المنطقـــــة العـــــربيـــــة بعــــــد حــــــرب العـــــــراق:
مركزية الموقع + هشاشة القدرات = تدخل خارجي دائم
غسان سلامة
غداة كل حدث سياسي جلل، يضنيك رجال الاعمال بالسؤال عينه: هل انت متفائل ام متشائم؟ والسؤال شرعي لمن هو على وشك اتخاذ قرار اقتصادي او مالي او استثماري كبير. لكن امثالنا لا يتفاءلون ولا يتشاءمون بل يكتفون بمحاولة تصور المقبل من الزمن لعلمهم ان الماضي قد مضى وان الحاضر غير موجود وان المستقبل ملك اصحاب النبوءات ولا انا ولا انتم منهم.
لقد قامت الولايات المتحدة بحرب على نظام قائم منذ نحو ثلاثة عقود واودت به. والنتيجة طبيعية ان كان الانفاق العسكري لدى المهاجم يتجاوز 400 مليار دولار سنويا بينما هو لا يصل الى مليار واحد عند المدافع. وهي طبيعية ان كانت خطوط الامداد مفتوحة على ترسانة غير محدودة لدى المهاجم بينما المدافع اسير سنوات طويلة من اشكال الحصار التكنولوجي يتحايل عليها دون جدوى. وهي طبيعية اخيرا ان انحصرت الحرب بين جيش نظامي عصري من جانب وابناء النظام دون غيرهم من جانب آخر. وقعت الحرب وانتهت عمليا خلال المدة التي كانت في الاجمال متوقعة لها وبالنتيجة المتوقعة لها ايضا. وباتت تلك الحرب وراءنا، فلنعالج اذن آثارها.
يقيني اولا ان القوة المنتصرة في العراق تفضل قيام نظام عراقي جديد موال لها أو في الاقل مقبول منها، كما حصل في افغانستان. ولكن ما البديل من ذلك اذا عجزت عن اقامة ذلك النظام؟ هل ستقبل واشنطن بقيام نظام جديد معاد لها؟ ام هي ستلجأ آنذاك لمنع قيام نظام معاد من خلال منع قيام اي نظام في المطلق؟ هذا هو خوفي فعلا، سيما والحالة الجزائرية منذ عقد ونيف علمتنا بأن الاقتتال الداخلي - بل الفوضى - يمكن له ان يستمر بينما تعزل مناطق انتاج النفط امنيا وتحول الى جزر منيعة. آمل، وقد بتنا اليوم، وحتى اصدقاء اميركا في ما بيننا، نلاحظ التخبط الاميركي المتفاقم في ادارة شؤون العراق منذ نحو شهر ونصف، الا نكون قد دخلنا فعلا في هذا المنعطف، وعلينا ان نسعى الى منع المنتصر من الذهاب في هذا المنحى من خلال ديبلوماسية فعّالة تخرج العراق من الخيار المر: اما قيام نظام يفرضه المنتصر واما شيوع الفوضى. هناك حل ثالث ممكن ان عملنا على تعريب الهم العراقي وتدويله والى مساعدة العراقيين على الخروج من هذين الخيارين اللذين افضلهما سيء.
ويقيني ان الغياب العربي شبه التام عن المفاوضات الدولية بشأن قرار مجلس الامن الدولي الخاص بالعراق، أمر غير صحي على الاطلاق، خصوصا ان القرار يبقي الامم المتحدة وممثلها الخاص في بغداد في موقع دوني تجاه قوات الاحتلال، يكاد يشبه دور شاهد الزور ويفتح المجال امام وصاية اميركية مفتوحة في الزمن على العراق يتحكم بمدتها فيتو الولايات المتحدة.
كما يعطي واشنطن القدرة على التحكم بإنفاق عائدات النفط العراقي وتوزيع عقود اعادة الاعمار دون رقابة دولية كافية مما ادى، وسؤدي، الى ما يشبه الفضيحة في توزيع عقود الاعمار على شركات اميركية محظية دون غيرها، كما يعترف بذلك الاميركيون انفسهم. لقد تصرف العرب ازاء صوغ هذا القرار وكأنهم هزموا جميعا في العراق وكأن لا دور للعراقيين انفسهم ولا لعموم العرب في تحديد مستقبله، وآمل بعد هذا التسليم لقدرة المنتصر، الا يصبح الامر قاعدة ثابتة.
اما ان خرجنا الى ما هو ابعد من الحالة العراقية فالسؤال الاول الذي يفرض نفسه يتعلق بمدى تأثر الاوضاع الاقليمية بالانتصار العسكري الذي حققه الطرف المهاجم. لقد بدأنا نلمس، وسنتأكد تدريجا، من عجز الولايات المتحدة عن ترجمة انتصارها العسكري الواضح في العراق الى نتائج سياسية بالوضوح نفسه.
صحيح ان الولايات المتحدة التي كانت قوة محافظة على الاوضاع القائمة امست اليوم قوة تغيير لها. فانقلبت المعادلة حتى بدا وكأن دول المنطقة باتت تعتبر ان الابقاء على الاوضاع القائمة هدفها الاسمى ازاء الضغوط الاميركية لتغييرها؟
وصحيح ان وزير الدفاع الاميركي اعتبر انهيار النظام العراقي شبيها بانهيار جدار برلين بصفته مقدمة لتحولات سياسية شاملة في المنطقة، وان وزير الخارجية الاميركي قد اعتبر اعادة تشكيل عموم المنطقة سياسيا هدفا للحرب على العراق، مما دفع القادة العرب خوفا الى التركيز الهاجسي على خصوصية الحالة العراقية دون جدوى، ودفع احد كبار سياسيي اوروبا الى اعتبار قادة الادارة الاميركية الحالية بلاشفة القرن الحادي والعشرين كما كان بلاشفة روسيا قوة دافعة للتغيير بل للتخريب في القرن المنصرم;
وصحيح ايضا ان الولايات المتحدة قد تمكنت في فترة قصيرة من استعمال القوة العسكرية لقلب نظامي حكم في افغانستان والعراق، ومن اللجوء للضغوط لتغيير بنية انظمة اخرى او مسلكها في فلسطين واليمن وليبيا وغيرها من الدول;
ولكن امام تمكن واشنطن من ترجمة نصرها العسكري الى تغيير سياسي شامل في المنطقة عقبات كأداء:
اولها عقبة منهجية يعرفها اختصاصيو العلاقات الدولية، ومفادها ان القدرة العسكرية ليست Fungible بمعنى انها غير قابلة لان تتحول الى مكاسب سياسية تماثلها. واميركا، حتى وهي القوة العسكرية الاولى بل المهيمنة، غير قادرة على تغيير هذه القاعدة خصوصا ان العنصر العسكري طاغ في اسباب تصدرها للنظام العالمي على كل العناصر الاخرى. فإذا كان انفاقها العسكري يمثل نصف الانفاق العسكري العالمي فاقتصادها لا يمثل اكثر من ربع الاقتصاد العالمي وديبلوماسيتها ليست افضل من كثير من الديبلوماسيات الاخرى.
والعقبة الثانية تتعلق بانعدام الخبرة والصبر الضروريين لاقامة انظمة سياسية جديدة بعد تفكيك انظمة سابقة. وقد رأينا مظاهر هذا الضعف في الصومال وهايتي والبوسنة ورأيناه اخيرا في افغانستان، ونلمسه لمس اليد في العراق، حيث تتناقض القرارات ويتغير القيمون من يوم الى آخر نتيجة تخبط مفهومي واضح عند الاميركيين.
والعقبة الثالثة مرتبطة بعدم وجود حوافز مالية مناسبة. فإعادة واشنطن بناء اوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية كان يدعمه مشروع مارشال السخي، والامر نفسه ينطبق على اليابان، لكنه ليس من مشروع مشابه للعراق. ولولا مئات المليارات التي ضخها غرب اوروبا في شرقها منذ ،1990 لما قامت في اوروبا الوسطى والشرقية انظمة مستقرة ديموقراطية تعتمد نظام السوق. بل رافق النصر العسكري في البوسنة وكوسوفو وافغانستان ضخ حثيث، ولو انه اقل من المأمول ولو ان استعماله كان تبذيريا، لِكَمٍ من المساعدات المالية. نحن لن نرَ شيئآ من ذلك وعلى العراق ان يعيد بناءه بنفسه الى حد كبير، في الوقت الذي ما زالت فيه مسألة ديونه الخارجية الهائلة دون حل حقيقي.
والعقبة الرابعة تتعلق بالعجز الذي تلمسه اميركا عن عزل العراق عن محيطه في خلال هذه المرحلة الانتقالية لكي تستفرد بقيام نظام جديد فيه ترضى عنه. فالعلاقات التقليدية من عائلية ومذهبية وعشائرية تضغط باستمرار في اتجاه التواصل بين العراق ومحيطه في الجهات الاربع، شرقا نحو ايران وشمالا نحو تركيا، وغربا نحو سوريا، وجنوبا نحو الجزيرة العربية. وتاليا فان الاستفراد الاميركي بمجريات الامور سيميل برأيي للضعف لا لمزيد من القوة خلال الاشهر والسنوات المقبلة. والخطر الواضح هنا هو ان تملأ القوى الاقليمية المجاورة للعراق الفراغ الذي تكون اميركا قد عجزت بنفسها عن ملئه، على حساب سلطة عراقية مستقلة واسعة التمثيل.
والعقبة الخامسة، وقد تكون الاهم، تتعلق بالتحالف الذي يصل الى حد التماهي والقائم بين الولايات المتحدة واسرائيل والذي يجعل من الصعب، حتى على اصدقاء اميركا في المنطقة، التمييز بين ما هو اميركي وما هو اسرائيلي في عناصر مشروع اعادة تشكيل منطقتنا سياسيا. ويرسم هذا التماهي الاميركي - الاسرائيلي غير المسبوق علامات شك عديدة حول حقيقة الاهداف الاميركية ويضعف تاليا كثيرا من صدقية واشنطن في دعواتها للتغيير والاصلاح.
وبالمناسبة فان خوفي كبير من الا تشكل خريطة الطريق المعلنة على المسار الفلسطيني، اقله في القريب المنظور، اكثر من ورقة تين تخفي شرعنة تغيير رأس الهرم الفلسطيني وبعض عناصره. وانطباعي العميق هو ان البيت الابيض، رغم نصائح لندن وتوسلات الخارجية الاميركية، لا يزال يميل لعدم ممارسة اي ضغط على اسرائيل، ولتجميد اي عمل جدي لتسوية بين اسرائيل والعرب قبل انتخابات الرئاسة في خريف ،2004 رغم المعلومات المتداولة عن احتمال زيارة سيد البيت الابيض للمنطقة.
انني اعلم ان هشاشة السلطة الفلسطينية تمنعها من رفض خريطة الطريق المعروضة عليها ولكني آمل الا يتحول العجز عن الرفض وهما بأن التنفيذ حاصل لا محالة، سيما بالنظر الى التعديلات الاسرائيلية المطلوبة على الخريطة ولقيام واشنطن بتعديلها بصورة متفردة من خلال اعتبار قيام الحكومة الجديدة شرطا مسبقا لقبول اميركا بها بينما اميركا كانت طرفا في صياغتها وبينما قيام الحكومة الجديدة عنصر فيها وليس شرطا مسبق لتفعيلها.
لكل هذه الاسباب فاني ارى امام ترجمة النصر العسكري الى نصر سياسي مشابه عقبات كبرى تمنعها من الحصول او من الحصول بالكامل. بل يمكن القول ان نفوذ المنتصر على العراق قد وصل الى حده الاقصى يوم حصول الانتصار، وان ذاك النفوذ، الذي قد يتعزز في بعض المجالات، سيتفتت تدريجيا في مجالات اخرى، بل هو سيلقى اصنافا متنوعة من المعارضة والممانعة.
وان كان هناك من حسنات لهذا المشروع فقد يتمكن المرء من العثور عليها في الالحاح الاميركي المتزايد على انظمة المنطقة بأن تتخلى عن ادوار لها، قومية او دينية، او ايديولوجية خارج حدودها. لم تعد واشنطن تريد Mission oriented regimes اي انظمة تتحجج بأفكار كبرى كي تنصرف عن مسؤولياتها الداخلية فتتدخل، بأشكال مختلفة، في شؤون غيرها. وقد يرى البعض عن حق ان في ذلك محاولة اميركية للاستئثار بحق التدخل في شؤون الدول الاخرى ولمنعه عن دول المنطقة نفسها. ولكن علينا ان نعترف من جهة اخرى ان دولنا، لاسيما القادرة منها، قد بذّرت الكثير من وقتها وقدراتها في مغامرات عسكرية خارج حدودها وفي شراء الولاءات خارج بلدانها وان الاوان قد آن، للاعتبار مما هو حاصل في العراق او مما فرض ماليا على ليبيا او مما ترغم بعض الدول على وقفه من دعم مالي للقوى المتطرفة، لكي تزيد انظمتنا من اهتمامها بشعوبها وبمجتمعاتها، فحتى ولو كان هذا التوجه يلقى رضى القوة العالمية الاولى، فلا ضير منه بالتأكيد.
بل يمكننا ان نذهب ابعد ونقول ان المهمة الاولى والاكثر الحاحا امام قيادات السياسة والاقتصاد والرأي من العرب في المرحلة القريبة المقبلة هي في ان تتمكن من التخلص من المأزق الذي تجد نفسها فيه بين مطرقة اميركية تسعى للتغيير في شؤونها بالاقناع، وان لم ينفع فبالضغط، وان لم يُجْدِ فبالحرب، وسندان الركون لما هو قائم والتمسك به واعتبار بقائه كما هو دلالة على التمكن من ممانعة الضغط الخارجي ومن تعزيز الاستقلال الوطني. نعم! ان المهمة الاكثر الحاحا هي تماما في خط طريق ثالث بين الاستكانة لما هو قائم والتغيير الذي تحاول واشنطن فرضه خدمة لمصالحها ولأهدافها. ان ابناء هذه المنطقة يستحقون خطا ثالثا يقوم على التغيير والاصلاح، انما في خدمة مصالحهم وفي سبيل رفاهية واستقرار مجتمعاتهم.
وعلينا ان نعترف بأننا منذ ثلاثة عقود او اربعة اخطأنا خطأ جسيما بقبولنا الخلط بين مفهومين مختلفين: الاستقرار والاستمرار. انا افهم تماما ان تسعى الانظمة القائمة الى اعتبار استمرارها شرطا للاستقرار. لكن التكلس المؤسسي والسياسي الذي ادى اليه هذا الخلط كبير واني آمل ان نعتبر مما هو حاصل فنفهم انه عندما يتعلق الامر بالمؤسسات فان الاصلاح لا الاستمرار هو شرط الاستقرار واننا تلكأنا كثيرا عن ذلك حتى بات اصلاحنا الضروري، لاسيما في مجال الحرص على المال العام وعدم السماح للحكام بتبذيره او هدره او اختلاسه، مشوبا بعد اليوم بالتباس اعتباره نتيجة للضغط الخارجي لا لحاجتنا الماسة له.
وهذه هي تماما نظرة القوى المتطرفة بيننا لمشاريع الاصلاح هذه. نحن نعيش طبعا هم اتساع العنف السياسي على تنوع مبرراته، وطنية كانت ام ارهابية متطرفة. والايام القليلة الماضية من عمليات نفذت في السعودية والمغرب، ومخاوف داهمة في منطقتنا والعالم، ناهيكم عن لائحة جديدة من الاهداف المحتملة وردت امس على لسان الرجل الثاني في "القاعدة"، كل ذلك يؤكد ما انفككنا نقوله منذ مدة وهو ان الحرب التي شنت على العراق من شأنها لا ان تقضي على الارهاب بل ان توسع رقعته. واذا كان الرابط الذي حاولت واشنطن ايجاده بين حربها على العراق وحربها على الارهاب بدا دائما هشا، مصطنعا، بل في الارجح كاذبا، فان انهيار الامن في العراق نفسه، وشعور الكثيرين في العراق وخارجه ان الحرب الاميركية على العراق، بعكس الحرب على الارهاب، لم تكن مبررة، من شأنه ان يعطي دعاة العنف اسبابا جديدة للسير في مسيرتهم المنحرفة، واهدافا جديدة لتنفيذ عملياتهم، ومرشحين جددا للالتحاق بصفوفهم.
هؤلاء المرشحون للانخراط في صفوف الحركات المتطرفة، لا يمكن ان ندعي اننا لا نعرفهم. فهم خارجون من صفوف الملايين من الشباب الذين سدت الآفاق في وجههم. كنا نحلم بتعليم ابنائنا وبناتنا وها نحن علمناهم ولكننا نواجه عجزا واضحا عن ايجاد العمل اللائق لهم. والمنطقة العربية تحتاج لإيجاد اربع الى خمس ملايين فرصة عمل جديدة كل سنة، وهي ارقام ستكون على ازدياد في السنوات المقبلة بفعل ولوج ابناء الفورة السكانية التي مررنا بها في الثمانينات والتسعينات سوق العمل، وبفعل توسع رقعة التعليم الاساسي، وبفعل العراقيل امام سيولة اليد العاملة العربية في اتجاه دول النفط لحساب مشاريع توطين العمالة او استخدام غير العرب، كما بفعل تمركز الاستثمارات الاجنبية في قطاعات الطاقة على حساب غيرها من القطاعات الاقتصادية الاكثر استيعابا للعمالة.
ولا يمكن طبعا رجال الاعمال العرب الاكتفاء باعتبار اهل السياسة مسؤولين عن معالجة هذا التحدي المتفاقم بل آمل انهم يعلمون انهم طرف محوري في السعي لمعالجته. كما لا يمكن الحكام ان يستمروا يقولون لزملائهم في الغرب ان حل مشكلة التطرف لا يمكن ان يكون امنيا وحسب بينما هم لا يعالجون الظاهرة منذ عقدين ونيف الا بمزيد من القمع او التواطؤ مع التيارات المتطرفة، دون اي اهتمام بالمسببات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي يتحدثون عنها مع نظرائهم الاجانب بينما هم لا يأخذونها على محمل الجد في ممارستهم للسلطة.
وهناك شكل آخر من العنف ينبغي ان يستوقفنا ايضا اذ لا يدل النهب ولا التخريب الذي الحقه العراقيون بممتلكات الدولة او حتى بالممتلكات الفردية الى مرض خاص بالعراق. ولا يدع احد منا ان حصول انهيار للنظام في بلد آخر كالانهيار الذي حصل في العراق لن يؤدي الى ممارسات مماثلة، او ان الامر حصري بالحالة العراقية. لقد حصلت ممارسات مماثلة في الجزائر وفي اليمن وفي وطننا لبنان عند بدء الحرب الاهلية. لا يشير هذا النهب الى مؤامرة خارجية ولا الى خصوصية عراقية بقدر ما يدل على اتساع الهوة وعمقها بين الدولة والمجتمع في سائر بلداننا، وعلى اعتبار الناس لجهاز الدولة وممتلكاتها لا ملكا عاما يشترك فيه كل واحد منهم بل نوعا من الجهاز الخارجي المفروض عليهم والذي تستباح ممتلكاته ان ضعف ساعده. لذلك علينا ان نتعلم جميعا مما حصل في بغداد كي نعالج تلك الهوة ونقرب بين المجتمع والدولة، بحيث يعتبرها امتدادا له، جهازا في خدمته وليس آلة عمياء تقمعه عندما تكون قوية ويستبيحها حين يضربها الوهن.
اما اذا انتقلنا الى العلاقات العربية - العربية وجدنا ان حرب العراق قد اظهرت بجلاء معضلة بنيوية في موضوع المنطقة العربية داخل النظام الدولي. هذه المعضلة جوهرها اننا نجمع بين مركزية موقعنا وهشاشة قدراتنا، مما يجعل منطقتنا عرضة للتأثيرات الخارجية المستمرة. فالتدخل الخارجي ما كان ليكون بهذه الوتيرة ولا بهذا العمق لو كانت منطقتنا هامشية، غير ذات اهمية. والتدخل الخارجي ما كان ليكون بهذه الوتيرة ولا بهذا العمق لو كانت لأهل المنطقة القدرة على درء التدخلات الخارجية. لكن منطقتنا ليست هامشية لكي تشيح الدول الكبرى النظر عنها وهي على ملتقى ثلاث قارات، وهي مهد الديانات الكبرى وهي خزان النفط العالمي الذي لا مثيل له، وهي مصدر انتقال جاليات كبرى منتشرة في العام، وهي عبر التاريخ ساحة تصادم الامبراطوريات العالمية. ونحن في المقابل محكومون بأنظمة هشة في داخلها، متنافسة في ما بينها، متنافرة في مجال تحديد مصلحتها الجماعية. لذلك فكل جماعة يشاء القدر ان يكون موقعها مركزيا وقدراتها ضعيفة محكومة بخلل بنيوي لا يمنعها من تعظيم المكاسب المتأتية عن مركزية موقعها فحسب بل حتى عن حراسة ذلك الموقع دون تدخل القوى العالمية الفاعلة فيه.
لقد أثرت حرب العراق سلبا على امكان العمل العربي المشترك. ودعوني اعترف ان هذا العمل المشترك قد تراجع من قمة بيروت الواعدة الى لا قمة شرم الشيخ البائسة، مرورا بمؤتمر وزراء الخارجية الملتبس او باللجنة الوزارية الخماسية الفاشلة. بل قد ادى التراجع الى صدور دعوات لاغلاق جامعة الدول العربية او للتشكيك العميق في فائدتها وفائدة المؤسسات العربية الاخرى.
لكن الخطأ كله يكمن في اعتبار حرب العراق السبب الوحيد او حتى الاكبر لتعثر قيام عمل عربي مشترك. ويقيني ان رجال الاعمال قادرون على لعب دور كبير لم ينخرطوا فيه في هذا الصدد. فهم قادرون بخبرتهم على افهام العرب من قادة وناس عاديين ان العمل العربي المشترك ضروري، مهما تقلّبت الظروف السياسية، في عصر يشكل فيه الاندماج الاقتصادي الاقليمي شرطا مسبقا لولوج صحي الى ساحات العولمة. وهم قادرون ايضا على افهام المسؤولين والناس العاديين ان هذا العمل المشترك لا يتم بأعجوبة او بقرار ظرفي وانما، كما حصل في الاتحاد الاوروبي مثلا، نتاج عملية تراكمية تبنى فيه صروح العمل المشترك، لبنة بعد اخرى. وهم قادرون ايضا على افهام العرب من مسؤولين وناس عاديين بأن هذا العمل تفرضه مصلحة كل طرف عربي وليس هو نتاج لأفكار ايديولوجية بائدة. وهم ايضا قادرون على ذلك ان تحولوا فعلا الى قدوة لمواطنيهم فزادوا من حجم استثماراتهم في الاقتصادات العربية الاخرى فلم ينكفئوا الى اقتصادهم الوطني وحسب ولا سعوا الى قارات العالم كلها دون محيطهم العربي المباشر.
اخيرا ينبغي الا يصرفنا اهتمامنا المشروع بما هو حاصل في العراق او في فلسطين عن التحدي المستمر الذي تشكله دينامية العولمة لمجتمعاتنا واقتصاداتنا، بل تفاقم ازماتنا من حجم هذا التحدي ومن وقعه. ودعوني، ولو بسرعة، ابدي بعض الملاحظات عنها، فأقول:
اولا، ان الموقف من العولمة لا زال ضبابيا في اذهاننا وعلينا ان نصل حد الرشد منها بعدما سلكنا مسالك صبيانية فرأت فيها قلة دواء ناجعا لامراضنا ونظر اليها كثيرون بصفتها شرا مطلقا. وحد الرشد يفضي للقول بأن العولمة دينامية سائرة حاليا، بنا او بدوننا، وان الاخطار المتأتية عنها حقيقية في مجال السيادة والاستقلال. لكن الخطر الاكبر المتأتي عن العولمة هو خطر التهميش الذي يصيب اولئك الذين لا ينخرطون في ديناميتها ولا يسعون الى تعظيم فوائدها والى تقليل من مخاطرها.
ثانيا، ان العولمة ليست الامركة رغم التزامن والتلازم اللذين شهدناهما حتما بين تسارع دينامية العولمة وانتقال النظام العالمي الى حال احادية القطب. فالشركات الاوروبية والآسيوية اكثر انخراطا في العولمة من مثيلاتها الاميركية. كما ان الولايات المتحدة التي حاولت خلال العقد المنصرم ان تركب موجتها يبدو اليوم وكأنها باتت تعتبر مخاطرها اكبر من حسناتها اذ نشهد انصرافا اميركيا رسميا عنها لمصلحة مفاهيم المصلحة القومية الاميركية بما فيها من تنظيم للقدرة العسكرية واحتقار المنظمات العالمية ونبذ لبروتوكل كيوتو او لمحكمة الجزاء الدولية، وتصعيب لانتقال الاشخاص والسلع الى الولايات المتحدة وكلها مؤشرات عن ميل متزايد في واشنطن لإبطاء وتيرة العولمة او حتى لوقفها.
ويقيني ثالثا ان انظمتنا السياسية امام معادلة صعبة، مرت بها دول اخرى اهمها الصين مثلا، وهي معادلة الاستفادة من المحفزات والمكاسب الاقتصادية التي تنتجها العولمة مقابل الانتقاص من قدرة الحكومات على التحكم بمجتمعاتها وهي ايضا من نتاجات العولمة. كثيرة هي الدول التي تحاول الحصول على مكاسب العولمة الاقتصادية دون الرضوخ لشروطها القانونية والسياسية، كما نلاحظ جميعا خلال المفاوضات الصعبة التي تجريها حكوماتنا للدخول الى منظمة التجارة العالمية او في محاولاتها اليائسة لوقف انتشار الاخبار والمعلومات من خلال وسائل الاتصال الحديثة من فاكس وفضائيات وانترنت. ولكن هذه الانتقائية دون جدوى، فإما ننخرط في دينامية العولمة، واما نقبل بالتهميش، اما التحايل الدائم عليها فلا فائدة منه.
لا! لم تكن الحرب على العراق لا بداية لأزماتنا ولا نهاية لمصائبنا انما هي بالاساس مرآة مكبرة لتقاعسنا عن اصلاح انفسنا، ولعجزنا عن تشبيك افضل لمجتمعاتنا، ولتكاسلنا في عملية الذود عن موقعنا في العالم. انها مرآة لواقعنا، وصورة من اللامبالاة بضرورة التغيير، وعن اللا مسؤولية في ارساء اسس التضامن، وعن التلكؤ في دخول العصر. ويقيني ان الاقتصاد العربي سيعجز عن دخول القرن الحادي والعشرين، اذا بقيت التربية العربية اسيرة مفاهيم القرن العشرين والسياسة العربية ضحية مفاهيم القرن التاسع عشر. اننا دخلنا في الاقتصاد والمال في عصر، بينما التربية والثقافة ما زالتا في عصر سابق، والسياسة في عصر اسبق. والاعتقاد بأن مجتمعاتنا يمكن لها ان تسير الى الامام بمفاهيم متنافرة، منبثقة عن عصور مختلفة، هو الوهم عينه.
استاذ جامعي في فرنسا - وزير الثقافة اللبناني السابق