قانون التفاوت يحكم العلاقات الدولية!
على مدى النصف الثاني من القرن العشرين حاولت دول عربية عديدة تنفيذ برامح وخطط خمسية تنموية طموحة، اقتصادية بالدرجة الأولى، فانهمك قادتها وخبراؤها في محاولة الإحاطة بأوضاع وإمكانيات بلدانهم، وفي السعي للحصول على مساعدات نزيهة خارجية، مالية وتقانية، وهم اجتازوا مسافات مهمة مؤثرة تمثلت بنهوض القطاع العام كبنية تحتية مادية وبشرية، غير أن حدّاً معيناً لم يتمكنوا أبداً من تخطيه، ولم يتحقق أبداً، في أي ميدان، قدر كاف من الاستقرار البعيد المدى، غير القابل للنكوص أو التقويض، ثم شهدت نهايات القرن انهيار تلك الإنجازات والمحاولات، وبرز القطاع العام كأنما هو عقبة ضخمة في وجه النمو، فبدأت عمليات تصفيته في بعض البلدان، ولم يتردّد بعض القادة والخبراء الجدد في اعتباره خطأ فادحاً من الأساس، وفي الدعوة للالتحاق باقتصاد السوق الدولية الليبرالية المفتوحة، وهكذا بدا كأنما تلك الإنجازات الكبيرة كانت جميعها بلا طائل، وأن الأوضاع عادت فانحدرت ربما إلى ما تحت نقطة الصفر، كما في العراق مثلاً!
لقد كنت أفكر على هذا النحو وأنا أستمع إلى تقارير لجان المؤتمر القومي الخامس عشر الذي انعقد في بيروت (19-22/4/2004) وقد عقبت بمداخلة مقتضبة جداً على ما جاء في تقرير التنمية العربية، فأشرت إلى قانون التفاوت الذي يحكم العلاقات الدولية، حيث القاعة المكتظة بحوالي مئتين وثلاثين مندوباً عربياً، من حقهم جميعاً الإدلاء بآرائهم، لا تسمح سوى بمداخلة في حدود بضع دقائق، وهنا سوف أتحدّث أكثر، إنما أيضاً في الحدود التي يتسع لها هذا المجال.
إنهم يعتبرون التفاوت توازناً!
إن العالم محكوم منذ قرون بقانون التفاوت، وهو قانون مطلق من قوانين الرأسمالية الربوية يجري العمل به على مدار الساعة، ويفرض بالقوة العسكرية كلما اقتضى الأمر ذلك!
إن قادة النظام الدولي يعتبرون التفاوت هو التوازن، ولا يسمحون بتطور الأمم جميعها بالسوية نفسها، فيتصدون لأية محاولة يقدم عليها قطر من الأقطار لتحقيق التكافؤ في التطور باعتبارها إخلالاً بالتوازن، وسرعان ما يتعرض مثل هذا القطر إلى اتهامات تتراوح بين تهديد الأمن والاستقرار وبين ممارسة الإرهاب الشرير، ويجد نفسه في خضم من الأزمات المفتعلة، الداخلية والخارجية، التي كثيراً ما تبلغ ذروتها بالعدوان عليه أو احتلاله عسكرياً!
لقد رأينا كيف أعيد التوازن (أي التفاوت!) إلى العلاقات الدولية على مدى عقود من الزمن، بالتصدي لمحاولات التنمية المستقلة في كل من مصر وسورية والجزائر والعراق وغيرها، ثم في التصدّي لتطور ما سمّي بالنمور الآسيوية الذي تجاوز حداً معيناً لا يجوز تخطيه، وإفلاسها في طرفة عين، من دون عمل عسكري، ثم رأينا أخيراً كيف استدعت أوضاع العراق العمل العسكري ضدّه إلى حدّ الاحتلال المباشر!
غير أن قانون التفاوت، الذي لا تقوم للنظام الربوي العالمي قائمة من دونه، لا يمنع أن تلعب المصادفات والضرورات الاستراتيجية التاريخية دورها في جعل بلد ما من البلدان "العدوّة أو الوضيعة" يبلغ سوية عالية من النمو والتطور، مثل سنغافورة ودبي، وألمانيا واليابان، وغيرها! إن ذلك يحدث كمحصلة لحسابات معقدة، وتقديرات إقليمية وقارية دقيقة وعويصة، حيث اقتضى الحفاظ على التفاوت مع إندونيسيا العملاقة إنهاض سنغافورة الصغيرة، العظيمة التطور، على مقربة منها! واقتضى الحفاظ على التفاوت مع الصين الشعبية أن تنهض تايوان وهونغ كونغ على مقربة منها 00 وهكذا! إن سنغافورة ودبي تتفوقان اليوم من نواح كثيرة على دول أوروبية عريقة، بل وعلى بعض الولايات الأميركية! غير أن مثل هذه الظواهر ليست سوى أدوات تضليل من جهة، وابتزاز من جهة أخرى، ناهيكم عن كونها محتواة تماماً في الشبكة الإجمالية للنظام الربوي، ويمكن إعادتها في لحظة واحدة إلى حالتها البدائية الأولى إذا تطلب الأمر ذلك!
الأخذ بيد ألدّ الأعداء!
ومن غرائب هذا العصر أن المنتصرين في الحرب العالمية الثانية أخذوا بيد ألدّ أعدائهم: الألمان واليابان والطليان! وقد حدث أنهم فكروا باختيار الهند كدريئة لمواجهة الصين الشعبية، ولو استقروا على هذا الرأي، في نهاية الأربعينات من القرن الماضي، لكانت الهند تحتل المكانة التي تحتلها اليابان اليوم! غير أنهم اختاروا اليابان لاحتلال هذه المكانة على الرغم من أنها عدوهم الرئيس الذي أنزل بهم أشدّ الخسائر الحربية! ومن جهة أخرى اختاروا ألمانيا، وهي عدوهم الرئيس الآخر، كدريئة في وجه الاتحاد السوفييتي. وبالطبع، وظّفت الفعاليات الذاتية الجبارة للبلدين العدوين المهزومين في صالح تعزيز العصر الأوروبي الأميركي ونظامه العالمي في مواجهة أمم الجنوب والأكثرية الساحقة من البشرية، أي لصالح قانون التفاوت!
وبالمقابل، فمن غرائب هذا العصر أن المنتصرين نظروا إلى العرب، مثلما نظروا إلى الروس والصينيين، باعتبارهم أمة خطيرة على التوازن (الذي هو التفاوت!) وأنهم من الأمم التي يمكن أن تهدّد سيادتهم في منطقة حوض المتوسط في حال امتلاكهم شرطهم السياسي التاريخي، ولذلك حكموا على الأمة العربية بالدمار الشامل، وأقاموا الكيان الصهيوني في قلبها وكبديل عنها، ولم يتوانوا على مدى العقود في عزل ومحاصرة ونسف أية محاولة تنموية عربية، من أي نوع كانت، وآخرها المحاولة العراقية!
ذنوب العراق التي لا تغتفر!
لقد نجحوا في إرباك وتعطيل وإفشال محاولات التنمية المستقلة في مصر وسورية والجزائر إلى هذا الحدّ أو ذاك، وقرروا لأسباب عديدة استئصال العراق من جذوره، وليس إفشال محاولته فحسب! أما الأسباب التي استدعت ذلك فمنها أن العراق دعا لتأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) منذ عام 1960، كي تدافع عن حقوق الدول المنتجة، فكان ذلك ذنباً عظيماً لا يغتفر على الرغم من نجاحهم في اختراق هذه المنظمة والتحكم بسياساتها إلى حد كبير! كما أن العراق أقدم في العام 2000 على التعامل باليورو بدلاً عن الدولار، وبدأت بعض الدول تحذو حذوه، ونظرت دول الأوبك في التحوّل عن الدولار إلى اليورو، فطاش صواب الأميركيين بسبب ما يعنيه ذلك من خطر هائل على قانون التفاوت، وقرروا احتلال العراق لإعادة التوازن في العلاقات الدولية، أي لتأكيد الالتزام العام بقانون التفاوت!
العرب يتحدون القانون العنصري!
إن العرب يدفعون اليوم غالباً ثمن تحدّيهم لقانون التفاوت، وإنه ليتوجب علينا أن نعي جيداً هذه الحقيقة وأن نضعها في المقام الأول ونحن نخوض معاركنا. غير أن الفلسطينيين والعراقيين يكشفون في الوقت نفسه عن الإمكانيات العربية الهائلة، وعن مدى قدرة العرب على الثبات في مواجهة محاولات إخضاعهم أو استئصالهم. وأي برهان أقوى من دخول الأميركيين على أعلى المستويات في مفاوضات لا نهاية لها مع مدينة الفلوجة أو النجف من أجل تثبيت وقف إطلاق النار؟ وأي برهان أقوى من نجاح الفلسطينيين بحرمان الصهاينة من تحقيق أي من أهدافهم السياسية؟
إن العرب يبرهنون اليوم ميدانياً، في فلسطين والعراق، أن أمتهم أهل لخوض معركة إسقاط قانون التفاوت العنصري الصهيوني الذي يكبّل معظم أمم الأرض بأصفاد العبودية، وإن نجاح العراقيين بحرمان المحتلين من تحقيق السيطرة على إنتاج النفط، ومن إقامة قواعدهم العسكرية الثابتة، ومن تشكيل حكومة تابعة، سوف يعني زعزعة أحد الأسس المركزية التي ينهض عليها قانون التفاوت الدولي.
www.snurl.com/375h