كيف نقرأ الخطاب السياسي الأميركي ؟

بقلم: نصر شمالي

خلال الأشهر الماضية، وعبر خطب عديدة، كرّر الرئيس بوش عبارة مفادها أن الإخفاق الأميركي غير مسموح به في العراق، وهو ما يفهم منه أن الإخفاق محتمل أما النجاح فمرجح إن لم يكن مؤكداً، وها هو اليوم يعلن أنه من الصعب تخيّل عواقب الفشل في العراق، فهل بفهم من ذلك أنه بات يرى النجاح محتملاً والفشل مرجّحاً؟

غير أن أغرب ما في الأمر، بصدد مواقف الرئيس الأميركي، أنه في اليوم الذي أظهر فيه تعاظم قلقه بسبب مسارات الحرب في العراق، أطلق يدّ شارون في جولة إبادية جديدة ضد الشعب الفلسطيني من جهة، ونفى من جهة أخرى وجود مقاومة أو انتفاضة شعبية عراقية، موضحاً أن ما تواجهه قواته هو مجرّد أفراد قلائل يعملون ضدّ القانون وضدّ الشعب العراقي! فهل هي تناقضات مقصودة، مدروسة سلفاً، لها أهداف محدّدة يصعب علينا إدراكها؟

الشعوب تواجه تهمة الإرهاب!

بالطبع، ليس من الحكمة الاستخفاف بتصريحات الرئيس الأميركي مهما بدت متناقضة وغريبة، ومهما بدا موقفه حرجاً وصعباً، فهذه التصريحات المدهشة، إذا ما تمعنا فيها، يمكن أن تنمّ عن المدى الذي قد تذهب إليه الإدارات الأميركية في عدوانها من أجل تحقيق مصالحها. إن الرئيس الأميركي يوحي عبر جمله المبتورة عن استعداده للتعامل مع الشعب العراقي بكامله باعتباره إرهابياً يستحق الإبادة، وهو بالفعل تعامل مع أهل الفلوجة على هذا الأساس، ومن الممكن أن يواصل ذلك في النجف وكربلاء وجميع المدن العراقية، وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد طالب الفلسطينيين بتصفية الإرهاب قبل أن يعطيهم "دولة"؟ وبما أن الشعب الفلسطيني يقاوم بكامله، أي أنه من وجهة نظر بوش إرهابي بكامله، فإن طلبه يعني أن على الشعب الفلسطيني أن ينتحر، وإلا فإنه سيبيده!

لقد أدهش الرئيس بوش حلفاءه حين أعلن من دون مواربة أن الجولة الإبادية القادمة هي النهائية ضدّ الشعب الفلسطيني ( مثل تلك الجولة النهائية في عهد ابراهام لينكولن ضدّ الهنود الحمر!) فلا عودة للفلسطينيين في الخارج، ولا تخلّي عن المستوطنات الصهيونية في الضفة، ولا دولة للفلسطينيين، بل معازل يحشرون فيها حتى الاضمحلال والتلاشي، تماماً مثلما حدث للهنود الحمر! وبالنسبة للعراق فإن المصير ذاته يعدّ للعراقيين، ولذلك يكثر الرئيس الأميركي من الحديث عن الإخفاق غير المسموح به، وعن صعوبة تخيل عواقب الفشل!

اختراع الذرائع ومحاولة تأكيدها !

لقد أعلن الرئيس الأميركي أيضاً، وفي الخطاب نفسه، أن إنتاج النفط العراقي أصبح أكثر من المتوقع! إنها رسالة تطمين لرجال المال والأعمال الذين أصيبوا بالهلع في العراق نتيجة الأخطار الجدية التي تتعرض لها توظيفاتهم المالية، خاصة بعد أن راحت عمليات المقاومة تحصد أرواحهم وأرواح حراسهم أيضاً!

أما وزير الخارجية كولن بول فقد طمأنهم بدوره أن العراق لا يشبه فيتنام! لماذا؟ لأنه لا توجد دول مجاورة تدعمه وتمدّه بالسلاح. ومع ذلك فإن التهم توجه في الوقت نفسه إلى دول الجوار!

إن أعضاء الإدارة الأميركية يتحدثون عن مجرّد صعوبات بسيطة، وعن مجرّد أعمال إرهابية محدودة ينفذّها متسللون أجانب، حتى أن وزير الدفاع رامسفيلد انتقد بقسوة المحطات الفضائية العربية لأنها تضخّم أحداثاً تافهة لا تستحق الذكر في الفلوجة وغيرها، لكنه أعلن في الوقت نفسه عن التمديد لعشرين ألف جندي لثلاثة أشهر إضافية في العراق، وقال أن الولايات المتحدة تخوض حرباً وعليها أن تفعل ما ينبغي كي تربحها! إذن، فهم يخوضون حرباً، ولا يواجهون مجرد صعوبات تافهة!

ومع أنه من الصعب الإعلان مسبقاً عن المدى الذي يمكن أن يذهب إليه المعتدون فقد استبق رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الأحداث، وقال في حديث إلى الدوائر الانتخابية في جنوبي إنجلترا أن التعاون الوثيق القائم بين المتطرفين الإسلاميين والدول المارقة للحصول على أسلحة الدمار الشامل يؤكد في حد ذاته ضرورة ابتكار معيار جديد جريء للقانون الدولي، وبالتالي يبرر من تلقاء ذاته التدخل من جانب دولة منفردة أو أكثر في شؤون الدول الأخرى بهدف الإطاحة بالنظم المتطرفة القائمة فيها! إن بلير ينطلق من سياسة الحرب الاستباقية التي أقرتها واشنطن عام 2002، والتي أسست للتعامل مع الشعوب الأخرى باعتبارها إرهابية، وبناء على ذرائع يمكن إثباتها أو عدم إثباتها لاحقاً!

رامسفيلد قبل الاحتلال وبعده!

ليس القادة الأميركيون سوى رجال أعمال، والربح هو معيار نجاحهم أو فشلهم بغض النظر عن وسائل تحقيقه، ولذلك تراهم يبذلون جهداً مضنياً كي يموّهوا الصلة الحميمة بين أهدافهم المالية وبين الحروب التي يجب أن تشن بناء على أسباب أخرى، أخلاقية وقومية وإنسانية! وهم عندما تتطابق أقوالهم مؤقتاً مع ما يجري في ميادين الحرب، ويكون اطمئنانهم كبيراً على مصير توظيفاتهم المالية، تجدهم يتنمّرون ويعاملون الجميع، بما في ذلك أقرب حلفائهم إليهم، بفظاظة وقحة لا مثيل لهما، ولنتذكر رامسفيلد قبل احتلال العراق، حين كان يتوقع استقبال قواته بالورود، كيف راح يتحدث عن أوروبا باحتقار شديد، فهي كما وصفها مجرّد عقار، ولم يترك إهانة لم يوجهها للأوروبيين مرفقة بالتهديدات، لأنهم اعترضوا على احتلال العراق بالطريقة الأميركية، وعندما صار في بغداد أعلن صراحة أنه سوف يحرمهم من غنائم الحرب! لكنه بالأمس، في المؤتمر السنوي لسياسات الأمن الذي انعقد في ميونيخ، كان صامتاً، مهذّباً، يجامل الأوروبيين ويتواضع لهم! أما السبب فهو تردّي أوضاع قواته في العراق، أي تعرّض توظيفاته المالية وتوظيفات أمثاله لخطر الضياع والاحتراق! وهكذا، بطرفة عين، إنما بفضل المقاومة الباسلة، لم يعد الأميركيون يتحدثون عن تحرير العراق من الاستبداد ومحاربة الإرهاب، بل صاروا يتحدثون عن بناء مشروع "الشرق الأوسط الأكبر" انطلاقاً من العراق، الأمر الذي يمكن أن يحظى باهتمام الأوروبيين ويقنعهم بالمشاركة في ضبط الأوضاع واستتبابها في العراق لصالح الديمقراطية وحرية المال والأعمال! وبالفعل، نجحت المناورة الأميركية في جعل فرنسا وألمانيا تبديان استعدادهما للمساعدة، ولكن شرط أن تتقدم حكومة عراقية شرعية بطلب المساعدة إضافة إلى دعم الأمم المتحدة!

الاستيلاء على النفط العراقي واستثماره بالراحة لصالح الأميركيين، وإقامة القواعد العسكرية الأميركية على أرض العراق، وتشكيل حكومة عراقية تابعة قادرة على ضبط الأمن! تلك هي الأهداف التي يعني تحقيقها النجاح ويعني عدم تحقيقها الفشل، وما يترتب عليه بالتالي من عواقب لا يستطيعون تخيّلها، أما ما عدا ذلك فهو مجرّد كلام!

www.snurl.com/375h

Hosted by www.Geocities.ws

1