محاولات لإخماد المقاومة بالحرب الأهلية!

بقلم: نصر شمالي

يعتقد البعض أنه كان بالإمكان تجنب الحرب ضدّ العراق منذ البداية لو أن الحكومة العراقية لم تعط الأميركيين الذريعة الكافية لشنّها، وهذا الاعتقاد يمكن أن يكون صحيحاً في حالة واحدة هي: إفساح المجال للأميركيين كي يحققوا كامل أهدافهم من دون حرب، أما إذا لم يفسح لهم المجال فإنهم سوف يفتعلون أية ذريعة لشن الحرب سواء أكانت الحكومة صالحة أم طالحة، وسواء أكانت متشدّدة أم متساهلة! ويعتقد هذا البعض أن العراق يستطيع اليوم الخروج من محنة الاحتلال بالكلام، وهذا الاعتقاد بدوره يمكن أن يكون صحيحاً في حالة واحدة هي: التسليم بسيطرة الأميركيين على النفط العراقي من منابعه وحتى مصباته وأسواقه، والتسليم بوجود دائم للقواعد العسكرية الأميركية في العراق، أي التنازل عن الثروة والسيادة، أما إذا لم يتحقق لهم ذلك فسوف يفتعلون أية ذريعة لتحقيق سيطرتهم، سواء أكان مجلس الحكم صالحاً أم طالحاً، معارضاً أم مؤيداً!

أبعاد الاستيلاء على العراق!

يتوجب علينا أن لا نتحرّج من التكرار وأن لا نملّ من التأكيد أن العراق ونفطه هما، كلاهما معاً، هدف سياسي وتجاري، إقليمي ودولي،يشكل تحقيقه ركناً أساسياً من أركان السياسة الساعية إلى خدمة الشركات الربوية العالمية من جهة وإلى التأسيس لقرن عالمي أميركي من جهة أخرى. إنه الهدف الذي تواصلت الحرب لتحقيقه منذ ما قبل عام 1991، والذي سوف يبقى مركز الأحداث ومحرّكها بعد الاحتلال أياً كانت هذه الأحداث، ومهما بدت بعيدة عنه ولا علاقة لها به.

إنهم يعملون اليوم على إشغال الناس بأحداث أخرى تبدو كأنما لا علاقة لها بهدفهم المركزي، ويلوّحون بخطر الحرب الأهلية، بل يحاولون إشعال فتيلها كما رأينا في عاشوراء، غير أن الصحف نقلت في مطلع الشهر الجاري تصريحاً للجنرال الأميركي المتقاعد ماي غاردنر، أول حاكم أميركي للعراق، جاء فيه مايلي: لابد للقوات الأميركية من أن تبقى في العراق حتى نهاية هذا العقد من السنين كي تحقق للولايات المتحدة حضوراً كبيراً ومكثفاً في منطقة الشرق الأوسط!

واضح من كلام الجنرال أن الوضع لم يستتب بسهولة وفي زمن قصيركما قدروا، وواضح أنه يتحدث عن انسحاب القوات بعد استقرار القواعد العسكرية الأميركية في العراق، وبعد قيام نظام تابع يوفّر على الأميركيين مشقة الاشتباكات الجانبية الثانوية، أي مشقة حفظ الأمن، بدليل أنه اشترط تحقق حضور أميركي كبير ومكثّف في منطقة الشرق الأوسط انطلاقاً من العراق!

مصالح المموّلين تقرر النتائج!

إن هذا البعد الإقليمي الشرق أوسطي لاحتلال العراق، الذي يشمل المنطقة الواقعة بين اندونيسيا وموريتانيا، لا ينفصل عن البعد الدولي المتعلق بقرن أميركي عالمي، فالسيطرة على هذه المنطقة تعني بداهة السيطرة على العالم أجمع، غير أن ذلك لن يجعلنا نهمل البعد الآخر الأضيق، التجاري النفطي، حيث نجاح المشاريع الإقليمية والدولية متوقف على انسياب النفط العراقي من منابعه إلى مصباته وأسواقه من دون معوقات، وإلا فإن المرابين المموّلين سوف ينسحبون من الميدان إذا لم يحصلوا على الأرباح الخرافية التي وعدوا بها، ولأنهم لا يأبهون للبعد الإقليمي والدولي في المشروع الأميركي إذا ما أحسّوا بالخطر الذي يحرمهم من الأرباح، بل ويهدّد رساميلهم الموظفة في ساحات القتال! لقد صدر عن البيت الأبيض مؤخراً تصريح يحاول طمأنة هؤلاء المرابين جاء فيه أن صادرات النفط العراقية يمكن أن تزيد كثيراً جداً بمجرّد توفير حماية كافية لخطوط الأنابيب التي تصل بين حقول كركوك وميناء جيهان التركي الذي لا يزال مغلقاً، وأن إنتاج مصافي النفط العراقية لا يزال ضعيفاً بسبب تخريب الأنابيب، وأن إيرادات النفط العراقي ستتجاوز المليار دولار شهرياً خلال العام الجاري إذا لم تتعرض طاقات التصدير للعرقلة!

إن تصريحات البيت الأبيض تشير إلى تململ وقلق المموّلين المرابين، فهي تعدهم باستتباب الأوضاع في العراق وقد تأخر كثيراً، وتعدهم بأرباح طائلة انتظروها طويلاً، الأمر الذي يعني أن نجاح المقاومة في عدم تمكين المرابين من جني فوائد توظيفاتهم، بل وتهديد هذه التوظيفات من أساسها، هو ما سوف يجعل مسار الحرب ونتائجها في غير صالح المعتدين.

هل خرجت الأوضاع عن السيطرة؟

من الواضح أن كل شيء يتعلق بالمشروع الأميركي، بأبعاده الثلاثة العراقية والإقليمية والدولية، متوقف على ضمان المحتلين لانسياب النفط بالراحة ومن دون معوقات، من منابعه إلى مصباته إلى أسواقه، ومتوقف أيضاً على استكمال إقامة القواعد العسكرية الأميركية واستقرارها على أرض العراق بمنأى عن أي خطر، غير أن أحد الدبلوماسيين الأوروبيين صرّح قبل أيام بأن الوضع في الشرق الأوسط قد خرج عن السيطرة، وأن السياسة الأميركية أخفقت، والمنطقة تنزلق نحو وضع فوضوي كارثي! إن الدبلوماسي الأوروبي يتحدث تحديداً عن وضع العراق وفلسطين. إنه يتحدث عن فعالية المقاومة من دون أن يسمّيها، وإلا فما الذي جعل الأوضاع تخرج عن السيطرة، والسياسة الأميركية تخفق؟ إن الكيان الصهيوني يتكبّد خسائر فادحة جداً لا يحتمل المستوطنون المرتزقة استمرارها، وقد عجزت أسلحتهم جميعها عن إخضاع المقاومة التي تسببها، وعن الوضع في العراق صرّح وزير النفط العراقي السابق عصام الشلبي، خلال مؤتمر للطاقة عقد مؤخراً في تكساس، أن حقول النفط العراقية تخضع لإدارة سيئة من قبل سلطات الاحتلال، وأن الإنتاج لا يزال أقلّ بكثير مما كان عليه قبل الاحتلال! وإذن، فهذا هو السرّ في إخفاق السياسة الأميركية، وفي خروج الأوضاع عن السيطرة، وفي انزلاق المنطقة نحو وضع فوضوي كارثي، وهذا هو الدافع لإصدار البيت الأبيض تصريحه الذي يحاول عبره طمأنة المموّلين! إنه النفط الذي لم يسيطروا على عملياته بسبب المقاومة، الأمر الذي يعرض مشاريعهم بجميع أبعادها للخطر، لكن بريمر و أبازيد يحاولان توجيه الأنظار نحو أمور ثانوية وجانبية مهما عظمت، ويلوّحان بإمكانية نشوب حرب أهلية بين أنصار الديمقراطية وأعدائها من العراقيين ويحاولان الإيحاء بأنهما في العراق من أجل نصرة الديمقراطية لا أكثر ولا أقل!

إن الأميركيين والإسرائيليين يتحرقون من أجل النجاح في إشعال نيران حرب أهلية في العراق وفلسطين، كما فعلوا في البلقان، تطمس المقاومة الوطنية، وتغنيهم عن خوض القتال، وتجعلهم طرفاً ثالثاً يخطب الإخوة المتحاربون ودّه ويتوسّلونه فقط لحمايتهم من بعضهم! غير أن أعواماً مضت في فلسطين، وعام مضى في العراق، وليس هناك ما يشير إلى احتمال نشوب حرب أهلية، ويقيناً لو أنها كانت واردة لنشبت في فلسطين قبل أعوام، ولنشبت في العراق منذ احتلال بغداد.

إن الفلسطينيين والعراقيين يعرفون اليوم جيداً أهداف العدو الحقيقية، ويعرفون جيداً كيفية عدم الانشغال عنها بغيرها مهما عظم، ويتقنون جيداً التصويب نحو الأهداف الحقيقية دون سواها!

 

Hosted by www.Geocities.ws

1