النظام العالمي في قبضة الأممية السوداء!

بقلم : نصر شمالي

تتردد في بلادنا أصوات تدعو إلى رؤية الوجه الإيجابي للعولمة واقتصاد السوق، قارنة إياه بالازدهار والرفاه، والوجه الإيجابي لمشروع الشرق الأوسط الأكبر، قارنة إياه بالسلام والديمقراطية، بل والوجه الإيجابي للاحتلال العسكري الأميركي، قارنة إياه بالتحرير والحرية! إنها أصوات الجهل والانتهازية والخيانة التي تحاول تضليل الأمة بما يخدم الأعداء، والتي تجافي أقوالها أبسط مبادئ العلم وأكثر حقائق التاريخ بداهة.

إن حقائق التاريخ، المستندة إلى العلم، تؤكد في الحاضر مثل الماضي أن التفاوت في التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بين الطبقات والشعوب والأمم هو قانون مطلق من قوانين الرأسمالية الاحتكارية الربوية. إن قانون التفاوت، المدعوم عسكرياً والمعمول به واقعياً حتى يومنا هذا، لا يسمح بتطور جميع الاقتصادات الدولية بوتيرة واحدة، ولا يسمح بتطور جميع الدول اقتصادياً بالسوية نفسها، بل إن هذا التفاوت هو التوازن، ويا للعجب، من وجهة نظر المرابين الدوليين، وعندما يحاول قطر أو أكثر تحقيق التكافؤ في التطور، فإن المرابين يعتبرون ذلك إخلالاً بالتوازن، ويلجؤون إلى افتعال الأزمات المتنوعة التي غالباً ما تبلغ ذروتها بالحروب، وقد رأينا قبل سنوات كيف أعادوا التوازن (أي التفاوت!) بعملية إفلاس النمور الآسيوية في ليلة واحدة، ومن السهل استعراض عدد من العمليات المشابهة التي تعرضت لها بعض الدول العربية حين حاولت اعتماد برنامج تطور ونمو مستقل!

العالم محكوم بنخبة احتكارية ربوية!

والحال أن العالم أصبح اليوم في قبضة النخبة من الرأسماليين المرابين، التي تتمركز سلطتها السياسية والعسكرية هناك في واشنطن، حيث قدّم الأميركيون الدليل، منذ القرن التاسع عشر، على أن الجمهورية البورجوازية الديمقراطية ليست سوى جمهورية رجال الأعمال، وبرهنوا بالوقائع، ومازالوا، على أن السياسة ليست غير عمل تجاري مثل أي عمل تجاري عادي آخر يبرر كل وسيلة تحقق الربح بغض النظر عن المعايير الأخلاقية، ويمجّد النجاح الفردي بغض النظر عن وسائله! غير أن هذه النخبة الجديدة لم تظهر فجأة ولم تأت من فراغ، بل كان لظهورها مقدماته الطويلة التي ترافقت مع تفاقم أزمة النظام العالمي في سبعينات القرن الماضي، ومع الإحساس العنصري المتنامي بضرورة تحقيق ديكتاتورية عالمية تقطع الطريق على محاولات الأمم للخروج من قانون التفاوت في النمو والتطور، وقد بدأت المقدمات تظهر علانية منذ عهد حكومتي ريغان الأميركي وتاتشر البريطانية، حيث انطلقت تيارات سياسية أوروبية وأميركية (منذ عام 1980 تحديداً) تتحدث عن ضرورة إعادة النظر بما هو شائع ومعمول به من مفاهيم وعلاقات دولية، وعن أن المصير التاريخي للمجتمعات الإنسانية ينهض على النخبة وليس على الجماهير! لقد قيل يومئذ أنه قد آن الأوان للعودة إلى ما قبل عام 1789(عام الثورة الفرنسية) والتحضير لما بعد عام 2000، أي أن تهمل الذاكرة البشرية كل الأحداث الفكرية والسياسية والاجتماعية التي وقعت بين هذين التاريخين، وأن تتحقق العودة إلى حكم الأرستقراطية، حكم النخبة، اعتباراً من العام 2000!

في عام 1980 أعلنت تلك التيارات رفضها لشعارات الثورة الفرنسية عن الحرية والمساواة والإخاء، وانتقدت أدولف هتلر الذي ارتكب خطأ فادحاً عندما أراد وضع العلم في خدمة سياسته، بينما كان يتوجب عليه إخضاع سياسته لقوانين العلم! أما "العلم" الذي قصدوه فهو ذاك الذي ينص على أن فكرة المساواة بين البشر هي محض خرافة (حسب أرسطو) وأن عامل الوراثة هو أهم شيء في تكوين الإنسان، وبالتالي فإن مبدأ تكافؤ الفرص بين الأفراد والشعوب هو أيضاً محض خرافة، وتحقيق الديمقراطية أمر مستحيل، ولا بد من العودة إلى حكم الأرستقراطية (مجلة باري ماتش الفرنسية- العدد 17- تشرين الأول/أكتوبر 1980)! أي أن هتلر- حسب رأيهم- كان يفتقر إلى الحزم والصرامة العلمية التي لا تقبل المناورات السياسية, ولا تسمح بأي قدر من التراخي والتساهل في تطبيق المعايير العلمية الأرسطوية! وجدير بالذكر أن أرسطو في كتابه "السياسة" يقول: "كل من ليس لديه ما يقدمه لنا خير من استعمال جسمه وأعضائه مدان بواسطة الطبيعة للعبودية، وخير له أن يخدمنا من أن يترك لنفسه"! إن على المرء امتلاك شجاعة خرافية، لا إنسانية، كي يستطيع في هذا العصر الإعلان من دون مواربة عن تبنيه لهكذا أفكار ونظريات، ويبدو أنهم يمتلكون مثل هذه الشجاعة، وعلى استعداد لدحض البديهيات الهندسية، بدليل أنهم عادوا اليوم فعلاً إلى حكم الأرستقراطية والنخبة على صعيد العالم أجمع، وهاهي الإدارة الأميركية النخبوية تعتمد في خطابها وفي أدائها على ما نصت عليه تعاليم أرسطو! وإنه لمن الموحي الإشارة إلى أن أحد تلك التيارات، أو المؤسسات التي ظهرت عام 1980، أطلقت على نفسها بالأحرف الأولى اسم (g.r.e.c.e) ويُقرأ: "اليونان" القديمة، بينما الأحرف تختصر أيضاً اسمها الآخر وهو (مجموعة البحث والدراسات من أجل حضارة أوروبية) وإن كل هذا ليبدو موحياً بروح عصر الرق والعبودية القديم إلى درجة الإثارة!

من الأممية الحمراء إلى الأممية السوداء!

على الوجه الآخر، كان النظام الاحتكاري الربوي العالمي قد عبّر عن أزمته التاريخية العميقة، التي تنخر في صلب بنيته وهيكليته، بظهور تلك الفصائل اليسارية الحمراء، فصائل اليسار الجديد من أمثال منظمة بادر ماينهوف وبقية الجيوش الحمراء المتعدّدة الجنسيات، التي لم يُستثن ظهورها اليابان، والتي أخذت على عاتقها التصدّي لليسار التقليدي الحاكم وغير الحاكم، متهمة إياه ليس بالعجز فحسب بل بالتواطؤ أيضاً! ولئن كانت أوروبا الغربية واليابان مسرحاً لنشاطاتها الرئيسة العنيفة فقد كانت مناطق العالم أجمع تتحول إلى ميادين لعملياتها عندما يتطلب الأمر ذلك. غير أن تلك الموجة اليسارية انحسرت في أواخر السبعينات، فتم القضاء على تنظيمات بادرماينهوف في ألمانيا، وبدأت نشاطات الجيوش الحمراء بالتلاشي، مخلية الميدان للجيوش السوداء التي بدأت بالظهور والصعود منذ مطلع الثمانينات، لتبلغ الذروة في أيامنا هذه، باحتلالها مركز الديكتاتورية العالمية!

منذ البداية، أعطت فصائل اليمين الجديد نشاطاتها بعداً أممياً، فهي بدورها، وإن بطريقة مخالفة تماماً لعقيدة فصائل اليسار الجديد، تصدّت لمهمة إعادة ترتيب العالم برمته، ومن هنا يمكن الحديث عنها باعتبارها أممية سوداء، ويمكن بناء على ذلك، وبالمقابل، فهم ردود الفعل بالطريقة نفسها، التي نهضت لمواجهتها في القارات الأخرى، وخاصة في البلدان العربية والإسلامية!

لقد كانت فكرة إنقاذ أوروبا ( واستطالتها الأميركية والأسترالية أيضاً) من الضياع هي هاجس الأممية السوداء، فراحت تعمل بنشاط على إثارة الشوق والحنين بين أوساط الشبيبة إلى أمجاد أوروبا الماضية، حين كان الأوروبيون يجتاحون القارات ويخوضون في دماء الشعوب، فالأممية السوداء كانت موجودة دائماً منذ خمسة قرون، أي منذ ظهر هذا العصر الأوروبي الأميركي ونظامه العالمي!

الأوروبيون المنصفون يرفعون أصواتهم!

كان الرصيد التاريخي الضخم، المادي والمعنوي، الكفيل بتحقيق أماني الأممية السوداء هو الولايات المتحدة الأميركية، التي هي في المحصلة استطالة تاريخية سياسية واجتماعية أوروبية، بينما كانت الفصائل الأوروبية اليمينية  تتطلع إلى أوروبا القارة، وخاصة الجزء الغربي منها، للنهوض بأعباء مهمة إعادة ترتيب العالم. غير أنه، وكما يحدث غالباً في الحياة، حيث لا تأتي النتائج متطابقة دائماً مع الأفعال، تحوّلت جهود الأوروبيين السود لصالح نهوض الولايات المتحدة بأعباء المهمة العظمى!

والحال أن الولايات المتحدة كانت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تسير حثيثاً على خط مواز للخط الذي سارت عليه الأممية الأوروبية السوداء، وكان لا بد لجهديهما  من أن يلتقيا عند نقطة معينة، وخاصة في المنطقة العربية ومحيطها، حيث الحروب المتوالدة، المتوالية والمتصاعدة منذ عام 1948، تشير في الوقت نفسه إلى صعود قوى  اليمين الجديد في الولايات المتحدة. ولقد صار ذلك التناسق في الجهود اليمينية على شاطئي الأطلسي واضحاً منذ حرب حزيران/يونيو 1967، حين تبين للأوروبيين المنصفين (الأوساط الديغولية خاصة) أن تلك الحرب هي في حقيقتها فصل من حرب عالمية يستحيل عزله عن الأزمات في شواطئ الأطلسي والهندي، فهنا حيث قلب العالم ومركزه الروحي، وحيث التراث الثقافي بقيمته التي لا تعوض، وحيث الشرايين الطبيعية والاقتصادية العالمية، والثروة الهائلة في الأرض التي يبدو وكأن نفطها لا ينضب، هنا كان على النخبة في واشنطن أن تحسم الموقف لصالحها باحتلال المنطقة، وقد بدأت ذلك بواسطة الكيان الصهيوني الذي هو أحد أفضل أدواتها، لتنتهي اليوم بالنزول مباشرة بقواتها إلى الميدان!

 

 

المفتاح الأول للصراع العربي الصهيوني!

يقول بيير روسيه في كتابه"مفاتيح الحرب" ما يلي: سوف تكون حرب الشرق، أكثر من أية حرب أخرى، غاية في الضراوة، لأنها ليست حرب تحرير فحسب، والنتائج اليقينية التي سوف تؤدي إليها هذه الحرب ما تزال لغزاً من الألغاز. إن الغرب، الذي هو ليس أهلاً إلا للقتل وجمع المال، قد فقد كل قيمة أخلاقية، واستسلم لمصير لم يعد يتحكم فيه. اقتل باستمرار! ذلك هو الشعار الخالد للمجتمع الصناعي الذي تزدهر أرباحه من صناعة الجثث. إن السيطرة على منطقة السويس وما يحيط بها، بغية الهيمنة على مجموع العالم القديم(بما فيه أوروبا طبعاً) هو ما أمسى وسيبقى الهم الأكبر لواشنطن. وإن هذا الهم هو بالضبط المفتاح الأول للصراع العربي الصهيوني. إن النظام العسكري الأجنبي الذي أقامته وزارة الدفاع الأميركية في فلسطين يهدّد في وقت معاً أوروبا والأمة العربية والتقاليد الآسيوية. ومن الطبيعي أن نرى جميع القوى التي ترفض الخنوع للقوة الاستعمارية الجديدة، متمثلة بالولايات المتحدة، ضدّ هذا النظام (الكيان الصهيوني). ماذا تعني إذن الخرافة التي تنسب الكيان الصهيوني إلى الغرب؟ إنها لا تعني سوى  أن واشنطن تقصد بالغرب الولايات المتحدة بالذات، والتاريخ يؤكد ذلك، فواشنطن لا تقاتل دفاعاً عن "إسرائيل" الغربية، بل لأن "إسرائيل" خاضعة لها، ولأنها أداة توسع أميركي. وإذا خطر للكيان الصهيوني، في المستقبل، أن يمارس سياسة مستقلة ، فإن وجوده لن يكون ذي وزن، وسوف نرى حينئذ أن الصهاينة، سواء منهم اليهود أو سواهم، وسواء أكانوا ملحدين أم مؤمنين، ساميين أو غير ساميين، سوف يكنسون من الشرق مثلما كنست فرنسا من الجزائر وهولندا من أندونيسيا!

أجناس تستحق وأجناس لا تستحق!

لقد وضع وصول نخبة الأممية السوداء إلى مركز الديكتاتورية العالمية المستبدة قانون أرسطو موضع التنفيذ، وهذا يبدو جلياً في ممارساتهم ضدّ العرب والمسلمين، خاصة في فلسطين والعراق وأفغانستان. وأغرب ما في الأمر أن هذه النخبة تسعى لتشكيل نخب موازية وتابعة لها من العرب والمسلمين تحت عنوان الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع أن برنامج الأممية السوداء، الذي يطبق بقوة السلاح على أرض الواقع، ينص بأن العرب والمسلمين من الأجناس الدونية التي لا يمكن أن ترتقي إلى مستوى العلوم الحديثة، ولا تستطيع المساهمة في بناء الحضارة الرفيعة، فهي مختلفة وراثياً، وبالتالي عقلياً، الأمر الذي يجعلها غير جديرة، ولا تستحق!

لقد تمادى قادة هذا العصر الأوروبي الأميركي، وخاصة قيادته الحالية، في الافتراء ضدّ بني الإنسان في جميع القارات، وخصوصاً ضدّ العرب والمسلمين، وهم يمعنون اليوم في ممارسة الإرهاب المادي والمعنوي ميدانياً ضدّ أمتنا، وما يتوجب قوله ببساطة أن التاريخ البشري، وتاريخ الحضارات العام، ليس من صنعهم وحدهم، ولا حكراً عليهم وحدهم، فقبل الألف الثانية للميلاد لم يكن لهؤلاء الأدعياء المعاصرين وجود يستحق الذكر، وهم سادوا عالمياً فقط في القرون الخمسة الماضية، أما أثينا وروما القديمتين فكانتا، حسب بيير روسيه، مجرّد شرفتين في بناء حوض المتوسط العربي الطابع! واليوم، فإن نظرة سريعة إلى أوضاع العالم، بعيداً عن هذياناتهم العرقية العنصرية، ترينا أن مصادر قوة النظام العالمي تتمركز في آسيا، وخصوصاً في المنطقة العربية ومحيطها، وعندما نتمعن أكثر فسوف نرى أيضاً أن ضعف هذا النظام الربوي العالمي يكمن كذلك في هذه المنطقة، وحين نقول ضعفه فإننا نعني بذلك: مقتله بالضبط!    

 

Hosted by www.Geocities.ws

1