المقاومة، أو الفناء من دون مقاومة!
ينقسم سكان العالم إلى كتلتين إجماليتين: كبيرة تتكون من أربعة أخماس هم الأمم المحرومة المضطهدة، بل المدمّرة، التي تنال بالكاد أقل من خمس المنتوج والاستهلاك العالمي، وصغيرة تتكون من الخمس، تحتكر أربعة أخماس المنتوج والاستهلاك العالمي، وتمعن في نهب واضطهاد الأكثرية، ويطلق عليها وصف كتلة "المليار الذهبي" من البشر! لقد بلغ هذا الانقسام اليوم أقصى مداه التاريخي، بحيث لم يعد قابلاً إطلاقاً للاستمرار، لكن قيادات المليار الذهبي التي تتحكم بالعلاقات الدولية تصرّ على مواصلة العمل بقانون اللا مساواة واللا تكافؤ في النمو والتطور الأممي. وبينما تتبلور إرادة التغيير العالمي في أوساط الأكثرية، فتبدو إرادة واعدة وإن هي عبّرت عن نفسها أحياناً بصور مروّعة، تضمحل في الوقت نفسه إرادة الحفاظ على العلاقات الربوية الاحتكارية في أوساط الأقلية، فالمليار الذهبي الذي بلغ أوج صعوده على مدى خمسة قرون يواجه موضوعياً بدايات الانحدار. إن مستقبل العالم يتبلور اليوم في الجنوب والشرق وليس في الشمال والغرب، وما يحدث في فلسطين والعراق يحمل الكثير من قوة الدلالة التاريخية بغض النظر عن مقدار الفاعلية الميدانية.
إن أحداث فلسطين والعراق، بكل فظائعها ولا منطقيتها، تلخص حال أكثرية الأمم، وهو حال يستحيل استمراره، حيث لم يعد ثمة خيار إلا خيار الموت أو الحياة، وخيار الحياة غير ممكن إلا بتغيير العلاقات الدولية، أي بتغيير العالم، فهي مهمة لا مناص من تحمل ويلاتها، وإلا فالفناء من دون مقاومة! وبينما يعيش العرب والمسلمون مأساة ازدراء الموت انتصاراً للحياة، يعيش أبناء المليار الذهبي مأساة ازدراء الحياة في وحول التهتك والانحلال! يقول الأميركي فوكوياما في كتابه الجديد "التمزق العظيم" أن دول الغرب والشمال تبدو منتصرة ومتفوقة ظاهرياً، بينما هي ممزقة أخلاقياً واجتماعياً! إن معدلات الجرائم ترتفع باضطراد، والعائلات تنهار، والثقة بالمؤسسات الحاكمة تنعدم، كما يشرح فوكوياما بالتفصيل، ليخلص إلى القول بانهيار النظام الاجتماعي والأخلاقي الأوروبي الأميركي "أمام أعيننا ومن حولنا"!
القوة العسكرية والكوادر البشرية!
والآن، لنتصوّر أولئك الذين يراهنون على الرئيس بوش في وضع حدّ لجرائم شارون الإبادية الاستيطانية ضدّ ما تبقّى من فلسطين؟! ولنتصوّر أولئك الذين يراهنون على عملية "إعادة إعمار العراق" بواسطة إدارة بوش، وإلا فبواسطة خليفته كيري في حال نجاحه؟!
لقد صرّح الدكتور علي المشهداني، رئيس رابطة خبراء النفط العراقيين، لإحدى المجلات العربية في مطلع نيسان/ أبريل الماضي أن مجموع ما خسره العراق خلال العام الأول من الاحتلال الأميركي بلغ 475 مليار دولار! وأوضح أنه ومجموعة من الخبراء العراقيين وصلوا إلى هذه المحصلة المروّعة التي يصعب تصديقها عبر إحصائهم للخسائر في ممتلكات ومخصصات الدولة، فقبل الاحتلال كان 90% من مدخول العراق النفطي يوجّه إلى التسلح، وبعد الاحتلال جرى تدمير جميع ممتلكات الدولة، من معدات ومصانع حربية ومدنية ومطارات ومنشآت. لقد قطّعت سلطات الاحتلال الطائرات والدبابات الصالحة للخدمة وراحت تبيعها للخارج كخردة بالطن، بأسعار تافهة قياساً بأسعارها الأصلية الباهظة!
إن قيمة القدرات العسكرية العراقية – حسب المشهداني- التي تزيد على 250 مليار دولار، دمّرت جميعها وضاعت، مضافاً إليها 125 مليار دولار صرفت من خزينة الدولة على إعداد الكوادر في جميع المجالات، وتحديداً على أولئك الذين أرسلوا في بعثات إلى الخارج خلال الثلاثين عاماً الماضية، الذين بلغ عددهم أكثر من 250 ألف كلّف إعداد كل شخص منهم مبلغاً يزيد على 500 ألف دولار!
مخصصات النفط مقابل الغذاء!
كذلك هناك مبلغ 50 مليار دولار، هو المخصصات التي حصل عليها العراق بناء على عملية "النفط مقابل الغذاء"، وقد جرى إنفاقها أثناء الحصار على شراء معدات مدنية جرى تشغيل بعضها، وركّب بعضها دون تشغيله، وبقي معظمها في الصناديق. لقد شحنت هذه المعدّات في أكثر من ألف شاحنة إلى خارج العراق، ولا يعرف ما إذا كانت بيعت أم وزعت كهدايا من الأميركيين إلى بعض حلفائهم! كذلك تعرضت صناعة النفط الوطنية لأكبر عمليات التدمير على أيدي المحتلين، وطوردت كوادرها بعمليات الاغتيال فهرب الكثيرون إلى الخارج. إن الاحتلال يقوم بتصفية للكفاءات المتميزة هدفها إفراغ العراق من أبنائه المبدعين، والإبقاء فقط على أولئك الذين لا تنهض الدولة على أكتافهم، كما يقول المشهداني ورفاقه!
كنوز جزيرة بحيرة الثرثار!
تقول مصادر الأخبار أن أي متجوّل على الطرق السريعة التي تربط العراق بدول الجوار يستطيع مشاهدة تلك القوافل الهائلة من الشاحنات القادمة في معظمها من محافظة سامراء، حيث توجد جزيرة بحيرة الثرثار المزدحمة بمخازن كنوز العراق العملاقة التي تحتوي على معظم مقدرات وأسرار الدولة في جميع الميادين العسكرية والمدنية، ففي تلك الجزيرة تنهض المباني والمنشآت على حوالي مليون هكتار (الهكتار 2500 متراً) ويقول أحد المسؤولين في مجلس حكم مدينة سامراء أنهم فوجئوا بعد الاحتلال بالمقاولين الأجانب يجتاحون الجزيرة ويبدأون شحن محتويات مخازنها التي تحتاج إلى أساطيل وإلى سنوات من الشحن، وأن محافظ المدينة حاول في البداية التصدّي لهم مستعيناً بالشرطة العراقية، لكن قوات الاحتلال الأميركية منعته من ذلك! لقد باع الأميركيون هذه الثروات التي تتضمن كل ما تحتاج إليه دولة حديثة للمقاولين الأجانب بموجب عقود وقعها عسكريون أميركيون: أسلحة ومعدات حربية لم تستخدم بعد، وكميات ضخمة من المواد التموينية، ومعدات مدنية صناعية بينها أنظمة كومبيوتر عملاقة معدّة للتعامل مع صناعة الأقمار الاصطناعية، ومعدّات وأجهزة لصناعة الآلات الصناعية! إن تلك المنشآت الهائلة، التي تحمل اسم "منشآت صلاح الدين" لم تفتتح رسمياً قبل الاحتلال، وبعد الاحتلال انهمك المقاولون الأجانب في تفكيكها وشحنها إلى الخارج تحت إشراف العسكريين الأميركيين! يضيف عضو مجلس الحكم المحلي لمدينة سامراء: إن ثروات العراق تنهب لتباع في الخارج، أو لتهدى إلى أولئك الذين وقفوا مع المحتل ممن يسمون بالحلفاء، وأن عملية النهب المنظم يمكن أن تستمر لسنوات!
استحالة التطور والنمو سلمياً!
إن ما يتردّد عن إعادة إعمار العراق، وعن التطوير والتنمية السلمية في ما يسمونه بالشرق الأوسط الأكبر، وفي مجمل العالم خارج دائرة المليار الذهبي، ليس سوى خليطاً من أضاليل قيادة النظام الربوي العالمي وأوهام قادة الأمم المضطهدة المحرومة، ففي ظل هذا النظام العالمي الذي دخل مرحلة الاستعصاء وأصبح أكثر استعداداً لارتكاب جرائم الإبادة الشاملة يستحيل سلمياً تأمين الحدّ الأدنى من شروط الحياة الأولية، وليس تحقيق التوازن والتكافؤ في تطور الأمم، وإن العراق وفلسطين هما المثال الحي على وجود هذه الاستحالة.
إن قانون اللا مساواة، واللا تكافؤ، وفرض التفاوت الهائل في النمو والتطور بين الأمم، هو القانون الثابت الذي يحكم العلاقات الدولية منذ مئات السنين، والذي كانت مخالفته وما زالت تضع أصحابها تحت طائلة حرب التدمير الشامل، وإذا كان النظام العالمي بقيادة الأنكلوسكسون الصهاينة قد بلغ اليوم حالة التهتك والانكشاف، بحيث صار عاجزاً عن تمويه قانونه الاحتكاري العنصري بالذرائع الوطنية والأخلاقية كما كان يفعل في الماضي، فإن ذلك لا يعني أبداً إمكانية قبول قادته طوعاً بتطبيق العدالة. إن مثل هذا القبول مستحيل، ولنضع ثلاثة خطوط تشديد وتأكيد تحت كلمة "مستحيل"!
غير أن استعداد قادة النظام العالمي لترديد الأكاذيب المكشوفة وارتكاب الجرائم شبه العادية العلنية لتحقيق أهدافهم الوحشية لا يعطي دليلاً على القوة، بل دليلاً على الضعف في ذروة القوة! وهكذا تغدو المقاومة الواعية على أراضينا حالة مفروضة علينا ولا نملك خياراً سواها، وإلا فالموت من دون مقاومة، ويغدو الرهان عليها كوسيلة وحيدة لخلاص أمتنا وخلاص العالم عموماً رهاناً يتفق تماماً مع حقائق الوضع البشري التاريخي الراهن.
www.snurl.com/375h