الدوافع والمدلولات الأبعد للحرب في العراق !
عندما يتعرض الوطن بجميع مكوناته لخطر التقويض والهلاك على أيدي الأجنبي فإن المصائب الداخلية تغدو ثانوية مهما عظمت، ولا يفاضل بين الخارجي والداخلي في حالة كهذه إلا جاهل أو انتهازي أو مارق! وبالفعل رأينا جحافل العراقيين الواعين الشرفاء تنخرط في المقاومة لحظة وضع الأجنبي قدمه على تراب الوطن، مدركة حقيقة برنامج الاستئصال والدمار الشامل الذي جاء يحمله للعراق، منطلقة من حيث وصل إخوتها الفلسطينيون في مقاومتهم للإباديين الأنكلوسكسون الصهاينة، وموقنة أن النصر سوف يكون حليفها! ولقد رأينا في صفوف المقاومة أعداداً كبيرة من أولئك الذين عانوا قسوة الاستبداد وقد تجاوزوا جراحهم لصالح الأمة، وبالمقابل رأينا كيف انهارت بسرعة أوهام الجهلة وادعاءات الانتهازيين والمارقين الذين صوّروا العدو الاستئصالي المتوحش حكيماً ديمقراطياً، ونزيهاً عادلاً، ومنقذاً متطوعاً!
الحلول السهلة للمسائل الصعبة!
ولكن، يتوجب الاعتراف أن ادعاءات الانتهازيين والمارقين انطلت على كثيرين لبعض الوقت، فهل كان ممكناً حدوث ذلك بكل ما ترتب عليه من بلبلة ضارة لولا ضعف الوعي بحقيقة النظام الربوي العالمي وبحقيقة قانون التفاوت الملازم لوجوده؟ ولذلك سوف نكرّر، ونستطرد، ونقول أن العراق يدفع اليوم حصراً ثمن محاولته الخروج على قانون التفاوت المطلق، الذي يمنع تحت طائلة أقسى الإجراءات القمعية أية محاولة للنمو والتطور المستقل المتكافئ، يقدم عليها قطر من الأقطار، إلا إذا كانت محتواة سلفاً من قبل النظام الربوي الدولي، وموظفة لصالحه على حساب الأكثرية الساحقة من البشر.
إن قانون التفاوت في النمو والتطور بين الطبقات والشعوب والأمم هو الذي حال دون نهوض روسيا بقيادة بطرس الأكبر في القرن الثامن عشر، ودون نهوض مصر والعرب بقيادة محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، ودون نهوض الصين بقيادة صن يات صن في القرن العشرين، وفي عام 1895، تاريخ تحوّل بريطانيا إلى إمبريالية، روى صحفي يدعى ستيد أن صديقه الحميم سيسيل رودس حدّثه عن تطلعاته الإمبريالية فقال:" كنت أمس في الايست اند (حيّ العمال في لندن) وحضرت اجتماعاً للعمال العاطلين، وقد سمعت هناك خطابات فظيعة كانت من أولها إلى آخرها صرخات: الخبز! الخبز! وأثناء عودتي إلى البيت كنت أفكر بما رأيت، وتبينت أوضح من السابق أهمية الإمبريالية، والفكرة التي أتطلع إلى تحقيقها هي حلّ المسألة الاجتماعية، أعني: لكي ننقذ أربعين مليوناً هم سكان المملكة البريطانية من حرب أهلية مهلكة ينبغي علينا نحن الساسة طلاب المستعمرات الاستيلاء على أراض جديدة نرسل إليها فائض السكان، ونؤمن أسواق جديدة لتصريف البضائع التي ننتجها، فالإمبراطورية هي مسألة بطون، وإذا كنتم لا تريدون الحرب الأهلية ينبغي عليكم أن تصبحوا إمبرياليين"!
المال، والمستعمرات، واستهلاك الطاقة!
في عام 1910 كان حجم الكتلة المالية النقدية المعتمدة دولياً في حدود 600 مليار فرنك، تستحوذ أربع دول، هي إنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، على كمية 479 ملياراً منها! أما باقي الكتلة المالية النقدية الدولية، وهو 121 ملياراً، فموزع على أحد عشر دولة هي: روسيا، النمسا، إيطاليا، اليابان، هولندا،بلجيكا، إسبانيا، سويسرا، الدانمرك، السويد، والنروج! وحصص هذه الدول تبدأ حسب التسلسل بمبلغ 31 ملياراً وتنتهي بمبلغ 2.5 مليار! ولنلاحظ أنها جميعها دول أوروبية تشكل الولايات المتحدة امتداداً لها، ماعدا اليابان الآسيوية التي كانت حينئذ تقوم بمحاولة جبارة للخروج على قانون التفاوت، إنما بالروح السياسية الأوروبية ذاتها! ولنلاحظ أن الدولة العثمانية، أو الرابطة الإسلامية، لا وجود لها في اللائحة المالية الدولية على الإطلاق، فهي وكل من لم يرد في اللائحة دول مديونة أو تابعة أو مستعمرة!
وفي عام 1919 تحقق الكثير من تطلعات مستر رودس، فها هي الدول الأوروبية الغربية، وفي طليعتها بريطانيا، تستعمر عسكرياً بلداناً بلغت مساحتها 97.8 مليوناً من الكيلومترات المربعة، أي ما يعادل 72% من مساحة الكرة الأرضية، وتستعبد الشعوب التي تعيش في تلك المساحات وتعدادها في حدود 1235 مليوناً من البشر، أي 70% من سكان العالم حينئذ!
لقد كانت الأساطيل الحربية الأوروبية، وخاصة الأنكلوسكسونية، تقوم بدور الشرطي القضائي لجباية فوائد القروض طوعاً أو كرهاً من مصر والصين ودول أميركا الجنوبية، علماً أن الرأسمال الموظف في الخارج كان يوجه في المقام الأول إلى البلدان التابعة أو الحليفة، أما المستعمرات فتدار وتنهب مباشرة! وكان واضحاً تماماً، منذ ذلك التاريخ، انقسام العالم إلى حفنة من الدول المرابية الدائنة وأكثرية هائلة من الدول المستعبدة والمديونة!
في عام 1971 بلغ استهلاك العالم من الطاقة 7 مليارات طن كانت موزعة على النحو التالي: 2500 مليون طن، أي أكثر من الثلث، للولايات المتحدة الأميركية وحدها! و2000 مليون طن، أي أقل من الثلث لبلدان أوروبا الغربية ومعها اليابان! و 2000 مليون طن أيضاً للاتحاد السوفيتي ودول حلف وارسو ومعها الصين الشعبية! وما تبقى وهو 500 مليون طن طاقة لجميع بلدان ما كان يسمى بالعالم الثالث، أو دول الجنوب! والمغزى واضح تماماً، وغني عن أي شرح، فحجم استهلاك الطاقة هو الذي يحدّد حجم النمو والتطور المادي وما يترتب عليه من ازدهار ورفاه اجتماعي، والتوزيع الجائر لاستهلاكها لم يكن محصلة خصائص حضارية وعرقية بل محصلة القسر بواسطة القوة الباغية الصماء العاملة على فرض قانون التفاوت!
هيئة الأمم غطاء للخدعة الكبرى!
في عام 1945 تأسست منظمة الأمم المتحدة، وفي عام 1949 دعت واشنطن على لسان الرئيس الأميركي إلى إعادة إدماج المستعمرات المستقلة حديثاً في الاقتصاد العالمي (أي احتوائها استعمارياً بصورة أخرى!) وبما أن منظمة الأمم المتحدة أنشئت لهذا الغرض بالضبط وليس لغيره، فقد سارعت إلى تبني دعوة واشنطن، وأنشأت الهيئات الخاصة الفرعية الكفيلة بتحقيق الغرض المطلوب، وبالطبع تبنّت الدعوة جميع الدول الصناعية ومؤسساتها المالية والاقتصادية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كذلك تبنى الدعوة الأميركية خبراء المال والاقتصاد والسياسة في الجنوب المسمى بالعالم الثالث، أو كتلة الدول النامية، لتنطلق حمى محاولات النمو والتطور في نطاق الشبكة المصيدة التي نصبتها واشنطن، وقد مرّت عقود قبل أن تنكشف اللعبة الربوية، التي تمخضت عن دمار شامل، اقتصادي واجتماعي وسياسي، طال الأكثرية الساحقة من الأمم، حتى أن ديون إحدى دول أميركا الجنوبية زادت 250 مرّة عن مجمل منتوجها القومي! وبعد أن استهلكت إدارة النظام الربوي العالمي المنظمة الدولية وتفرعاتها، وصارت الأمم تطالب بإلغاء الديون التي يستحيل سدادها، أسفرت هذه الإدارة عن وجهها الديكتاتوري الأميركي، وأدارت ظهرها حتى للشكليات المنطقية، وعادت إلى أسلوب الاحتلال العسكري والاستعمار المباشر، كما نراه اليوم في العراق وغيره!
نظام لم يعد قابلاً للحياة !
لقد بلغ النظام الربوي العالمي ذروة صعوده وجبروته، وبلوغ هذه الذروة يعني بداية الهبوط والاضمحلال، وليس أدلّ على ذلك من العودة إلى الأسلوب القديم، أسلوب الاحتلال العسكري، خلافاً لما بلغه العالم من تطور لا يسمح أبداً بمثل هذه العودة الفاقدة سلفاً لكل جدوى!
يقول هيغل:"كل شيء كان واقعاً في ما مضى يصبح في مجرى التطور غير واقع، ويفقد ضرورته وحقه في الوجود، ويفقد صفته المعقولة، ومحل الواقع المحتضر يحلّ واقع جديد صالح للحياة، سلميّاً إذا كان القديم عاقلاً، بحيث يتقبل مصيره من دون مقاومة، أو بالعنف إذا عارض القديم هذه الضرورة"!
إن المقاومة في فلسطين والعراق تعبّر عن الجديد الصالح للحياة، وعن الضروري الذي له حق في الوجود، أي أنها تعبر عن المستقبل، أما الأنكلوسكسون والصهاينة فقد فقدوا كل صفة معقولة، وأصبح واقعهم في حالة احتضار، حيث النظام الربوي العالمي الذي يتمسكون به ويحاولون فرضه بالقوة الباغية لم يعد قابلاً للحياة.