ثلاث دعائم للنظام الأمريكي

بقلم: نصر شمالي

بعد الذي أسفر عنه احتلال العراق من نتائج معكوسة مباغتة لم تكن في الحسبان، وبعد الذي انكشف من ممارسات المحتلين الشنيعة ضدّ الأسرى العراقيين، وبعد أن أصبح واضحاً للعيان المأزق الكبير الخطير الذي وقع فيه النظام الأميركي، تزاحمت الانتقادات الحادة لإدارة بوش مقترنة بالنصائح المخلصة من قبل أعيان النظام الأميركي وكتبتهم وأصدقائهم! أما الانتقادات فقد اعتبرت أن ما يحدث هو من فعل الإدارة الحالية وحدها، وليس من فعل النظام الأميركي بجميع عهوده وإداراته منذ ظهر هذا النظام، فقد صوّر المنتقدون الأميركيون وأصدقاؤهم في العالم ما يحدث في العراق استثناءً وليس قاعدة،عابراً وليس دائماً، وأن كل ما على الولايات المتحدة فعله للخروج من المأزق بسرعة هو تصحيح هذا الانحراف الطارئ المؤقت والعودة إلى صورتها الحقيقية المشرقة! وأما النصائح، وخاصة نصائح الكاتب توماس فريدمان والمرشح الديمقراطي للرئاسة ليندون لاروش، فمن الواضح أنها أخذت على الإدارة الأميركية أسلوبها الفاشل، وليس غاياتها المنحطة التي كانت دائماً غايات النظام الأميركي عبر تاريخه!

"إسرائيل الكبرى" الأنكلوسكسونية!

إن الحقيقة التي يجب أن تكون واضحة على الدوام هي أن الإدارات الأنكلوسكسونية نهضت منذ عام 1630 على ثلاث دعائم هي: 1- اعتماد الخرافات التلمودية الفظيعة بما ترتب عليها من حق في استباحة الأغيار دماً وأرضاً وثروة. 2- تقديس المغامرة والنجاح الفردي بغض النظر عن الوسائل 3- احتقار الضعفاء والفقراء واعتبارهم يستحقون ضعفهم وفقرهم ومصيرهم! فمنذ ذلك التاريخ، حين رست السفينة الإنكليزية "آربيلا" بحمولتها من الأنكلوسكسون البيوريتان في ميناء ساليم (ولاية ماساشوسيتس في ما بعد) وقف قائد الحمولة الاستيطانية الإبادية المحامي جون وينتروب، وألقى موعظة تضمنت هذه المعاني الثلاث التي شكلت ظروف ولادة النظام الأميركي، والتي بقي أسيرها حتى يومنا هذا!

لقد نزل الأنكلوسكسون في أميركا باعتبارها "أرض الميعاد" حسب العهد القديم، وتعاملوا مع شعوبها باعتبارهم الكنعانيين الفلسطينيين العرب الذين يستحقون شرعاً الإبادة التامة سواء قاوموا أم لم يقاوموا، واعتبروا الملك الإنجليزي الظالم الذي يحكم لندن بمنزلة فرعون، وأنهم خرجوا واجتازوا المحيط إلى أميركا كعبرانيين، مثلما خرج العبرانيون القدامى من مصر واجتازوا سيناء إلى فلسطين! إن هذه التصورات وغيرها هي التي حكمت ومازالت تحكم تفكير وسلوك الأنكلوسكسون الأميركيين (حوالي 80 مليوناً من سكان الولايات المتحدة) وهو الأمر الذي ما زال غير معروف جيداً في بلادنا للأسف الشديد! لقد وضعت منذ ذلك التاريخ (1630) حجر الأساس لدولة "إسرائيل الكبرى" على أرض القارة الأميركية، أما فلسطين التي احتلت بعد ذلك بمئات الأعوام فهي التتويج والاستكمال لإسرائيل الكبرى الأميركية التي صار العالم بمجمله اليوم مجالاً حيوياً مستباحاً لها، وفي مقدمته بلادنا العربية والإسلامية!

الإبادة والاستيطان.. والإبادة والاستيطان!

وهكذا، فإن ما حدث للأسرى والأسيرات في العراق ليس جديداً، وليس من فعل بعض الجنود وحدهم، ولا من فعل الإدارة الأميركية الحالية وحدها، ففي عام 1870، عبر حرب الإبادة والاستيطان الضارية، كانت فروة رأس الهندي الأحمر المسلوخة تباع في مدينة "دنفر" الأميركية بعشرة دولارات، تأجيجاً لحماسة المستوطنين وتشجيعاً لهم على تطهير البلاد من أصحابها! وفي مدينة "سنترال سيتي" وصل سعرها إلى خمسة وعشرين دولاراً، وفي مدينة "ديدوود" وصل إلى مائتي دولار، وكانت قطعان المستوطنين الرعاع تفاخر بغنائمها من الرؤوس البشرية! أما القوات النظامية فكانت لها أساليبها الأخرى، فبين العامين 1862-1863، وبتوجيه من قائد المنطقة العسكري الجنرال جيمس كارلتون، دمّرت القرى الهندية بمن فيها، ولم يقتل سكانها فحسب، أطفالاً ونساءً ورجالاً، بل أتلف أيضاً ما يساوي أكثر من مليوني جنيه إنجليزي من الغلال الزراعية العائدة للهنود، وعندما صوّت الكونغرس (كالعادة حتى اليوم) على شجب ما تعرض له الأسرى الهنود، وعلى منح سلفة قدرها مائة ألف دولار (سلفة وليس تعويضاً أو مساعدة!) لإنقاذ الأسرى من قبيلة نيفاجو من الموت جوعاً وبرداً ومرضاً، فإن "مكتب الشؤون الهندية" الذي كان بمنزلة مجلس الحكم للهنود سرق ما يعادل سبعين ألفاً من تلك السلفة، ولم يصل من الأدوية والأغذية والألبسة إلا ما يساوي ثلاثين ألفاً فقط! لقد حدث هذا في عهد الرئيس المحترم ابراهام لينكولن! وفي شهر أيار/مايو 1868 هلك أكثر من ألفي أسير من أصل عشرة آلاف في أحد معسكرات الأسر!

الإبادة بأقل تكلفة وبأقصر وقت!

عام 1871، في كامب غرانت بولاية أريزونا، هاجمت قطعان من المستوطنين، القادمة من مدينة توكسون، ثلاثمائة طفل وامرأة وشيخ من الهنود كانوا يعملون في الحقول المخصصة لهم (مؤقتاً طبعاً وتحت حراسة مشدّدة من الجيش!) فقتلوا 118 امرأة و8 شيوخ، وأسروا ثلاثين طفلاً حملوهم لبيعهم كأرقاء في مناطق أخرى! وقد غضب الرئيس الأميركي غرانت غضباً شديداً، مثل غضب الرئيس بوش اليوم، حين سمع بأخبار المجزرة، وفي هذه المرة طالب بمحاكمة القتلة، فكان له فعلاً ما أراد، غير أن القاضي قال للمحلفين الأنكلوسكسون: إن قتل الهنود ليس جريمة! وأطلق سراح المتهمين!

لقد أبيد عشرات الملايين من الهنود الحمر في طول القارة وعرضها، وما ذكرناه ليس إلا أمثلة بسيطة من مجلدات زاخرة بأنباء ذلك الاستيطان الصهيوني الأول والأعظم، الذي انطلق منذ القرن السادس عشر، والذي تواصل مع سلسلة طويلة من المعاهدات (من شاكلة خارطة الطريق وغيرها) بلغ عددها 370 معاهدة واتفاقية عقدتها الحكومة الفيدرالية الأميركية مع القادة الهنود، فكانت كل معاهدة تبدو نهائية ومستكملة لجميع الشروط الأصولية والقانونية، وغير قابلة للانتهاك، لكنها انتهكت جميعها الواحدة تلو الأخرى، فكل منها كانت تعقد فقط لتثبيت الأمر الواقع والوضع الراهن عند الحدّ الذي بلغه، ثم تنكشف في ما بعد عن مجرّد خديعة هدفها إنهاك مقاومة الضحايا كي يتحقق القضاء عليهم بأقل تكلفة وبأقصر وقت!

لا حرام ولا حلال، بل نجاح أو فشل!

هاهم المتحضرون الديمقراطيون الأنكلوسكسون يتظاهرون اليوم بأنهم يلومون إدارتهم على ما يحدث في العراق! أما الحقيقة فهي أنهم يلومونها لأنها لم تنجح في تحقيق أهداف النظام الوضيعة بواسطة ألاعيب المعاهدات، بأقل تكلفة وبأقصر وقت، ولأنها لم تعرف كيف توظف العرب والأتراك والإيرانيين لتحقيق أهداف هذه المرحلة، قبل أن تنتقل لذبح العرب الآخرين والأتراك والإيرانيين تباعاً كلاً في حينه!

ليس الحرام والحلال، والباطل والحق، والإنسانية والوحشية، بالمعايير التي توجه على أساسها الانتقادات إلى الإدارة الأميركية الحالية، بل النجاح والفشل هو المعيار الوحيد، بغض النظر تماماً عن أسباب النجاح مهما كانت إجرامية قذرة! لقد هبوا يلعبون لعبتهم الكلامية الخطابية، كما فعلوا دائماً عبر تاريخهم، بسبب شبح الإخفاق في العراق وفي فلسطين وليس لأي سبب آخر على الإطلاق، فالنظام الأميركي مازال أسير ظروف ولادته، التي تلخصها تلك الدعائم الثلاث المذكورة، والتي لا ندري إن كان قادراً على التحرر منها، والويل ثم الويل لمن يستسلم للتهديدات، أو يطمئن للوعود والعهود، أوينخدع بخطابات الانتقاد التي تتظاهر كذباً بالإشفاق على الضحايا، وتنطق تضليلاً بما يشبه الدعوة إلى الحق والعدل!

www.snurl.com/375h

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1