهيوني في العراق حين صرح، في تموز/يوليو 1952، لصحيفة "كمفر" اليهودية بما يلي:"إنني لا أخجل من الاعتراف بأنني لو كنت أملك القوة الكافية وليس الإرادة فقط لانتقيت مجموعة من الشبان الأقوياء، الأذكياء، المخلصين لأفكارنا، ولأرسلتهم إلى البلدان التي بالغ فيها اليهود بالقناعة الآثمة (يقصد: بالإحجام عن الهجرة!) وستكون مهمة هؤلاء الشبان التنكر بصفة أناس غير يهود، ورفع الشعارات المعادية للسامية، وأستطيع أن أضمن، من ناحية تدفق المهاجرين أن النتائج سوف تكون أكبر بعشرات آلاف المرات من النتائج التي يحققها آلاف المبعوثين الذين يبشرون بمواعظ عديمة الجدوى"!
إسرائيليون في العراق.. عراقيون في فلسطين!
لقد كتب عدد من الإسرائيليين اليهود من أصل عراقي عن مأساتهم المفجعة على أيدي الصهاينة، ومنهم من لا يزال على قيد الحياة حتى يومنا هذا. ففي كتابه "الخروج من العراق" كتب اسحق بارموشيه يقول:"كنا نتذكر بحزن شديد أن حكام العراق خدام الاستعمار البريطاني كانوا يصفوننا بأننا يهود. وقد غادرنا العراق بصفتنا يهوداً، ووصلنا "إسرائيل" لنستقبل بصفتنا عراقيين! كان المشهد مأساوياً ومضحكاً في الوقت نفسه، فقد ساعدنا حكام العراق على تأكيد وتثبيت يهوديتنا (يقصد "إسرائيليتنا" بالطبع) وهاهم أبناء ديانتنا وجلدتنا يساعدوننا من جهتهم على تأكيد وتثبيت عراقيتنا! كان الشعور العام مؤلماً ومثيراً للحزن في آن واحد. إن الأنبياء اليهود المعروفة قبورهم يثوون في أرض العراق. وقد حافظنا عليهم، نحن والعرب، كما يحافظ الإنسان على بؤبؤ عينيه. وإن العرب في الديار المقدسة (يقصد في فلسطين)كانوا أحسن الحراس وأكثرهم أمانة لقبور أجدادنا وأجدادهم معاً، في الخليل وغير الخليل. إن تاريخنا وتاريخهم في هذه الديار يرتبط ارتباطاً عضوياً. ولذلك فقد اكتشفنا أن المستقبل هو للارتباط وليس الانفصال، وأن عوامل القرب، هنا وهناك، كانت وظلت وسوف تبقى أقوى من عوامل البعد"!
بين العرب لسنا مهاجرين ولا غرباء!
أما نعيم قطان، اليهودي العراقي الأصل، فقد نشر في صحيفة "الأزمنة الحديثة" الفرنسية، عام 1979، مقالة تحت عنوان "الصمت المهين" جاء فيها ما يلي:" في باريس كنت عربياً، يهودياً شرقياً سفاردياً. عندما أتعثّر بكلمة عبرية أفتّش عن مقابلها العربي كي أفهمها. في رامات غان (في فلسطين المحتلة) كنت أقول لنفسي:"العبرية لغة ساميّة"، وأنا استمع إلى يهود بولونيا وروسيا الذين لم يستطيعوا لفظ "القاف والطاء والعين" كما يجب أن تلفظ، وكما يلفظها المرء عندما يولد في المكان الذي ولدت فيه اللغة. لقد غيّر هؤلاء وشوّهوا لفظ العبرية! الذل بلغ مداه، حيث نحن الذين نؤلف الأصل والمرجع نشدّ إلى قطار التقدّم الوهمي! كنت إذن شرقياً، يهودياً عربياً، أو يهودياً سفاردياً. لكن ما أهمية التسمية عندما تكنس الحقيقة المعاشة في المجتمع الحاضر (يقصد في الكيان الصهيوني) الحدود والخطوط التي رسمها التاريخ؟ فمهما كانت أمجادنا نحن العراقيين، أو المراكشيين أو المصريين أو التونسيين، أو الأتراك أو الفرس، أو البخاريين أو الكردستانيين، فنحن متخلفون (في نظر الأوروبيين اليهود) ما قيمتنا إذا لم تكن لدينا أسماء كبيرة نضيفها إلى آنشتاين وفرويد وكافكا؟! إننا نواجه المصير الذي نستحقه!".
يضيف نعيم قطان:" لقد قاوم اليهود الأوروبيون عبر القرون ذلك النكران الأساسي، فاليهودي الأوروبي ناج أبدي، لأنه رفض أن يغيّر دينه. أما الإسلام فيؤكد نفسه كآخر دين للتوحيد، وأن محمداً، المبعوث الأخير للإله، ليس عليه جعل اليهود أو المسيحيين ينقلبون على دينهم، فهو يعترف باستقلالهم الديني ويقبل وجودهم بكيانهم كجماعة منفصلة مستقلة. كيهودي بين المسلمين لم يحاول أحد أبداً جعلي أتحوّل عن ديني. ولم يكن عليّ، كي أكون يهودياً، إنكار الإسلام. لم تكن لديّ عادة الدفاع عن ديني، ولا إنكار دين جيراني. إن العيش بين المسلمين لا يهدّد معتقدي، ولا يحكم عليّ بالامتصاص والزوال، لذلك لم تظهر عندي الحاجة إلى الحجج في التعبير عن نفسي والدفاع عنها. إن يهودياً من بغداد أو حلب لا يشعر بالغربة (مثل اليهودي الأوروبي) فلسنا مهاجرين ولا غرباء، وقد عشنا على أرضنا منذ قرون طويلة، فكنا فيها عندما ظهر الإسلام. وعندما عرّبت المنطقة لم نقاوم التعريب أبداً بل ساهمنا فيه، واستطاع ابن ميمون إعادة صياغة العقيدة اليهودية بالعربية. كنا نحن أيضاً بناة للإمبراطورية العربية القديمة، لأنه اعترف لنا باستقلالنا الذاتي، وشملنا مخطط الأغلبية المنتصرة. لقد كنا في أوطاننا. منذ قرن شعر يهود بغداد أن بلد أجدادهم ضاقت بهم، فرحلوا إلى طهران ومانشستر وكلكوتا ومندلي ونيويورك وشنغهاي وسنغافورة. لقد أسسوا في كل مكان جماعة، وشادوا كنساً، وتكلموا العربية. ثم عادوا إلى بغداد ليروا الأهل والأقارب، وليتزوجوا. لم يكونوا في المنفى في أي مكان ذهبوا إليه، فقد كان العالم يخصهم ما دام يخص الإله. وكانت بغداد وطناً، ونقطة انطلاق، ومحوراً لقياس النجاح وإرساء الذاكرة. لم يعتبروا أي مكان ذهبوا إليه "دياسبورا" تدفع إلى الحلم بالعودة والتخطيط لها. لم يكن المكان في نظرهم دوماً إلا امتداداً للزمان، والزمان يتحوّل تحت نظر الإله إلى مكان وإلى سكن. بالنسبة لنا ليس ثمة حاجة للعودة إلى فلسطين، فقد كنا فيها بالجوار الفيزيائي وبالزمن. لقد شهدنا مجد الإمبراطوريات وانحطاطها. لقد شاركنا فيها. وكنا شركاء في الإمبراطورية الإسلامية، وطردنا من إسبانيا مع أولئك الذين يتغنّون بمجد محمد"!
كانوا شركاء في الإمبراطورية الإسلامية، وطردوا من إسبانيا مع أولئك الذين يتغنّون بمجد محمد! هذا بحد ذاته يكفي، وهو القول الفصل حقاً!