الجدار الصهيوني العازل جنون مطبق !
لو أن العالم يعيش ظروفاَ طبيعية، وتحكمه علاقات المنطق الإنساني لا علاقات الحرب الهمجية، ولو أن مؤسساته الرسمية قادرة على الكلام الذي يغضب واشنطن، فما الذي سيقال عن مجرم مجنون يقيم جداراَ من الاسمنت المسلح بارتفاع ثمانية أمتار، ليس لتقسيم مدينة واحدة، بل بطول مئات الكيلومترات، لتطويق واعتقال الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني؟! هل يعقل أن كائنا طبيعياَ، معترفاَ به كرئيس حكومة، ويرأس دولة تتبادل العلاقات مع عموم دول العالم، يقدم على بناء جدارلا يجوز تشبيهه أبداَ بجدار برلين المتواضع؟ هل يعقل إلا أن يكون هذا الكائن مجنوناَ ومجرماَ ومتوحشاَ؟! أما الأغرب فهو أن تجامله دول العالم، وإن خوفاَ من الإدارة الأمريكية، فتتعامل مع ما يرتكبه كأنما هو فعل طبيعي مبّرر وعاقل !
إن قصة الجدار الصهيوني العازل أبعد من أن تكون مجرّد قصة جدار فصل عنصري. إنها تعبير عن الجنون والوحشية، باعتبارها محاولة لإنشاء سجن كبير يحتجز شعباَ بأكمله! إنها فعلة كافية في حد ذاتها للحكم على الكيان الصهيوني بالإدانة والزوال، من دون الحاجة للبحث في أي أمر آخر، قديم أو حديث، ومهما عظم!
وماذا لو اقتدت حكومات العالم بما فعلته هذه الحكومة الصهيونية الشرعية دولياَ، فأقامت كل حكومة جداراَ يطوّق دولتها، حيث ذلك يعني تلقائياَ تطويق غيرها؟ ولم لا وحكومة الكيان الصهيوني عضو في هيئة الأمم المتحدة التي لم تستنكر فعلتها؟ وما الغرابة في أن تقدم الإدارة الصهيونية على بناء جدران تفصل بين فلسطين المحتلة وبين لبنان وسورية والأردن ومصر؟ لقد أصبح ذلك متوقعاَ طالما أنه مسلم به، ويمكن أن يقدم عليه آخرون طالما أن أحداَ لم يستهجنه كعمل لا معقول وغير قابل للنقاش، ولنا أن نتخيّل الحدود بين الدول وقد تحَولت جميعها إلى جدران بطول آلاف الكيلومترات وبارتفاع ثمانية أمتار!
الشكوى تذهب إلى العنوان الخطأ!
لقد أرسلت السلطة الفلسطينية شكواها، بصدد جدار الوحشية والجنون، إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، فهل كان على جحا أن يشكو للمحكمة ذلك المجنون الذي صعد بالطفل الرهينة إلى أعلى المئذنة!
لو أن أوضاع العالم طبيعية، لا تخضع للإكراه والإرهاب الأميركي، لما كانت محكمة العدل الدولية هي العنوان الصحيح الذي ترسل إليه الشكوى الفلسطينية، بل ترسل إلى مراكز الأبحاث النفسية والعصبية وإلى المراكز المعنية بأمن الأمم وسلامتها من الأخطار الاستثنائية غير العادية!
ولكن، لنتخيل الصهاينة يرتكبون ما يرتكبونه، بقيادة شارون أو غيره من أمثاله، من دون الدعم الأميركي المطلق الذي يوظف إجرامهم ووحشيتهم وجنونهم لصالح شركاته الربوية؟ هل كان ممكناَ للكيان الصهيوني أن يصمد لدقيقة واحدة فقط أمام حجارة أطفال فلسطين؟ أما اليهود العاديين البسطاء فكانوا سيحظون بشفقة ومساعدة الأطفال الفلسطينيين باعتبارهم بدورهم ضحايا الصهيونية التي زجَت بهم في هذا المأزق التاريخي المرعب! غير أن الرئيس الأميركي يبارك شارون ويصفه برجل السلام الديمقراطي، فكيف، والحال كذلك، ترسل شكوى إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، وهل ثمة من وسيلة أمام الفلسطينيين سوى الاحتكام إلى السلاح، والسلاح وحده، لدحر قطعان الذئاب المسعورة؟
واشنطن تفرض الصمت والتسليم!
لقد أوكلت الإدارة الأميركية مهمة إبادة الفلسطينيين مادياَ ومعنوياَ إلى قتلة غير طبيعيين بجميع المعايير المنطقية، وهي فعلت ذلك لإدراكها أن مثل هذه المهمة لن يقبل بإنجازها، إن كانت قابلة للإنجاز، سوى كائنات مشّوهة روحياَ ونفسياَ وذهنياَ. كائنات مستعّدة للمضي إلى حدود لا يتوقعها عقل سليم ولا تقرّها قوانين إنسانية. وبالفعل، فإن ما حدث ويحدث في فلسطين تجاوز كل تصوّر خيالي، إذ من يصدق أن أناساَ طبيعيين يسحقون بالحجارة عظام رماة الحجارة الأطفال؟ ومن يتوقع، مهما جنح به الخيال، اغتيال أفراد بالدبابات والطائرات العملاقة؟ ومن يستطيع أن يتفهم ويهضم مطالبة الضحية العزلاء بالإستكانة وهي تذبح، فلا تضطرب ولا تتململ كي لا ترتبك يد الجزار، أما إذا اضطربت وتململت ومانعت فذلك يعتبر إرهاباَ وإجراماَ؟! وإذا تجاوزنا مثل هذه الوقائع، فمن يصدّق أن يلجأ المتوحشون المجانين أخيراَ، نتيجة لفشلهم المتوالي في فرض الإذعان والاستسلام على الضحية، إلى بناء جدار يسجنون داخله الملايين من ضحاياهم؟
لا بد من نهاية لهذا اللامعقول!
أما المذهل أكثر فهو نجاح الإدارة الأمريكية في إرغام دول العالم على الصمت والتسليم بتصرفات كيان غريب، رهيب، ليس هو في الأصل دولة ولا شعباَ ولا وطناَ، ولا يمكن له أن يصبح كذلك أبداَ! ولكن، بينما الإدارة الأميركية تفعل ذلك، ظل الشعب الفلسطيني، المعذب الصابر والمحاصر، يبرهن عن سويّة عالية من المزايا والمناقب الإنسانية التي تفتقر إليها أقوى دول العالم، فقد التزم الدفاع عن وجوده، سلماَ وحرباَ، بجميع ما نصّت عليه الأعراف والقوانين الدولية، أما الردّ الأميركي الصهيوني عليه فكان التصعيد الذي بلغ حدّاَ غير متوقع ولا يصدّق بإقامة جدار الجنون والوحشية!
وبينما يعاني الفلسطينيون ما لا يطاق، ابتداء بتأمين القوت الضروري، تواصل واشنطن دعمها المفتوح المطلق للصهاينة المشوّهين بما يفيض عن احتياجات ترفهم! لقد واظبت الإدارة الأميركية على عمليات عزل الفلسطينيين حتى عن إخوتهم، وأطلقت الوحوش ينفردون بهم تماماَ، بل واصلت إلحاحها الفظ، المروّع في لا منطقيته، بأن تتكفل السلطة الفلسطينية بإبادة شعبها مقابل اعتمادها خادمة واجبها السمع والطاعة! لقد تلخص موقف الحكومة الأميركية من الفلسطينيين في جملة واحدة تخاطبهم بها تكراراَ: اقتلوا أنفسكم بأيديكم، وليستسلم للعبودية من تبقى منكم، أو تبادون جميعا على أيدي اليهود الصهاينةَ! إنها سياسة تذكرنا بمنطق ذلك الإمبراطور الروماني القديم الذي كان يعطي أوامره باقتتال المصارعين العبيد حتى الموت!
غير أن الشعب الفلسطيني الباسل، الذي يواجه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، لم يستسلم، بل سيصمد أمام جرائم المشوّهين نفسياَ وروحياَ وذهنياَ، والذين يعاني العالم أجمع من ممارساتهم، ويقيناَ إن نهاية هذا اللامعقول قادمة، وهي بدأت في بلادنا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها فلسطين والعراق.
www.snurl.com/375h