أميركا... نظرة من الداخل (*)

د. كمال خلف الطويل

أعترف منذ البداية أن الحديث عن أميركا ذو شجون، وأن أي محاولة تنشد تحليل مسرحها وعلائق قواها الفاعلة ترتطم بتعقيد ما هم عليه من اضطرام وتدافع وسيولة. ولا بد للمرء وهو يجري أدوات تحليله عبر نسيج المشهد الأميركي أن يلحظ بإنصاف أن هذا المشهد تراكبي يعج بعناصر يعسر عدّها، ويختلط فيها السلبي بالإيجابي، والمبهر بالفاجع، والباهر بالظلامي، والتواق للعدل بالظالم بعيون مفتوحة.

نبدأ بطرح السؤال: هل أميركا مثال الديمقراطية المنشود؟

يفيد هنا ضبط المصطلح بدقة والتفريق بين مفهوم الديمقراطية بما هي مناخ المشاركة الشعبية في صنع القرار وبين مفهوم الليبرالية بما يضمه من حريات التعبير والاجتماع والمعتقد والتنظيم.

ليس من العسير القول إن أميركا ما قبل 11إيلول هي أقرب المجتمعات الأرضية لمثال الليبرالية. وهنا يصلح القول إن إطلاق الوصف غير جائز. فأمامنا العنت الشديد الذي يواجه المحتجين على سياسات إسرائيل منذ عام 1967 ووصمهم بمعاداة السامية إرهاباً فكرياً بلا نظير، وأمامنا ما واجه الساعين لإحقاق الحقوق المدنية للأفريقيين الأميركيين قبل عام 1964 من اضطهاد ونبذ، وأمامنا ما سبق وواجه الأقلية الكاثوليكية قبل منتصف القرن المنصرم من تمييز صامت ولكن فاعل.

مع ذلك كله، وبرغمه، فإن المساحة المتاحة للتعبير أمام الرافضين والخارجين والمهمشين- سواك عن أطياف المجرى الرئيسي للرأي العام نفسه- أوسع- بما لا يقاس- بما هو عليه الحال في باقي المجتمعات وحتى منها الأوروبية. يعود ذلك لجملة عوامل، أهمها رسوخ فكرة احترام القانون وسيادته. وجذر تلك الفكرة التاريخي هو حاجة المجتمع الذي بدأ كموطن وتحول إلى دولة / وطن، إلى أداة قضائية موثوقة تضمن مصالح كل أطراف هذا الكيان وتكون الحكم الذي يوفر المرجعية الصامتة للحقوق الدنيا للضعفاء فيه، حتى ولو توازى ذلك مع ضمان الحقوق القصوى للأقوياء من بنيه، ولعل مراجعة لسجل المحكمة العليا في النصف الثاني من القرن العشرين يرينا بجلاء كيف إن حارسة القانون الأساسية استطاعت مع كل التغييرات البنيوية التي اعترتها عبر الحقب السياسية أن تلتقط خيط الحقوق المدنية والشخصية وتسيّج به حوض الحريات.

إذا أضفنا إلى ذلك وفرة الصحافة الساخطة، بل وهامش التعبير الذي يضيق أحياناً، لكنه ينفسح أكثر في الصحافة الرئيسية (مثال أوراق البنتاغون المنشورة في النيويورك تايمز عن علاقة المخابرات المركزية بالجمعيات الثقافية في ربيع 1967) نرى أن تكميم الأفواه هو في المجمل غير وارد بمعناه المباشر.

نعود من ذلك كله للقول إن الليبرالية هي الطابع الغالب على نمط الحياة الأميركية من شتى زواياه المجتمعية والسياسية والثقافية والفكرية وسواها. لكن هذا القول على علاته شيء، والتنطح لإطلاق سمة الديمقراطية بتعريفها المأثور شيء آخر تماماً.

يحسن هنا استعراض جملة ظواهر تفي بالمدلول، ندلف بعده إلى تشريح إسقاطاتها الفاعلة:

1-      إن العقد الاجتماعي الذي صكه الآباء المؤسسون كان يتحدث بوضوح شديد عن مجتمع المالكين كجهة لصنع القرار.ومن هنا التعبير الذي شاع: الضرائب تساوي التمثيل Taxation equals representation. لنلاحظ أنه في فترة سالفة كان حق التصويت مشترط بالملكية وبالقدرة على دفع الضريبة، ثم مع تقادم الأزمان جرى التخلي عن هذا الشرط مع بقاء تسيّد المفهوم بالممارسة.

2-      إن ذاك العقد كان يسقط من حسابه بجلاء أقليات المجتمع، وبالأخص منها الملونة. وهنا يفيد القول أن من مآثر المجتمع الأميركي ومؤسسته الحاكمة قدرتها غير المنقطعة على التلاؤم مع المتغيرات، بل واستيعابها وتدويرها في أتون النظام. يشهد بذلك تشجيع نمو طبقة وسطى من السود بل وشريحة مترسملة منهم نفذت إلى أوتاد المؤسسة وأسهمت في تعزيز صرحها. بل ووصل الأمر ببعض رموزها أن احتلت في العقود الخمسة الأخيرة مواقع لا تقل وقعاً وتأثيراً عن نظرائها البيض، بدءاً برالف بانش وعبوراً إلى كولين باول وكونداليسا رايس، سواك عن آلان كيز وكلارنس توماس. يجدر القول هنا أن من شكل خطراً- بنظر حماة المؤسسة، عليها –تمت تصفيته بالقتل الجسدي. ومثال مالكولم إكس، وبعده مارتن لوثر كنج محفور في الذاكرة الجماعية للإنسانية حتى قيام الساعة.

3-      إن قيمة الشركة Corporation نشأت وتوطدت مع تنامي المجتمعات الاستيطانية، ثم بوتقتها في رحاب الموطن / الوطن. هذا التنظيم المؤسسي للأعمال قام ويقوم بدور جدلي مع الدولة، سمته الغالبة كونه صاحب التأثير الأهم عليها. إن الرأسمالية الأميركية تقلبت عبر أطوار عدة، بدأت بالمشاعي شبه المتوحش الذي لا يعرف حدوداً ولا قيوداً، ثم ارتطمت- بعد الحرب الأهلية، ووصولاً إلى فترة الكساد العظيم- بجدار متعال من مقاومة القوى العاملة في سعيها لاقتناص حصة عادلة من كعكة الحلم الأميركي غير المحدود. إن طبائع الأحوال في تلك الفترة ومثابرة القوى العاملة على الإصرار على حقوقها (حادثة 1 مايو) اقتضت من الرأسمالية الأميركية أن تعدل من خشونتها الفظة وأن تتواءم مع القيم الجديدة، خصوصاً وأن الخطر البولشفي بجاذبيته العقائدية كان مرتسماً على الأفق يتنفس خطراً على عنق هذه الرأسمالية ومثالاً ملهماً لضحاياها.

4-      إن ذكاء الرأسمالية الجديدة وهي تغادر شرفات مطالع القرن العشرين كان بلا حدود. لقد امتدت إلى الجامعات ومراكز البحوث والأنشطة الاجتماعية والثقافية، مادة أذرعها رعاية واحتواء بل وتشييدا في بعض الأحيان، واتخذ ذلك أشكالاً يجدر التنويه عنها، فأمامنا صروح (كمؤسسة فورد ومؤسسة راند ومؤسسة كارنيجي ومؤسسة روكفيلر وغيرها وغيرها) بناها أباطرة مال، وحشدوا وراءهم جيوشاً من  المفكرين والباحثين والمهتمين بالشأن العام.

5-      إن الاهتمام بالشأن العام الوطني شبه مقصور على نخبة تتناسل حقبة إثر حقبة من الخارجين من المؤسسة العسكرية الأمنية ومن الجامعات عالية المستوى ومراكز البحوث والدراسات وكذلك من كوادر الشركات ذات القيمة الراجحة. ديدن هذه النخبة والتي يستطيع المرء دون إخلال أن يسميها بالمؤسسة الحاكمة هو بسط الهيمنة الكونية الشاملة. وفي سعيها لذلك تتثبت دائماً من إدامة الصبغ الماسك للبوتقة في الداخل، وفيها ما فيها من أعراق ومكونات، وذلك عبر استدامة وجود عدو خارجي والذي بدون وجوده أو ابتداعه تتنامى دواعي التخلخل الداخلي، خصوصاً مع تصاعد وزن الأقليات غير الأوروبية الديمغرافي رغم ما يبدو من نجاح نسبي في تدجين شرائح واسعة منها وإدماجها النسبي في معادلة النظام وتحت لواء الوطنية الأميركية الفضفاض.

6-      إن القيمة الأساسية المحركة لإيقاع المجتمع الأميركي هي قيمة المنفعة Utilitarianism، أي إن كل ما يفيد الفرد على صعيده، أم المجتمع على صعيده الأعلى جائز بغض النظر عن معوقاته. وتأسيس تلك القيمة يتخذ لبوساً بروتستانتياً مسوغاً، مفاده أن الخالق استودع في خلقه تكليفه لهم بالانتفاع من الأرض بما يحقق مثاله، أما تجسيدها فهو مسطور في جملة القوانين الناظمة لحياة المجتمع.

7-      إن التنظيم السياسي للدولة كفل وجوداً مركزياً محركاً لرئيس البلاد وأجهزته التنفيذية، وفي الصدارة منها أجهزة الأمن القومي والداخلي. كان رجحان السلطة التنفيذية بادياً للعيان حتى منتصف القرن العشرين عندما أدخل تعديل دستوري يحدد المدة الرئاسية بفترتين فقط، كل فترة من 4 سنوات. لكن هذا الرجحان النسبي كفل للرئيس- وهو بحكم الدستور القائد الأعلى للقوات المسلحة- القدرة على إطلاقها للحرب في أكثر من مائتي واقعة عبر ما ينوف عن مائتي عام هو عمر الدولة الأميركية، ودون استشارة المؤسسة التشريعية في غالب الأحوال، وهي التي تنحصر فيها سلطة رصد المال والإنفاق. وحتى عندما أصر الكونغرس على دوره، مطلع 91، وهاب قطاع واسع منه (عماده من الحزب الديمقراطي) من الانغماس في مخاطرة عسكرية واسعة استطاعت الرئاسة أن تلوي ذراع المعترضين، ولو بأغلبية بسيطة برهنت على أنها عندما تقرر تنفذ مهما عارض المعارضون... وشنت حرب الخليج.

متى يكون للكونجرس بعض التأثير في رسم السياسة الخارجية؟ عندما تصاب سياسة ما، نحو منطقة ما بخسائر تفوق الاحتمال. حينها فقط تعلو الاحتجاجات، وربما تتمكن من تقصير الخطوط والانكفاء عن السياسة المتبعة (أمثلة الصومال ولبنان، وقبلها إلى حد ما فيتنام وكمبوديا ولاوس).

8-      لاحظوا ترتيبات انتخاب الكونجرس. إن مجلس النواب الذي يمثل السكان- بغض النظر عن ثقل ولاياتهم- يضم 435 نائباً، مدة خدمتهم عامان فقط قابلة للتجديد بلا حدود.

ماذا يعني ذلك؟ يعني أن هذا النائب من أول يوم له ولآخر يوم مرتهن لأصحاب جماعات المصالح الخاصة الذين يقبضون على مفاتيح تمويل حسابات هؤلاء النواب الانتخابية، وهم بكلمة واحدة قادة أميركا-الشركات Corporate America.

في ذات السياق فإن مجلس الشيوخ والذي يمثل الولايات بطريقة متساوية بواقع اثنين عن كل ولاية يتمتع أعضاؤه بفترة خدمة مدتها ست سنوات، وبلا حدود. وهم في هذا أيضاً يضحون أسرى للعبة المال الانتخابي، ومرتهنون لقواه الفاعلة. هذا ناهيك عما هو الحال في المحليات، سواء لجهة الولايات حكاماً ومجالس أم حتى للأقضية. أس المسألة هو قبضة المال الخانقة على مفاعيل العملية السياسية، مما يسوغ معه- ومن دون تسطيح للمسائل- إطلاق تعبير Temocracy، أي حكم رأس المال، بدلاً من Demecracy على طبيعة النظام الأميركي وتوصيفه.. لقد وصل الاختلال بالحراك السياسي في أميركا إلى مداه عندما ابتدعت وسيلة لجان العمل السياسي أوائل السبعينات لتكون منصّة تأثير حاسم في صنع "ممثلي" الشعب أو في تعويم قضايا بذاتها لتكون على رأس أجندة البلاد. فتح ذلك الباب على مصراعيه ليصبح ارتهان هؤلاء الممثلين أكثر طواعية لجماعات المصالح الخاصة، ولتكون قضايا بعينها (دعم إسرائيل مثلاً) بقرة مقدسة يؤدي لها الناس فروض الرهبة والخشوع. المضحك في المسألة أن تعالت في السنوات الأخيرة صرخات بعض هؤلاء الممثلين من الحزبين الرئيسيين لإصلاح هذا الوضع المختل والذي وصل تفاقمه حد أن الإنسان العادي أصبح يشمئز من هؤلاء الممثلين ويصفهم بأسوأ الأوصاف مما يدل على انفصام متعاظم بين الطبقة السياسية والذين تدعي تمثيلهم. لم تكن هذه الصرخات إلا محاولة لامتصاص البخار المحبوس وتمييع مسألة الفساد السياسي والذي يصعب مقارنته بأي من الدول الديمقراطية الأخرى وبضمنها الهند واليابان. هو فساد مغلف بورق السوليفان والذي يتعرض برغم بريقه لعوامل الحت والتعرية بما يجعله غير قادر على تغليف البضاعة كما كان سابق الحال.

9-      بالمقابل فأمانة القول تقتضي أن يقال أن الوعاء السياسي المدجن والمضبوط الإيقاع لم يمنع بروز ظواهر أو تظاهرات للمجتمع المدني استطاعت أن تفرض وقعها وثقلها وما تعبر عنه من قضايا الإنسان، ومثل العربي- الأميركي رالف نادر مؤسس حركة حماية المستهلك أو حماة البيئة أو منافحي العولمة يدل دلالة قاطعة على أن التوازن بين الدولة والمجتمع والذي هو شديد الاختلال لصالح الأولى لجهة السياسة الخارجية هو أقل اختلالاً، ولو بعض الشيء، في قضايا الحياة الداخلية. وفي هذا شهادة حق على قدرة المجتمع الأميركي بما فيه من شرائح مستنيرة على رفع عقيرتها وتمكين أجندتها من التحول إلى سياسات. وهنا شهادة أخرى على قدرة النظام على التأقلم مع رياح التغيير واستيعابها بدل الارتطام بها وما يحمله ذلك من احتمالات الصدام المكلف للمؤسسة الحاكمة.

10-     هذه المؤسسة الحاكمة هي بيت القصيد. هي تأسست من رحم زواج كاثوليكي بين الآباء المؤسسين للدولة ومن خلفهم، ومن أباطرة الشركات ونسلهم غير المنقطع. كانت شرقية في الأساس، ثم أصبحت عابرة للوطن شبه القارة مع نمو الصناعات العسكرية والتكنولوجية في غربها الباسيفكي. هي في تشريحها العضوي ذات نواة واسبية تشغل اللب ويتمحور حولها طبقات من أصول أوروبية أخرى مسيحية ومن اليهود، ومؤخراً- كما سلف الذكر- من شريحة سوداء على خاصرتها شرائح من اللاتين والآسيويين، كلها تدور في نواة المجرة. هذا الهجين المتراص يهتدي بما تعارفت عليه المؤسسة بالتراث المسيحي- اليهودي ثقافة ورؤى، ويلبس لبوس العلمانية لجهة فصل الدين عن آليات الحكم وليس لجهة الاحتكام للتاريخ وصراعاته وقواه.

هل المؤسسة الحاكمة كتلة صماء متجانسة ؟ بالقطع، لا. فهناك اليمين المتعدد الأطياف- العلماني منه والديني، والذي يغلب عليه وضوح الأهداف مقروناً بوضوح الأساليب.

وهناك اليسار المتنوع المشارب والذي يغلب عليه نعومة الأساليب رغم اقتراب الأهداف من نظيره اليمين. الافتراق بينهما أجلى في السياسات الداخلية عنها في الخارجية، ولو أن ما يجمعهما هو الولاء لمفهوم Temocracy، أي ديمقراطية الرأسمالية والتي تتراوح في مقاربتها للطبقتين الوسطى والدنيا بين صارم يميني ومنفتح إلى اليسار منه.

11-     من أهم تجليات المؤسسة في مسألة السياسة الخارجية هي هيئاتها غير الرسمية، وبالأخص منها مجلس العلاقات الخارجية ومجلس سياسات الدفاع ومراكز البحوث والدراسات (بروكينغز، وهيرتيج وراند وغيرها)، ثم يمتد الأمر إلى الهيئات القارية الطابع كاللجنة الثلاثية(أميركا وأوروبا واليابان) وسواها. تضم هذه الهيئات نجباء المؤسسة من الحاكمين أو من سبق أن حكموا أو سيحكمون... يجلسون ليرسموا التصورات والبدائل والخيارات والمناهج. ومن عصارة رؤاهم تتوارث المؤسسة جيلاً بعد جيل آلياتها للتطبيق بما يتكيف مع كل حقبة وما في حمولتها من موازين قوى.

هم المطبخ الدائم الذي يوفر الوجبات لكل من يصل إلى الحكم "بالانتخاب" (مثال كارتر وسياسته نحو الصراع العربي الإسرائيلي المستوحاة من أحد تقارير بروكينغز).

هذه الهيئات تجتذب إلى كوادرها أكاديميين مرموقين أمثال هنري كيسنجر، وزبغنيو بريجنسكي وماك جورج باندي ممن برعوا في صياغة تصورات المؤسسة، وكذلك مثقفين من طراز برنارد لويس وفوكوياما و...تصوروا ..فؤاد عجمي.

12-     يفيد هنا بعض من استعراض تاريخي سريع لتفكير المؤسسة نحو رؤيتها لنفسها والعالم: لقد مضت قرابة الستين عاماً على تسيّد مفهوم الإندخال الأميركي في صنع وتشكيل السياسات الدولية بعد عقود سبقت الحرب العالمية الثانية من التنائي عن الانخراط فيها، وذلك باستثناء الحديقة الخلفية من الأميركيتين الوسطى والجنوبية، والتي كانت وفق مبدأ مونرو ساحة مقصورة على التدخل والهيمنة الأميركيتين. لقد جرت محاولات سابقة للتمدد عبر الأطلسي في فترتي ويلسون وت. روزفلت، لكنها ما لبثت أن ذوت أمام موجة الانعزال الراسخة والتي سببت عزوف أميركا عن دخول عصبة الأمم في أعقاب الحرب الأولى وعودتها للتقوقع في نصف الكرة الغربي. كل ذلك تغير مرة واحدة وإلى الآن مع دخول أميركا بثقلها في الحرب الثانية عند مفصل 41/42 والتي أنتجت فوق انتصارها العسكري الكاسح على دول المحور صياغة أشكال للتنظيم الاقتصادي العالمي شملت إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي واتفاقات بريتون وودز. أدت الحرب الثانية إلى تهاوي الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة عن عروشها، مما أفسح المجال أمام أميركا أن تسارع لوراثتها وملء الفراغ المحتمل من ضعفها البنيوي في أعقاب الحرب.

13-     كانت وسائل المؤسسة في سعيها للهيمنة الكونية- وهو هدفها المركزي- عبر النصف الثاني من القرن العشرين ولتاريخه هي إرساء دولة الأمن القومي ممثلة في إنشاء وزارة الدفاع، ووكالة المخابرات المركزية، ومجلس الأمن القومي، ووكالة الأمن القومي، وقيادة سلاح الجو. كان الإعلان عن النهج الجديد ممثلاً في مبدأ ترومان (1947) والذي سرّع في إشهاره نشوء قطب جديد منافس، وإن ضعيفاً بالقياس، هو الاتحاد السوفييتي ومنظومته الأوروبية الصينية. في تلك الفترة توصلت المؤسسة الحاكمة ذات الهيمنة الواسبية إلى تبني نهج قاطع مفاده أنه لا حاضر ولا مستقبل لأميركا إلا بالهيمنة الكونية الشاملة، وأن ذلك سيوفر مناخاً خلاقاً من عروة وثقى توفر اللحمة والسدى لتماسك البنيان الأميركي الداخلي، إذ هو هجين من أغلبية أوروبية متعددة الأعراق مع رجحان أنكلوسكسوني، ومن أقليات سوداء ولاتينية، ثم ما تبعها من أقليات صفراء وبنية ومسلمة، أضف إلى بقايا الأقلية المحلية المبادة.

مفهوم دولة الأمن القومي يخضع كل السياسات المتبعة، سواء في المجال الخارجي أم الداخلي، لمصالح المركب الصناعي/ العسكري وملحقاته النفطية والمالية، وعبرها لبقية بنية مجمع شركات الإنتاج والخدمات، وفي الطليعة منها أجهزة الإعلام. نذكر جميعاً التحذير الشديد الذي أطلقه أيزنهاور عند انتهاء فترته الثانية (مطلع 1961)، منبهاً لشرور هيمنة المجمع العسكري الصناعي، علماً بأنه ابن المؤسسة البار، ذلك أن الرجل كان شاهداً على النمو الأخطبوطي لهذا المجمع الذي مدّ أذرعته لكل مناحي الحياة، ومنها مجالات العلوم والتقانة والاتصالات، وأضحى سيداً لمسودة الدولة بأبعد مما تتحمل أية دولة من مجموعات ضغط في مجتمعها، خصوصاً إذا كان يعتنق مع مرور الوقت جملة قيم لحريات وحقوق الإنسان، بعضها موروث والآخر مكتسب.

14-     يشهد للمؤسسة بكل تلاوينها مقدرتها الفائقة على التكيف مع المتغيرات الداخلية واستيعابها لقوى الحراك الاجتماعي والثقافي في إطار الكعكة الكبيرة: الحلم الأميركي.. ومؤيدة بإعلام يعرف فن التضليل وفن التسويق وإذكاء الرغبات الاستهلاكية والتلاعب بجهاز القيم، ثم بمرونة في التخلي عن سياسات عنصرية فاقعة وتعديل سياسات طبقية مستفزة إن دعا الحال.

لنلحظ ماكينة صناعة المرشح. سواء للرئاسة أم التمثيل وما يعتريها من تزويق وإبهار ( أو تنكيل ومحق في الاتجاه المعاكس). ولنلاحظ كيف تباع سياسات: "إسرائيل رصيد استراتيجي وواحة الديمقراطية في غابة التخلف والعداء"، "هتلرة صدام"، "بعبع الشيوعية وغزوها المرتقب لشبه القارة الأميركية"، "التنين الصيني"، "الإسلام الزاحف وبرابرته القادمون"! ولنمعن في آليات قولبة الذهن الأميركي وفق مصالح جيوب أباطرة الشركات: الاستهلاك والمزيد منه، والارتفاع بالكمالي إلى مرتبة الضروري، وابتداع أنماط جديدة من السلوك حتى ولو اقتضت تشجيع المجون وطرائقه والوصول إلى باحات سدوم.

ما هي فحوى الحلم الأميركي بصيغته المادية البحتة؟ هي اقتناء البيوت، ومن مقبول إلى مميز، والسيارات وتبديلها، والإلكترونيات بموجاتها المتلاحقة، والرحلات المثير منها والعادي، والمال ليس للادخار بل للإنفاق، والدافق منه، والأفلام وهي تعج بالإثارة والعنف وتستثير الغرائز من اقتناء إلى جنس.

دعونا نتأمل في من يملك وسائل الإعلام التلفزيوني كمثال: شبكة NBC مملوكة لجنرال إلكتريك، وABC لـ Capital Cities ولاحقاً لوالت ديزني، و CNN لتايم وورنر، وfox لمجمع روبرت مردوخ. إن دل ذلك على شيء إنما يدل على أن الشركة Corporation هي صانع الذهنية image. ومن هنا القولبة والتشكيل والترويض. من كان يسمع بجيمي كارتر وبيل كلينتون خارج نطاقي جورجيا للأول وأركنساس للثاني قبل أن يستلمهما التلفزيون، ويلمعهما ثم يطلقهما مرشحين ذوي باع؟ ألم يكن ريجان مشخصاتي في شبابه ثم استمر لما انتقل إلى البيت الأبيض؟

15-     وكما هو الإعلام أداة المؤسسة في تدجين الجمهور فهو ملعب لصراعات أجنحتها عندما تتعدى طور المساجلة وتدخل في حيز النزال. ولنا مثال ووترغيت عندما كانت الواشنطن بوست بالمرصاد لنيكسون وهو في أوج تألقه. وكم تغوّل الإعلام في تفضيح كلينتون وهو ذو بأس شعبوي لتربعه على فترة الازدهار الطويل وأوشكت أن تطيح به لولا عناية مفتشي العراق! ينبغي أيضاً أن نتذكر أن القيم الليبرالية المترسخة كانت ذات شأن في لجم شطط وكالة المخابرات المركزية عام 1975 عبر استجوابات لجنة تشيرش في الكونغرس والتي كشفت من المستور ما ألزم الوكالة بضبط سلوكها بعض الشيء وبالأخص لجهة تمددها بالعمل في الداخل الأميركي. يجدر هنا بالذكر أن المؤسسة بارعة في تجييرها للشعارات البراقة لتخدم مصالحها القارية: حقوق الإنسان زمن كارتر..الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفييتي زمن نيكسون وفورد.. الحريات الدينية في دول الخصوم زمن كلينتون، وهلم جراً. هل لنا أن نذكر كيف تحالفت وكالة المخابرات المركزية مع البابا الحالي في صراعهم المحتدم حينها مع المنظومة الشيوعية في أوروبا؟ ألم يكن أفضل حليف في تكسير أضلع هذه المنظومة ومن ثم تفكيكها ودحرها وكأنها لم تكن؟ ما هو مغزى قانون الحريات الدينية في العالم الذي توافقت عليه إدارة كلينتون والكونجرس عام 1998؟ أليس هو سلاحها المشهر للتطويع والإملاء نحو دول مثل الصين ومصر وكل من يهم المؤسسة- واقعاً أم احتمالاً- تيسير سبل التدخل في شؤونه؟ ما هو مغزى تشجيع عمليات التبشير البروتستانتي منه أم الكاثوليكي في أفريقيا وآسيا؟ أهي محبة المسيح العادل وتقريب يوم عودته لينشر العدل في الأرض بعد أن امتلأت جوراً وظلماً،أم هي غزو ثقافي ذو مرام جيواستراتيجية  جيو سياسية محضة، وتسعى وراء خلق جيوب محلية منتظمة فكرياً في الفضاء الأميركي تقبل على تمرير سياساتها المرسومة بقناعة العقيدة فوق مصلحة الانتفاع أو بالتساوق؟ لا يظنن أحد أن علمانية الدولة الأميركية بما تتضمنه من إبعاد الكنيسة عن شؤون الحكم تغفل توظيف الدين- وحديثنا في هذه الفقرة عن المسيحية بالتحديد- في شؤون الحرب والسلام عبر أرجاء المعمورة. هنا تختفي العلمانية من الحسبان وتنتصب "الصليبية" بما تعنيه من قتل واستلاب وتدخل تحت شعار الحروب العادلة وتحرير الرقيق ونشر الحضارة وفتح الأسواق وتخليص الثروات الطبيعية المطلوبة من "ربقة" مالكيها بالمصادفة! في هذا السياق تستوجب المسألة التنبه لضراوة اليمين المسيحي في طروحاته الفاقعة العداء لكل من الإسلام والكونفوشية، وشحنه المعبئ لمساكين المؤمنين الأميركيين بالعداء لكل من أبناء هاتين المنظومتين، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار أن التدين بطريقته الأميركية شبه الطقوسية ومتعددة الأنساب يطغي على جمهرة تقدر بعشرات الملايين أو تزيد. هذه الشريحة من اليمين بصعودها الأصولي المتعاظم واحدة من أشرس قلاع معسكر اليمين بجملته إذ أنها تزاوج بين سلاحي العقيدة والمصلحة في تناولها لشؤون العالم، وهي ترى الأمور بتبسيط يتجاوز حد الإخلال، ناهيك عن استعدادها لكسر الحواجز وخرق المحظور بحمق غير مسبوق.

16-     إن المؤسسة في سعيها للهيمنة الكونية الشاملة تربعت فوق إمبراطورية تصرفت منذ مطلع 42 بمنطق "من ليس معي فهو ضدي". وليس هذا المنطق مقصوراً على أو مبتدعاً من بوش الابن يوم 20 أيلول 2001، بل هو بتلاوين متعددة مما جرى عليه الحال منذ ما قبل ستين عاماً. نذكّر كم كان جون فوستر دالاس عبر الخمسينات يبدي احتقاره لدعوة الحياد وآبائها ناصر ونهرو وتيتو وسوكارنو. ندلف من هذا القول أن أميركا قاتلت بالسلام وبالسلاح عدوين مزدوجين شكّلا لها أرقاً لا يعدله سوى الأرق الألماني- الياباني في الحرب العالمية الثانية: هما بالتحديد الشيوعية السوفييتية (أساساً) وحركة التحرر الوطني في العالم الثالث. كان تدبير المؤسسة- وفق رؤية أحد أهم رجالاتها جورج كينان- هو احتواء الخطر السوفييتي بدلاً من قتاله خصوصاً بعد استحالة هكذا قتال مع كسر الاتحاد السوفييتي عام 49 لاحتكار السلاح النووي ثم مع توافره بعد فترة وجيزة على قدرة التدمير الشامل المتبادل. هذه الردعية المتبادلة هي الأرضية المفسرة لطبيعة الحرب الباردة. كانت أهم تجليات هذه الحرب هي سباق التسلح التقليدي منه والنووي  والذي راهنت فيه أميركا- ونجحت- على أن توصل السوفييت إلى اللهاث وراءها بمسافة قصية، ثم لتجعلهم يصلون إلى نقطة النهاية في السبق وهم مرهقون لدرجة الدخول في  غرفة العناية الفائقة لعقدين من الزمان قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة مع بداية التسعينات. رافق ذلك إنشاء أحلاف الناتو والمعاهدة المركزية وجنوب شرق آسيا لتطوق إمكانيات التمدد السوفييتي وتبقيه تحت سيف مسلط. لم تكن تلك الحرب نزهة بالمقابل فهي احتاجت إلى 45 عاماً لكي تصل إلى نتيجتها المأمولة، ومرت بأطوار من الاشتباك المباشر وصلت ذروتها في حرب فيتنام وما حملته في طياتها من تكلفة باهظة في البشر والموارد. ومن لحظة نادرة في التاريخ الأميركي المعاصر- تحديداً ما بين أوائل 67 و أواخر 72- شقت فيها جموع الشباب الأميركي عصا الطاعة على المؤسسة لدرجة أنذرت بتشقق جدران النظام وتحوله إلى بيت من زجاج. يحسن هنا التنويه بأن المجتمع الأميركي قليل الاهتمام بالسياسات الدولية إلا ما طال منها حياته أو رزقه أو الاثنين معاً. تحرك الشباب حينها لأنهم رأوا ثمانية وخمسين ألفاً من جيلهم يقتلون في مذبحة بدت لهم بلا هدف ولا نهاية، وجعلت عقولهم تفكر في الأوليات وتعمل الفكر وصولاً إلى الفعل المتمرد والساخط.

17-     إن معركة المؤسسة مع حركة التحرر الوطني في العالم الثالث تنوعت في أساليبها حسب كل ساحة ومرحلة، ولكن وفق ناظم فكري راسخ وهو أن من يصعب ترويضه لا بد من خلع أسنانه أو عزله وإن احتاج الأمر فسحقه بلا هوادة.(ربما يفيد هنا استعراض مرحلة 45-73 في ورقة أميركا والعرب). لكن وضوح المقصد في هذه الورقة يستلزم تسليط الأضواء على جملة مسائل تخص المنطقة العربية:

            أ‌-       أن المؤسسة شديدة النكير على فكرة الوحدة العربية. ليس عسيراً القول إن العالم العربي هو دونما مبالغة أهم المناطق في العالم للإمبراطورية الأميركية. ذلك ببساطة لما في هذه المنطقة من مقدرات تستطيع بها الإمبراطورية أن تستحوذ وتنفرد بوسائل التفوق على كل ما عداها. هنا منابع النفط، ومعابر النفط، ومصبات النفط، والحوض الجغرافي الذي يتوسط الدنيا ما بين غرب أوروبي وشرق آسيوي وامتداد أفريقي. وهنا الكتلة البشرية الواسعة والتي إن عانت من الفقر والتخلف إلا أنها معبأة بحلم الوحدة والعودة للصدارة بين الأمم ومفعمة بالكوادر المتنامية في كل مناحي الحياة رغم ما تعانيه من تخلف تقني وما يرتع حولها من أمية. أضف إلى انفجارها الديمغرافي وعلو مستويات الشباب الإحصائية فيها. لا يخدعن أحد نفسه بأن النفط العربي سائر إلى ضمور نسبي في أهميته لواشنطن وأن نفوطاً أخرى غير عربية أو مصادر طاقة بديلة في طريقها لأخذ قصب السبق ومن ثم الأهمية. فأولاً لا تقاس الأمور بكمية المنتج النفطي العربي في حجم الاستعمال الأميركي. الأهم، وبكثير، هو أنه حاسم الأهمية في استعمالات مناطق أخرى كأوروبا واليابان والهند وحتى الصين في المستقبل المنظور. وثانياً فإن نهم المجتمعات الصناعية وما بعد الصناعية إلى النفط هو بلا حدود، ثم إن بدائله باهظة التكلفة بما يغري بعدم إعمالها واستعمالها تجارياً. وثالثاً، فكل الصخب عن صعود النفط الروسي والقزويني واللاتيني هراء محض، فالصين والهند وفيهما 2.5 مليار بشر، ولا يحوزان ذاتياً على ما يلزمهما من نفط، خصوصاً وعملية التنمية فيهما على قدم وساق. ثم إن حاجة الغرب الأوروبي الأميركي هي في تصاعد غير ملجوم (لنتذكر شلل بريطانيا" العظمى" لأيام، عام 2000، عند إضراب عمال نقل النفط) وسيصل في منتصف القرن الذي نعيشه إلى مستويات تعسر استعاضتها ببدائل غير مغرية. ثم أخيراً وليس آخراً اقترب نفط بحر الشمال من النضوب، وحاجة روسيا إلى استهلاك نسبة وافرة من نفطها المحلي، والتضخيم المفتعل لاحتياطات قزوين، وهي في مجموعها لا تعدل احتياطي العراق. وكذلك تضاؤل احتياطات إيران والجزائر.

           ب‌-      يقودنا هذا السرد إلى تقرير حقيقة مؤداها أن العدوان الأنجلو فرنسي على مصر عام 56 كان في جذره بسبب تهديد حركة القومية العربية لمصالحهما في حوض النفط العربي وممراته (إضافة لسبب دعم ثورة الجزائر في الحالة الفرنسية)، وأن حرب 67 ولدت من رحم حرب اليمن بما عنته من اشتباك مباشر وغير مباشر بالسلاح مع قوات مصر- عبد الناصر على أرض الجزيرة العربية، وأن حرب 1973 كانت استمراراً- رغم منطقها الذاتي- لوالدتها 67، وان الحرب العراقية الإيرانية كانت لذة المؤسسة في طحن خصمين لها قادتهما الجهالة إلى مهاوي الجريمة. نأتي الآن إلى أم الحروب.. حرب الخليج، وهي الأصرح في تناولها لمسألة النفط، فهي حرب لم تنته فصولاً بعد، وهي في جملة واحدة حرب إرساء الهيمنة الأميركية القاطعة على العالم العربي وإعادة رسم تضاريسه السياسية بما يكفل لأميركا قرنا أميركا جديداً يلي ما سبقه من قرن أميركي بامتياز.

ج_ كيف يمكن بالتالي لبني المؤسسة البررة أن ينظروا بعين العطف لفكرة الوحدة العربية أو أي من مشتقاتها التجمعية. أيطمئنون إلى 300 مليون عربي يحوزون في أرضهم على أهم أسلحة الدنيا، ويتموضعون في قلبها، ويتماسون مع أوروبا الأطلسية، وينتمون إلى حضارة هي الوحيدة التي قاتلت الغرب بالسلاح وهزمته في مرات عدة، ويتواصلون مع ألف مليون مسلم في العقيدة والثقافة والهمّ الممزوج بالأمل؟ دون ذلك  خرق القتاد طالما استطاعوا ويسر لهم بنو هذه الأمة أو نافذون فيها سبيل ذلك.

د‌-     تمنعت المنطقة العربية بقيادتها المصرية على كل محاولات الغواية والضغط والتهديد والتآمر طوال سنوات 55-67، وشُنّت عليها حروب بالواسطة، بدأت في مصيدة الاستنزاف في اليمن (حرب كومر) وتوجت بقرار شطب جمال عبد الناصر، ومن خلاله حركة القومية العربية عبر الأداة الإقليمية الأخطر والأشد وثوقاً: إسرائيل. كانت الوسيلة إيقاع هزيمة مذلة بجيشه في سيناء لتفعل بعد ذلك فعلها ويسقط الرجل كأوراق التوت. ورغم أن الأمور لم تذهب وجهتهم المرجوة إلا أن ذلك لم يثن المؤسسة عن سعيها لفرضه بالقوة، وبالقوة نفسها، أي إسرائيل المدججة بالسلاح الأميركي الحديث الذي خاضت به مواجهاتها مع حرب الاستنزاف المصرية وعمليات المقاومة الفلسطينية عبر الجبهة الشرقية. لقد كان عاما 69 و70 من أصعب الأعوام في وجه صانع القرار الأميركي لما شهدتاه من نهوض عربي عارم ومقاتل، لكن ذلك كله لم يكن إلا ليزيد أميركا تصميماً على قهره وإحباطه، وهو ما تم فعلاً عبر أيلول الأسود ووفاة عبد الناصر ثم سقوط أنور السادات في أحضان العزيز هنري.

18-     نصل بذلك إلى مسألة إسرائيل واليهود: ضمن ما ورثته الإمبراطورية الأميركية الصاعدة عن قرينتها البريطانية الذاوية رعاية وتمكين المشروع الصهيوني في فلسطين ليضحي كياناً وظيفياً بامتياز وسط منطقة غير مأمونة، بل ومحسوبة تاريخياً في خانة العداء. لم يكن ذلك عند الإنجليز... منذ أيام جلاديتون وبالمرستون- ولا بعدهم عند أقرانهم الأميركيين، منذ أيام الآباء المؤسسين وحتى اللحظة- منطلقاً من ولع شديد بحب اليهود ولا حدباً ولا إشفاقاً من معاناتهم الأوروبية اللافظة، وإنما اختراعاً انكلوسكسونياً خالصاً في البداية، ثم ممتزجاً بدعاوى صهيونية لاحقة لم تلق بين جموع اليهود وحتى الحرب العالمية الثانية إلا التجافي والنأي، لأنها تعمق عزلتهم –الأشكناز منهم- بين بني قارتهم من المسيحيين، وتغلق أبواب الاندماج المأمول خصوصاً مع وفود عصر الأنوار وتسيد أفكار الحرية والإخاء والمساواة التي حملت رياحها الثورة الفرنسية. لنتفكر كم قاسى اليهود مرات ومرات ليتمكنوا من الفرار من البوجروم  الروسي والمعاناة الأوروبية وبالأخص منها الجرمانية، وليؤذن لهم بوطء أرض الحلم الأميركي بأقدامهم عبر قرابة القرنين (فتح وإغلاق وتقنين وترانسفير إلى فلسطين) وصولاً إلى قرار بوش الأب عام 89 بإغلاق الحنفية ليجبر الراحلين من الاتحاد السوفييتي على التوجه إلى فلسطين وفلسطين فقط، مما أوصل أعدادهم –النقية والملوثة- إلى رقم المليون عبر التسعينات والذي مكن إسرائيل من شحن بطاريتها بما لا يقاس واستدخال  كوادر متميزة في حقول التقانة والعلوم في نسيج بنيتها الاستيطانية الكولونيالية. ثم من قال إن يهود أميركا لم يعانوا كما عانت شتى الأقليات من غير الانجلوسكسون كالكاثوليك والآسيويين-هذا ناهيك عن السود في فترات سالفة من التاريخ الأميركي... القريب بمجمله. هم عانوا بما فيه الكفاية، ولكنهم ثابروا –كما أقر-انهم الأقلويون- حتى نالوا مع تقادم الوقت حقوقهم وثبتوا أقدامهم وعلوا بمقامهم، وساعدهم في ذلك واقع أنهم من نفس المشارب الأوروبية- وكذلك أطياف الكاثوليك- ولا يحملون قضية بذاتها هي على النقيض من رؤى المؤسسة للداخل والخارج. ثم إن اليهود بالذات –كجماعة وظيفية- تميزوا بقدرتهم الفائقة على أداء المنافع ولعب الأدوار التي تلزم أي مجتمع رأسمالي، وبالذات منه مجتمع أميركا الفوار والمنتظم تحت عقيدة المنفعة. ترى اليهود متمركزين في البيوتات المالية والمهن الحرة ومرافق الإعلام وحقول البحوث والأكاديميا، ولا تراهم في الصناعات التقليدية وما بعد التقليدية بنسب مؤثرة. لقد فهم اليهود في أميركا منذ وقت مبكر أن الوصول إلى مواقع النفوذ مشترط بالتنظيم المتماسك حتى وإن تنوعت تلاوينهم بين يمين ويسار وما بينهما. وهم لأقلويتهم الملحوظة كانوا ولا زالوا شديدي الدأب على إسماع أصواتهم، والإسهام بجدية لا تعرف اللامبالاة –كما حال الجمهور العادي- في لعبة تشكيل الرأي العام وصوغه. وساعدهم في ذلك أن تطلعاتهم- قبل إسرائيل وبعدها- لا تتناقض البتة مع طروحات المؤسسة، وبالأخص منها القارية، بل وأسهموا من جملة قوى مجتمعية عدة في إنهاض حركة الحقوق المدنية عبر الستينات ببصيرة الذي يدرك أن ما يمارس على زيد من الناس قد ينطبق على عمرو إن لم تعتدل معادلة التعامل وتتحلى بالإنصاف.

قد يقول قائل إنني أصور المسألة متجاهلاً مكانة النفوذ الصهيوني ومغمطاً دوره في إدارة السياسة الخارجية نحو العالم العربي والإسلامي.

إن كان لي إسهام في شيء فهو محاولة إزالة الغشاوة عن بصر شرائح مهمة من "النخبة" العربية وتبديد الوهم الذي يتلبسها، وهو وهم التسيّد اليهودي على المؤسسة الأميركية الحاكمة. لا شك أن هكذا مقولة تنفع صانع القرار الأميركي بلا حدود، إذ هي توفر له هامشاً من البراءة المغلوبة على أمرها، كما توفر لـ "حلفائه" العرب تعلة يتشدقون بها صباح مساء لإرساء حاجز بين الحقيقة العارية وبين أذهان شعوبهم.

تعرفون وأنا هنا أعيد القول –أن أميركا هي في الأساس مجتمع أعراق متعددة، لكنه ممسوك من المركز إلى الأعصاب من أغلبيته الأوروبية ذات الرجحان الأنكلوسكسوني والتي تمكنت لتاريخه- عبر تكنيك الإمزاج- من ضبط إيقاعه وبإسهام مميز لمؤسسة إعلامية تقولب ذهن ومزاج وسلوك الإنسان، وفق معاييرها ونواميسها. كان اليهود-ولا زالوا- جزءاً حيوياً من هذه المنظومة التي تتربع فوقها المؤسسة الواسبية يمارسون دوراً متصاعد النفوذ ولكنه بينه وبين الهيمنة مسافات ضوئية. هذا اللوبي اليهودي الذي تنسج حوله الأساطير هو واحد من لوبيات أثنية عديدة هو أغناها وأكثرها حراكاً سواء في مجال الأعمال أم المهن الحرة أم الإعلام أم الوظيفة العامة. لكن أياً من هذه اللوبيات- وبضمنها اليهودي- لا يستطيع أن يحرك ساعة المؤسسة عن عقاربها مهما فعل. ولنا في المثالين الأرمني واليوناني- وهما من الأشداء- كل العبرة لجهة عجزهما عن إثناء المؤسسة عن رعايتها الحميمة لتركيا الأطلسية. بل هاهو اليهودي ينشلّ عن التأثير- رغم صخبه-عندما أمر جيمي كارتر إسرائيل مناحيم بيغن بالانسحاب من جنوب الليطاني في ربيع 78. هذا دون ذكر ما فعله أيزنهاورمع بن غوريون عام 57، أو ما فعله نيكسون بجولدا في الأيام الخمسة الأوائل من حرب أكتوبر، أو ما فعله بوش الأب باسحق شامير أيام الصواريخ العراقية في يناير 91، أو ما فعله ريجان باللوبي المذكور بخصوص صفقة الأواكس للسعودية في أكتوبر 81 وغيره وغيره  من الشواهد والدلائل.

حقيقة الأمر أن تساوق الموقف الإيديولوجي لليهودية الأميركية مع السياسات الأميركية في المنطقة يضعهم في موقع الترس الفاعل في جهاز المؤسسة الحاكمة والمهيأ لأداء أفضل أدوار المنفذ الأمين، ليس فقط لأنها سياسات المؤسسة، ولكن لأنه مؤمن بها من الرأس وحتى أخمص القدم.

نريد القول أن اليهود في أميركا متنفذون ومنفذون، لكنهم ليسوا مهيمنين بحال من الأحوال. ثم إن توصيف الصهيونية يحتاج لتدقيق، إذ إن الصهيونية غير اليهودية هي الأم الحنون، ونجلتها هي اشتقاقها اليهودي، وليس العكس. وليصحح لي من يستطيع كيف لم يصف نفسه أي رئيس أميركي منذ وودرو ويلسون راعي وعد بلفور ووصولاً إلى بوش الابن إلا بأنه صهيوني بما يعنيه ذلك من عقيدة سياسية ترمي إلى جعل إسرائيل وطناً لليهود وحصناً متقدماً للغرب؟ قد ينبري قائل للقول: ألم تر رئيس الكون يأمر شارون إسرائيل بالانسحاب الناجز من أراضي السلطة الفلسطينية ليقابله بغلظة المتمرد الرافضة؟ أرجوكم أن لا تنخدعوا بالقشور، وهي في جلها كاذبة حتى وإن بدت خادعة. لقد عاشت المؤسسة الأميركية أياماً قلقة في الأسبوع الأول من نيسان وهي ترقب الأرض العربية تميد بعض الشيء تحت أقدام مصالحها وتتطاير منها شرارات الغضب الذي يمكن له إن ترك على عواهنه أن يتحول من شرارة إلى حريق. ومن هنا الحاجة إلى ممارسة عملية خداع تكتيكي حتى وإن بدا يمس بهيبة الرئيس الكوني بعض الشيء، فما أن تم ترطيب أجواء المنطقة حتى عادت اللهجة إلى عرينها الأصلي صفاقة واحتقاراً.

الآن، ما هو محل إسرائيل من إعراب المؤسسة؟

هي باختصار،  قاعدة الخيار الأخير. إن تصور المؤسسة لشكل المنطقة هو ببساطة أن تغدو إسرائيل وكيلها الإقليمي بامتياز والذي تحلق حوله عناقيد عربية منتظمة الارتباط تسبح في فلكها. وهي بدورها إحدى كواكب المجرة الكبرى.

هذا يتطلب في الأساس تمكين إسرائيل من تطبيع وجودها وعلاقتها بالمحيط وتوفيرها من المطبات التي يمكن لأميركا مباشرة أن تعالجها وتحتوي آثارها. من هنا منع إسرائيل رغم قصفها بصواريخ العراق من الرد بالمثل. ومن هنا لجمها عن التدخل لاحقاً في المسألة العراقية والإيرانية رغم ما يعتورهما من تهديد كامن لإسرائيل في المدى المتوسط من الزمن. تطبيع حياة إسرائيل في المنطقة يتطلب قبل كل شيء حل المعضلة الفلسطينية –المفتاح وفق سقف المطامح الصهيونية بإنشاء دولة ملحق تلبي أبسط ما تيسر من مطامح "شعب طال عذابه" وتشكل جسراً مباشراً لإسرائيل إلى العالم العربي وبالأخص منه بلاد الشام والرافدين، وتكفل تصفية الحقوق الأساسية لهذا الشعب المنكوب، وبالأخص منها حق العودة. في القادم من الزمان، وبعد أن تستكمل المنطقة شروط التطبيع الإسرائيلي تصبح بأسرها مكفولة من قبل الوكيل الإقليمي دونما حاجة بين الفينة والأخرى لأن تنشغل بها المؤسسة مباشرة لمعالجة همومها كما هو الحال الآن. وطالما أن الموجه الأساسي للمسار هو رئيس العالم من واشنطن.

لنتذكر معاً أن قيمة إسرائيل لمخطط  السياسة الأميركية تمتد حتى خارج العالم العربي، إلى أفريقيا وآسيا لدرجة أن باب البيت الأبيض لا يفتح لنيل الرضا ومنح البركة إلا بيد التشريفاتي الإسرائيلي، وذلك لكل الدول التي تتوسل الشفاعة، أمثال دول آسيا الوسطى والقوقاز وحتى أندونيسيا وأضرابها.

19-     في ذات السياق، ما قصة المؤسسة الحاكمة مع الإسلام؟ يجدر أن نبدأ بتقرير أن الإسلام –بما له من إسقاط استراتيجي- عومل كاحتمال إضافة إلى الرصيد، رغم كل المخاوف الدفينة من احتمال انبعاث حركة تقارب إسلامي قاري الطابع (الدائرة الإسلامية لعبد الناصر). دعونا لا ننسى أن أميركا هي التجدد الإمبريالي لأوروبا المتراجعة، وبالتالي ففي مخزونها الديني والقيمي والذهني كل ما زخرت به المؤسسات الأوروبية من عداوة دفينة وتربص مقيم بعالم الإسلام الذي أذاقها ذات يوم الويلات إن كان في حياضه أم في عقر دارها.

هذا أكيد، لكن ذكاء المؤسسة كان في تجيير خصومة الإسلام اليقينية مع الشيوعية فكراً وعقيدة ومنهجاً لصالح توظيفه في حربها مع عدوها الأخطر- لقوته المحققة وليس المحتملة كما الحال مع الإسلام – أي الاتحاد السوفييتي. هذا يفسر لنا التحالف المقدس بين جماعات الإسلام السياسي في العالم العربي وبين المنظومة الأميركية والذي امتد منذ محاولة اغتيال عبد الناصر في أكتوبر 54 إلى حين فتح كابول في إبريل 92. تندرج في هذا السياق قصص الحلف الإسلامي ثم المؤتمر الإسلامي وتحالف العباءات والعمامات –إلا من رحم ربي- في حرب أفغانستان الأولى. في تلك الأوقات – وباستثناء الثورة الإيرانية، رغم تحالفات عارضة – لم يكن الإسلام خطراً تكتيكياً بادياً ولا كامناً بل ممثلاً بقواه الحاكمة منها والنافذة حليفاً تكتيكياً يقارب درجة الاستراتيجي – من الطراز الأول. لقد جمعت الشامي على المغربي قضية مشتركة هي تدمير الاتحاد السوفييتي والراديكالية القومية معاً. إذن، لماذا ومتى حصل الفراق وتلته الخصومة؟ عندما شعرت جماعات الإسلام السياسي أنها استعملت بلا حدود ثم لفظت بلا حدود أيضاً. وعندما انخرطت بعض فصائلها في قتال إسرائيل، ثم –وهو الأهم- عندما هال بعضها أن تأتي أميركا بقضها وقضيضها لتقبع في ديار الجزيرة قاعدة لها وموطناً.

عندها تباعدت المصالح المتقاطعة، ودبت الفتنة بين حلفاء الأمس، وأصبح الصدام المفتوح مسألة وقت. لاحت تباشير ذلك عند محاولة العنف الأولى على الأرض الأميركية في فبراير 93، وكانت نذيراً معبأ باحتمالات خطيرة لما في جعبة الزمان. في ذات العام وقع اشتباك كان له دور الشرارة في إيقاد اللهيب، وكان على أرض الصومال، ثم أحبطت محاولة أخرى على الأرض الأميركية عام 1994، ثم تسارعت ميادين الصدام في الجزيرة عامـي 95 و96، ثـم في شرق أفريقيا 98. ثم كان اصطياد فخر البحار المدمرة "كول" في عدن 2000، ووصلنا بعدها إلى عاصفة النار والدمار في نيويورك وواشنطن 2001. كانت حرب الخليج والتي – أكرر: لم تنته فصولها بعد- هي صاعق التفجير الأساسي. بهذا كله عاد الإسلام بما هو مخزون حضاري واحتمال جيو استراتيجي لينتصب عدواً. لا بد من مقارعته بكل الأسلحة، وهو في ذات الوقت يوفر النسغ لمطلب العدو الصمغ، وهو مطلب لا غنى عنه في إعمال المؤسسة لهدف الهيمنة الإمبراطورية الشاملة على الكون.

ما الذي حصل في أميركا بعد عاصفة النار على أرضها؟ إن تيار اليمين الذي يمسك الآن بمقاليد المؤسسة الحاكمة استفاد إلى أبعد الحدود مما حصل في أيلول الماضي وأخرج من الأدراج كل ما في مخبآتها من خطط لإنقاذ مطلب الهيمنة الكونية الشاملة وبسعار قل نظيره في تاريخ العالم الحديث. يريد هذا اليمين أن ينشر سلاحه في أربع زوايا المعمورة لإيقانه أن الأهم والأضمن من مقدراته هو القوة العسكرية الكاسحة بـ1.4 مليون تحت السلاح يملكون ترسانة تعج بالأحدث والأخطر من تقنيات السلاح.

لم تكن سلوكيات اليمين منبعثة فقط من استفادته من فرصة الضربة الموجعة التي تلقاها بل وأيضاً من خشيته غير المحدودة من احتمال تعرضه لمثيلها وأكثر. وبالتالي فإما أن تبطش الآن ومرة واحدة، وبالجميع، وإما أن تصبح كالأسد الجريح الذي يجد نفسه في قفصه عرضة للفرجة. الآن وبعد شهور عشر من شن الحرب على "الإرهاب". هل كان الفوز حليف يمين المؤسسة الحاكم أو هو في طريقه إليه؟ لست من أهل الخطوة ولا قارئي الفنجان لكن بصيرة المرء لا مندوحة تقوده إلى الجزم بأننا في خضم صراع مفتوح يتخذ طابع "الحرب غير المتوازية" والتي تحارب فيها إمبراطورية جماعات عابرة للدول تقاتل بما يصعب جبهه، ناهيك عن اجتثاثه خصوصاً وأنها – بغض النظر عن تكلسها الفكري- تملك ناصية استخدام أحدث التقنيات وتملك قبل ذلك عصب الحرب: المال، وتملك فوق ذلك إرادة القتال. وخلف كل ذلك ومعه عقيدة تعسر مغالبتها، وتتلخص أساساً في جملة واحدة: إجلاء الأميركان عن جزيرة العرب.

20-     لقد كانت الضحية الأميركية الأولى من أحداث أيلول هي ترسانة الحقوق الشخصية والمدنية والحريات الليبرالية وضمانات المواطن في دستور البلاد إذ ما أن انقشع غبار عاصفة النار والدمار حتى جُيّش الكونغرس وعاطفته المشبوبة لإيقاظ شعور الوطنية العصابي وتيسير نحر الحريات على مذبح "الأمن". وهنا يجوز التذكير بأن الليبرالية هي من "تجليات" الديمقراطية وإن افترقت عنها مصطلحاً ومعنى، إذ هي جزء من كل. إن المجتمع الأميركي في جله الغلاب مسكون بالنزوع إلى الحريات المدنية والشخصية وقليل التحمل للخسائر البشرية ومغسول الدماغ بآلة إعلامية لا يعلو عليها كعب، وخائف مذعور من العنف الخارجي على أرضه واحتمالاته الكامنة، ومحشور في زاوية أن الوطن والدولة مهددتان ومهدد في رخائه المعيشي غير المسبوق، ومجروح في عنفوانه وكرامته المضروبتين في أيلول.

كان قبل أيلول لا ينصرف – خارج نطاق النخبة- إلى ما يجري خارج دائرته الصغيرة إلا بما يمسه في رزقه وأمنه وحرياته ولهوه، ولم تبرز أمام بصيرته بعد فجوة تصديق لما يردد على مسامعه صباح مساء، وهو الآن ممزق بين التخويف الدائم مما هو ربما قادم وبين ادعاءات النصر في جبال أفغانستان ثم ما يسمعه عن أسلحة العراق المقتربة من مدنه إن لم تدمر أولاً!

قد يتساءل المرء: لم لم تغتنم المؤسسة فرصة ما جرى في أيلول لمراجعة النفس والسياسات؟ والجواب هو أن الإمبراطورية العظمى والوحيدة –اليوم- لن تتصرف وفق مفهوم العقل وملكاته المفترضة بل وفق مفهوم توكيد وإعادة توكيد الهيمنة وبالقوة السافرة أيضاً.

متى إذن تصيخ هكذا قوة لصوت العقل؟ بعد أن تنداح منفلشة في أرجاء المعمورة بما يترتب على ذلك من تكاليف باهظة –حتى ولو أمرت غيرها تولي بعض الأعباء- ومن خسائر تتأتى من كعاب أخيلها في سياق فرط التمدد ومن ثم الانكشاف.

ورغم كل ما يبدو على السطح من قامة طولها عشرة أقدام فإن المؤسسة وخبراءها الحصيفين يسابقون الزمن لتقصير باقي القامات حتى لا تطاول السيد الأكبر وفي أذهانهم كابوسان مزعجان: الصين والإسلام. اترك الاستشراف بعد هذه المقولة لورقة أخرى.

21-     يحسن بنا هنا أن نمر سريعاً على موضوعة العولمة، ولمجرد القول أن الهيمنة الكونية الشاملة هذه لا تتوسل إليه المؤسسة سبيل قعقعة السلاح فحسب، إذ توازيها أهمية، إن لم تفقها أحياناً، سبل الفتح بغير سلاح. ولكم يبدو تعريف العولمة بما هي حرية انسياب السلع والخدمات ورأس المال والقوة العاملة بين الدول مضروباً في مقتل عندما نرى أن حرية حركة القوى العاملة من الجنوب الفقير إلى الشمال الميسور معاقة إلا وفق مقتضيات السوق الناظمة، وأن حرية السلع هي مواد خام أو ثروات طبيعية بسعر زهيد تتجه شمالاً وسلع مصنعة ومعلوماتية مصحوبة بمرافق خدمية تنهال جنوباً وبأعلى الأسعار. وما منظمة التجارة العالمية إلا موئل ضابط ليس لحرية التجارة كما يردد العولميون وإنما لتنظيمها وفق مصالح السبعة الكبارG-7 وشركاتهم المتعددة الجنسية. وكم ينطبق ذات القياس في قليل أم كثير على صندوق النقد الدولي المختص بإفقار الشعوب وإنضاب ثرواتها، وكذلك على قرينه بالسوء البنك الدولي. إن "ديمقراطية" السوق واقتصاد السوق هما صنوان لا يفترقان، وعندما يتماهيان مع رموز الحياة الأميركية المصدرة تصبح القضية باختصار عودة الاستعمار وبأرقى أشكاله ومظفراً محوطاً بنخب محلية جل طموحها أن تتراوح بين العبودية والتبعية، سابحة في مجرة السيد الأوحد.

22-     لنتذكر أيضاً أن العنف واحد من أهم أعمدة التركيبة الأميركية، سواء لجهة الفرد أم لجهة المجتمع أو الدولة. وأنا بهذا لا أبتغي شيطنة أميركا ففي ذلك شطط يجانب الحقيقة. المسألة هي أن جذر العنف متأصل. هذا السيل من الأفلام الطافحة بالعنف المقزز. هذه النسبة من الجرائم التي تعشش في المدن والحواضر.. هذه المنعة لجيوش الجريمة المنظمة والتي تتاجر بالمخدرات والجنس والقمار والنساء وكل ما يخطر على بال بشر. هذا الولع بألعاب الحاسوب العنيفة. هذه الظاهرة من حوادث القتل في المدارس والجامعات. هذا التمسك شديد البأس باقتناء السلاح ليوم ربما أغبر... عشرات ملايين القطع يتداولها الناس تحت يافطة الحق التاريخي والطبيعي لاقتنائه... هذا الميل الغريزي لدى المؤسسة لاستعمال السلاح في الصغيرة والكبيرة.

دعونا ننتقل إلى زاوية أخرى وهي ما أدعوه "الفساد من نوع راق". هل أتاكم حديث إفلاس واحدة من كبريات شركات الطاقة "إنرون" وما تلاه من اهتزاز عملاق المحاسبة آرثر أندرسون ثم ما لحق الاثنين من عوارض مماثلة أصابت شركات أخرى ذات وزن وقيمة؟ لاحظوا التكتم الشديد على علاقة إدارة بوش الابن بهذه الفضيحة الإنرونية رغم ما تسرب في البداية عن صلة له بها مباشرة. تذكروا كم ارتبط اسم كلينتون بالفضائح الجنسي منها والمال.. والأخير منها مطمور. أيتذكر أحد من أين أتت ثروة كينيدي الأب؟ ألم تكن من تجارة الكحول الممنوعة في ثلاثينات القرن المنصرم؟ أنسينا فضيحة مدير الميزانية في عهد كارتر وصديقه الأقرب وبعده أخوه الشقيق؟ هل لنا أن نذكّر بأن خمسة شيوخ تلقوا رشوات في عهد بوش الأب من بنوك محلية وعوقبوا بالتوبيخ فقط؟ ما أريد قوله باختصار هو أن الطبقة السياسية مترعة ببقع من الفساد، ما خفي منه أعظم مما اشتهر، لكن الأمانة تقتضي القول أن صمامات الأمان في مجتمع ليبرالي متوافرة للترصد والكشف والحساب، خصوصاً والتدافع بين شرائح المؤسسة يصل أحياناً إلى حدود التناقض. تبقى نقطة جديرة بالطرح وهي تخلف آليات الحكم عن مواكبة رياح التجديد والتمثيل المعقول لاختيارات الجمهور. أيعقل أن يحكم رئيس بأقلية 43 % من أصوات الناخبين كما كان الحال مع كلينتون في فترته الأولى؟ أمنطقي أن يخسر بوش الابن الصوت الشعبي بمئات الألوف ليفوز بالرئاسة بفارق مئات فقط؟ ألم تصبح أحجية " الكلية الانتخابية" التي ابتدعها الراسخون في العلم أضحوكة مطلع القرن الحادي والعشرين والتي جلبت إلى سدة الرئاسة ولأول مرة في التاريخ الأميركي رئيساً حكم له القضاء بالغلبة بدلاً من اختيار الشعب؟ وفي عودة خاطفة إلى موضوعة العنف.. أليس شاذاً أن يقتل ثلاثة رؤساء من أصل ثلاثة وأربعين وفي مجتمع يتمنطق بالديمقراطية ويؤذن لها فوق سطح البسيطة أقم الصلاة آمين؟ هل نعرف إلا القشرة عن قصة المخدرات ورعاتها وحماتها وباعتها إلى ومن الداخل الأميركي بينما أسماعنا تصم من ذكر أجهزة المؤسسة لحربها ضد الكارتل؟ هل أتاكم حديث نشطاء السود الذين واجهوا مدير وكالة المخابرات المركزية(96) جون دويتش باتهام وكالته بترويج أشد عقاقير المخدرات فداحة بين شبان ضواحيهم  وعجزه المفجع عن رد التهمة بإقناع؟ هل نسينا واحداً من أهم أباطرة المؤسسة إدجار هوفر مدير وكالة المباحث الفيدرالية والذي قضى في منصبه قرابة عقود أربعة لا يجرؤ على عزله قرابة ثمانية رؤساء لما في جعبته من فضائح تهددهم أنفسهم بالعزل عاراً وفناء؟ ألم يقض على يديه كل من مالكولم إكس ومارتن لوثر كنج لأنهما شكلا في نظره خطراً محيقاً على المؤسسة. ألم يرتع آلان دالاس على عرشه في وكالة المخابرات المركزية أربعة عشر عاماً وهو يجوس في الأرض ومن عليها مدبراً بليل وتطلب عزله فضيحة الخنازير ليجرؤ كينيدي على أخذ نفس عميق والتوكل على الله وعباده؟ ما سر مقتل وليم كولبي المدير الأسبق للوكالة ذاتها عام 95 وهو يتنزه في قارب صغير فوق أمواج نهر البوتوماك؟ من قتل كينيدي؟ ربما سنعرف قبل قيام الساعة وبعد إعادة مشاهدة فلم JFK مرات عدة لنهضم مقولته بأن نائبه جونسون  عميد رعاة البقر نفذ أوامر المجمع العسكري- الصناعي وصفاه لتغريده خارج السرب كما تجلى الأمر في تناوله لمسألة اللاجئين الفلسطينيين في مراسلاته مع ناصر ربيع 61، وما لحقهما من فتحه العين الحمراء على مفاعل إسرائيل الذري في ديمونة في لقائه الأخير مع بن غوريون بداية صيف 63 (وهو المفاعل الذي سمح آيزنهاور لفرنسا جي موليه بتوريده لإسرائيل)؟ لنتذكر دائماً تعبير دولة الأمن القومي المنبعثة من قلب المؤسسة الحاكمة ودماغها وأعصابها الحساسة والتي ما انفكت منذ أيام فرانكلين روزفلت وهي تمسك بأعنة الدولة التي تنفق الآن قرابة 400 مليون دولار في العام عليها. يفيد في هذا السياق التنبه إلى أن نواب الشعب وشيوخه حلفاء أشداء للتجمع العسكري الصناعي إذ من خلال عطاياه يوفرون الوظائف في ولاياتهم لناخبيهم.

ليس هنا من قبيل التجاوز أو الإغراق في الوصف تقرير أن أخطبوط دولة الأمن القومي متمدد في نسيج الحياة الأميركية بطريق يصعب الإنفكاك عنها إلا بانزياح المؤسسة المعهودة وحلول أخرى برؤى مغايرة، بل ونقيضة ترفع راية السلم شعاراً وتطبيقاً، وتجنح إلى مصالحة النفس والغير وفق مفهوم عقلاني للأمن القومي يتأتى عبر الاعتماد المتبادل بين الأمم وتعاونها لما فيه رخاء البشرية. لا يساعدني بصري على رؤية ذلك اليوم رغم يقيني الثابت أن في أحشاء المجتمع الأميركي قوى خيرة كثيرة هي في قناعاتها إنسانية ومنصفة لكنها مغيبة أو مهمّشة أو مدجنة.

والسؤال فيما يخصنا، هل في المؤسسة الحاكمة من ينزع إلى إرساء علاقة متوازنة ودودة مع عالم عربي مستقل الإرادة؟ ليس فيهم إلا من رحم ربي! من هم هؤلاء؟ هم بعض من اشتغل في خدمة السلك الخارجي في مواقع عبر العالم العربي واكتشفوا عقمها وعدائيتها المضرة بمصالح الأمن القومي الأميركي الحقيقية، وبعض من درس ودرّس واشتغل وعاش بين العرب وتعلق بطرائق حياتهم وتفهم همومهم وعدالة قضاياهم (من البارزين جورج بول وجيمس إيكنز، وتالكوت سيلي وآخرون). ثم هناك في السنين الأخيرة عدد متنام باضطراد من أساتذة الجامعات وجحافل طلابها ممن يتفهمون قضايا العالم الثالث بمجملها، وبضمنها المتعلقة بنا في العالم العربي، ويشعرون أن أميركا عادلة ومتشاركة مع الغير أنجع وأفضل بمثقال من أميركا مهيمنة ومشبكة مع طوب الأرض. هل من أمل يعلق على هذه الشريحة التي لا زالت محدودة من المستنيرين والمتعافين من مرض الهيمنة؟ الجواب القاطع هو بنعم مشروطة بشرط أوحد وهو أن يجد العالم العربي نفسه بالعودة لامتلاك زمامه ومقدراته والوقوف على قدميه قوة تشارك في صنع القرار العالمي. عندها ستعلو الأصوات في واشنطن تحديداً لتعامل عقلاني مغاير لما ساد حتى الآن. إن الإنسان الأميركي في العمق إنسان يمكن الفوز بضميره إن عرف الحقيقة طريقاً. المشكلة ليست في هذا الإنسان بذاته وإنما في قدرة المؤسسة المذهلة على ترويضه وتعليبه  وصنع رأيه العام. نعود للدائرة الأولى: دعونا لا نعلق عليه الآمال إن لم يعرف العالم العربي له طريقاً آخر غير ما هو عليه. وحينها سيكتشف هذا الإنسان أن نظيره العربي جدير باحترامه وبندّيته.

23-     نخلص من هذا كله لنسأل: أين العرب والمسلمون مما أطلنا في بيانه؟ لا تطلبوا منهم أن يكونوا اللوبي الذي يحلم البعض به ليناظر منافسه اليهودي، وحينها ينصلح حال هذه الأميركا. ليست القصة قصة لوبيات، لا عربي ولا يهودي ولا موزامبيقي. هذه تنويعات على المقام. يكفي العرب والمسلمين هَمّ أن يحفظوا ويحافظوا على حقوقهم وحرياتهم. وحتى ذلك يعز عليهم الآن دون أدنى مبالغة، وهم إن تجاوزوا ذلك بعض الشيء – نصرة جماعات الحقوق والحريات- فليس بمقدورهم إلا أن يكونوا رافعة لنهوض عربي من داخل المنطقة الأم. الأساس هو أنتم هنا، وأما نحن فسند يشتد ساعده إن وقفتم على أقدامكم وأوقفتم الانحدار الذي يبدو للناظر بغير قرار. أما أن تنعكس الآية ويصرخ العاجزون: أين اللوبي (العربي)؟ ولم هو قاصر عن جبه العداء السافر هناك لنا فهي صرخة في واد غير ذي زرع. وهنا لا أريد أن يريح البعض أعصابه بترديد مقولة أن أميركا مع منتصف القرن ستصبح مأهولة بأغلبية عالم- ثالثية، إذ من يقاتل في كل العالم لتوكيد هيمنته وتأبيدها لن يقصر عن اجتراح وسائل تأمين ذلك في داخل الديار مهما كان الثمن ومهما غلت التكاليف.

24-     ندلف إلى الختام بإلقاء نظرة طائر تسلط الضوء على أوضاع العرب الأميركيين. ومن موقعي كعضو مجلس أمناء أهم منظماتهم الـ ADC، وقبلها كرئيس لرابطة الخريجين، وقبل كليهما كرئيس للجمعية الطبية العربية الأميركية:

            أ‌-       إن العرب الأميركيين ليسوا للآن كتلة متجانسة موحدة المفاهيم والتطلعات، إذ حالهم مرآة عاكسة لحال العرب في وطنهم الكبير، فما بين القطرية بل والمحلية إضافة للتنازع الولائي  ما بين عربي ومسلم، إضافة لبعض العنعنات المذهبية يجد المرء نفسه ممزقاً بين ولاءات عدة لا ينظمها ناظم.

           ب‌-      إن وعي العرب الأميركيين بذاتهم وبقدراتهم لم يرتق بعد إلى المستوى المطلوب بل والمتاح، إذ إن العديد منهم لا زالوا بعيدين عن الاهتمام العام والتواصل مع المحيط السياسي والإعلامي. ولذلك مسببات سلوكية وثقافية متنوعة. المهم في الأمر أن تحولات تراكمية بطيئة التسارع شقت طريقها منذ 1980 (تاريخ تأسيس الـ ADC) لتجعل حال الجالية العام أفضل نسبياً مما كان عليه قبلها.

ج‌-     إن أحداث أيلول كان لها أثر شديد السلبية على حياة العرب والمسلمين في المهجر الأميركي، لجهة إنكشافهم العاري أمام تغول الأمن وأمام حماقة الرعاع. بالمقابل، فلقد كان لهذه الأحداث فضل توثيب الجالية على أن تقف لتدافع عن نفسها. وفي حياض ما تبقى من حريات وحقوق تكاد تعصف بها حمى النيومكآرثية المستعرة.

د-     إن المنظمات العربية الأميركية تعاني من نقص الموارد المالية وضعف الاستجابة الشعبية والشللية وما إلى ذلك من اختلالات بنيوية تضعف من قدراتها وتحد من عطائها. لكن هذا كله لا ينتقص من إنجازات كبيرة قامت وتقوم بها هذه المنظمات. ويجدر التنويه علامات على الطريق.

هـ-          إن انتظار جودو في أن يتمكن عرب أميركا من تحييد أميركا نفسها ذاتها أمر لا طائل تحته، كما سبق وفصلت. لكن هذا لا يحدّ من دور الجالية القائم والقادم في حماية مصالحها وثقافتها ضد التمييز الإثني، وفي محاولة للتخفيف من غلواء السياسة الأميركية هنا وهناك (مثال تشريع محاسبة سورية والسلطة الفلسطينية)

و- إن الرسمية العربية تحسن صنعاً إن هي نأت بنفسها عن التدخل في شؤون الجالية ضغطاً كان أم غواية، خصوصاً وأن العالم العربي يفتقد لمرجعية قومية قابضة على أعنته وحاله كملوك الطوائف لا تسر صديقاً بل وتبعث الحبور في قلوب أعدائه.

أختم بإبداء المعذرة عن هذا الاستطراد المرهق، وتعلتي أن الموضوع زاخر ومتشعب، ويحتاج رغم كل التكثيف إلى مجلدات لا صفحات. لقد مضى عليّ قرابة ستة وعشرين عاماً وأنا في العالم الجديد. وأصدقكم القول أن المرء يحتاج لعمر نوح حتى يستطيع أن يلم بأمانة الباحث بهذا المحيط الذي استطاع في آن معاً أن يثير ويحتفظ بإعجاب وحنق البشرية معاً وسوياً. أليست هذه في نبضة المعجزة الأميركية؟

.

 


 

(*)  محاضرة د. كمال خلف الطويل في دورة معهد الإعداد الإعلامي – حول: الصراع العربي ـ الصهيوني 8-11/7/2002.

Hosted by www.Geocities.ws

1