الديمقراطية المستبدّة، والديمقراطيون المتوحشون!
حدثني صديق، انتسب في فرنسا إلى مدرسة لتعليم الأجانب اللغة الفرنسية، أن المعلمة طلبت منهم ذات يوم التمرّن على كتابة قصة قصيرة بالفرنسية مستمدة من الحياة المعاشة في بلدانهم، فكتب طالب أميركي قصة خلاصتها أنه عمل سائقاً عند أسرة أميركية تتكون من الأب والأم والابنة، وأنه في أحد المشاوير، حين اجتيازهم لإحدى الغابات، أوقف السيارة، وقتل الأب والأم، ثم اغتصب الابنة وقتلها، ومضى متوارياً كأنه لم يفعل شيئاً! ذهلت المعلمة الفرنسية وهي تقرأ القصة، وسألته واجمة: ما هذا؟! أجاب بنبرة غضب واستنكار للحياة في الولايات المتحدة: هذا ما يحدث يومياً في الحياة الأميركية المعاشة! غير أن الإدارة الأميركية ما زالت قادرة، ويا للعجب، على تقديم نظامها باعتباره النظام الأمثل، وعلى عرض طراز الحياة الأميركي باعتباره يستحق التعميم عالمياً بالاقتناع وإلا فبالإكراه!
إن البرامج الترفيهية الأميركية التي تسيطر على حوالي تسعين بالمائة من العروض التلفزيونية لبلدان العالم، بما فيها الأوروبية، لا تدع مجالاً للشك في حقيقة ما ذهب إليه الطالب الأميركي، ومع ذلك فإن في بلادنا من يرى في النظام الأميركي الديمقراطي قدوة تحتذى، ويرى في إدارته نصيراً رئيساً للحق والحرية وحقوق الإنسان، وقد أسهم بعض هؤلاء في التمهيد لاحتلال العراق باعتباره تحريراً، وهم يحاولون اليوم، مثل الإدارة الأميركية، الزعم بأن ما حدث للأسرى العراقيين والأسيرات العراقيات جريمة وحشية محصورة لا يجوز تعميمها، غير أن جميع الوقائع التاريخية وجميع البرامج الترفيهية الأميركية تؤكد حقيقة ما ذهب إليه الطالب الأميركي، بصدد الديمقراطية المستبدّة والديمقراطيين المتوحشين!
الأمة العربية تستسيغ الاستبداد !
إن البعض من أبناء أمتنا يردّدون كالببغاوات أن الاستبداد ملازم لحياة العرب والمسلمين عبر جميع العصور، لأن الشرقيين، وأولهم العرب، يستمرئون الاستبداد بطبيعتهم! إنها أحكام المستشرقين وطغاة العالم ترّددها بعض الألسنة العربية من دون تمحيص، أو بسوء نية! والحال أن الأمة العربية عاشت على مدى قرون، بل عصور، أوضاعاً متقدمة جداً من حيث الحرية الروحية والنفسية والذهنية والمادية، ومن حيث رعاية حقوق الإنسان والحيوان والنبات، وذلك قبل أن تخرج أوروبا الغربية والشرقية والشمالية من غياهب البدائية الوحشية بألفي عام على الأقل! وسواء في زمن حمورابي، أم في زمن هارون الرشيد، أم في زمننا هذا، ظل إنساننا قادراً على اجتياز مدينة كبرى من أقصاها إلى أقصاها مشياً على الأقدام، وحيداً في عزّ الليل، من دون أن يتعرض عموماً لما يقلقه، مع ثقته التامة من استطاعته طرق أي باب مغلق، أو إيقاف أي عابر سبيل، للاستفسار أو لطلب حاجة طارئة، فهل هذا كان ممكناً بالأمس وما زال ممكناً اليوم في البلدان الأميركية؟ لقد كان الاستبداد دائماً، عبر جميع العصور، متناقضاً مع ثقافة ومعتقدات وتقاليد أمتنا العربية، وهو بقي كذلك حتى في أحلك عهوده السياسية، وبقيت الأمة في منأى عنه سواء في علاقاتها الداخلية أو الخارجية غير الرسمية، حيث احترام الآخر ورعايته سواء أكان قريباً أم غريباً أمر مفروغ منه بداهة، فهو في النسيج التاريخي الأخلاقي والنفسي والروحي لإنساننا العربي، ولا يحتاج إلى تأكيد بواسطة النظم والقوانين الوضعية كما هو الحال في الولايات المتحدة وغيرها.
الديمقراطية هي النظام الأمثل!
لقد غدت الديمقراطية بمفهومها الأوروبي الأميركي كأنما هي النظام الوحيد الصالح المسلّم به كونياً عبر جميع العصور، علماً أن القول بذلك ليس علمياً ولا منطقياً، وأنها ليست الصورة المثلى ولا النظام الأمثل لمطلق حياة بشرية في مطلق زمان ومكان، فهي مجرّد علاقة تعاقدية تنظيمية، تلتزمها قوى اجتماعية متكافئة نسبياً، لكنها متضاربة في المصالح، ساعية إلى معالجة اختلافاتها وخلافاتها سلمياً، مع اعترافها ضمنياً أن كل قوة اجتماعية سوف تستفيد من النظام الديمقراطي بمقدار ما تمتلك من الحرية المادية والمعنوية، وبالفعل، عندما بلغت الديمقراطية الأوروبية/ الأميركية أوجها في القرن العشرين، كانت ولا تزال طبقات اجتماعية مسحوقة تحت نير استبداد ديمقراطية النخب، ويمكن العودة إلى رواية جون شتاينبك (عناقيد الغضب) لنرى الفظائع الديمقراطية التي تضمنتها، وقد تداول الكونغرس في مضمون الرواية، وتساءل الرئيس الأميركي: هل هذا يحدث في الولايات المتحدة؟
ولكن الديمقراطية الأوروبية/الأميركية ظهرت بالأمس، في القرن السابع عشر، فهي ليست أزلية، وقبل ذلك كان الاستبداد بأفظع صوره وأشكاله هو السائد في كل مكان من أوروبا، وكانت الشعوب الأوروبية أشبه بالرقيق، بل هي كانت في معظمها أقناناً حقاً، والملك يعتبر نفسه ممثل الله على الأرض، وعندما نهضت ديمقراطية كرومويل البرلمانية، الإنكليزية البيوريتانية، في القرن السابع عشر، كانت ديمقراطية استبدادية دموية في الداخل والخارج، وكذلك حال الديمقراطية الفرنسية التي ظهرت في القرن الثامن عشر، ومثلهما وأكثر الديمقراطية الأميركية في حروبها الرهيبة ضدّ الطبقات والأعراق في الداخل وضدّ الشعوب والأمم في الخارج، ولا عجب في ذلك، حيث مصطلح الديمقراطية مأخوذ عن الإغريق القدامى، وهو كان معمولاً به في أثينا الديمقراطية لصالح ستين ألفاً من السادة الملاكين ضدّ ستمائة ألف روح من الإغريق العبيد (هم مجمل الشعب) الذين لا يملكون شيئاً على الإطلاق بما في ذلك ذواتهم، لأنهم كانوا رقيقاً خارج اللعبة الديمقراطية التي هم موضوعها باعتبارهم مجرّد ممتلكات!
الحرية والتحرير والاستقلال أولاً !
إن أنصار الديمقراطية الأوروبية/ الأميركية لا ينكرون عبث الأميركيين والإنجليز بها وامتهانهم لها دولياً، لكنهم يواصلون التصرف كأن هناك مثلاً ديمقراطياً أعلى قائماً يعجز العرب عن الاقتداء به نتيجة استمرائهم للاستبداد! ويتمادون في تقريع أمتهم وجلدها، متكئين على ارتكابات بعض الفصائل العربية والإسلامية المسماة أصولية، والتي ليست أصوليتها سوى انعكاس منطقي مفهوم للأصولية الأوروبية/الأميركية، فيطال التقريع والجلد ملايين البسطاء الغلابا، المتدينين، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم لا يحبون الديمقراطية الأميركية كما يرونها في العلاقات الدولية الظالمة، وفي برامج الترفيه التلفزيونية السامة!
والحال أن الأمة العربية بوضعها الراهن (أو أية أمة أخرى) لا تستطيع تحقيق الديمقراطية الفعلية قبل نيل الحرية المادية والمعنوية، أي نيل الاستقلال الحقيقي وليس الشكلي، وإلا كانت ديمقراطية هزلية مأساوية كما هو الحال في بعض أقطارنا التي تعمل بها، فدويلاتنا في معظمها مجرّد مناطق مدارة لكل منها حكمها الذاتي، كما برهنت المحاولة الفاشلة لعقد مؤتمر القمة، وبالتالي فأمتنا ليست حرّة، حيث أراضيها مقطعة ومسلوبة، ومجتمعاتها ممزقة ومبعثرة، وثرواتها مبدّدة ومنهوبة، وإرادتها معطلة، ولذلك فإن المهمة التاريخية البديهية الأولى المطروحة اليوم هي استرداد الأمة لذاتها ولممتلكاتها ولحقوقها، أي لحريتها واستقلالها، وهذا لا يتحقق إلا عبر معارك من نوع آخر قد لا يتفق مع علاقات بلا أساس، هزلية ومأساوية، تقلّد الأوروبيين والأميركيين!
إننا نتطلع إلى الحرية والتحرير والاستقلال، وإلى صياغة علاقات إنسانية تتفق مع هذا التطلع وتكون تتويجاً له بعد تحقيقه، ولا ضير في أن تحمل العلاقات المنشودة عنوان الديمقراطية إذا لم نقع في لغتنا المحيط على مصطلح آخر !
www.snurl.com/375h