مـعــركـــة الأورو والــدولار

أمير بتلر

 

كما كتب مارك توين مرة، النبوءة دائماً صعبة، خصوصاً عندما تتعلق بالمستقبل. غير انه رهان سالم ذاك الذي يقوم على انه ما ان يتم اسقاط صدام، حتى تكون احدى اولى مهمات النظام الذي تدعمه اميركا، اعادة الدولار الاميركي باعتبارها العملة النفطية للبلاد.

في تشرين الثاني ،2000 بدأ العراق يبيع نفطه مقابل الاورو، مبتعداً عن القاعدة التي تلت الحرب العالمية الثانية والقائمة على استخدام الدولار الاميركي كعملة التجارة الدولية. وفيما رأى كثيرون في ذلك الوقت انه تصرف غريب يعكس تحدياً سياسياً، اثبت انه يعود بالمنفعة على العراق، مع الاورو الذي ربح تقريباً 25% من قيمته مقابل الدولار خلال .2001

والآن تكلف عملية شراء اورو واحد حوالى 1.05 دولار اميركي.

ان انتقال العراق الى الاورو هو دليل على اتجاه متزايد. فإيران، قد حولت حتى الآن معظم اموال احتياطها في المصرف المركزي الى الاورو، وألمحت الى اعتماده لمبيعاتها النفطية كافة. وفي السابع من كانون الاول ،2002 تخلت كوريا الشمالية العضو الثالث في "محور الشر" رسمياً عن الدولار وبدأت استعمال الاورو في التجارة. وفنزويلا التي ليست حتى الآن عضواً في محور الشر لكنها مع ذلك منتج نفطي كبير، تفكر ايضاً في الانتقال الى الاورو. والاهم من ذلك، في اجتماعها في اسبانيا في الرابع عشر من نيسان ،2002 اعربت منظمة الدول المصدرة للنفط "اوبيك" عن اهتمامها في التخلي عن الدولار لمصلحة الاورو.

اذا انتقلت "الاوبيك" الى الاورو كقاعدة للتبادلات النفطية، فسينتج من الامر عواقب خطيرة على الاقتصاد الاميركي. سيترتب على الاقتصادات المستهلكة للنفط سحب الدولارات من ارصدتها في المصرف المركزي وتحويلها الى الاورو.

ويقدر بعض الخبراء انه مع اغراق السوق، سيفقد الدولار الاميركي 40% من قيمته. وفيما تتدهور العملة، سيشهد الوضع افراغاً مالياً من المستثمرين الاجانب الذين سيهجرون البورصات الاميركية والاصول التي يسيطر عليها الدولار. وستكلف المنتوجات المستوردة الاميركيين مبالغ اضافية وسيكون العجز التجاري على نحو كبير. فالطلب الاجنبي على الدولار الاميركي هو ما يمول العجز في الموازنة الاميركية الفيديرالية. وبالنسبة الى سندات الخزينة الاميركية، ينظر المستثمرون الاجانب اصحاب الفوائض بالدولار الى سندات الخزينة الاميركية بصفتها استثماراً مضموناً. ومع انخفاض كبير في استثمار مماثل، من الممكن ان يفشل البلد المعني في تسديد ديونه. وقد تسوء الامور كثيراً وبسرعة كبيرة. في ايار ،2004 ستلتحق عشر دول اضافية بالاتحاد الاوروبي.

وعند هذه النقطة، سيكون الاتحاد الاوروبي مستهلكاً للنفط يتخطى الولايات المتحدة بنسبة 33%. وبغية التخفيف من مخاطر العملة، سيزيد الاوروبيون ضغطهم على "الاوبيك" للتجارة بالاورو، وبما ان الاتحاد الاوروبي في هذه المرحلة يشتري اكثر من نصف انتاج "الاوبيك" من النفط، فيبدو تغيير مماثل ممكناً.

هذا سيناريو لا تتحمل اميركا رؤية نتائجه. ولن تألو الولايات المتحدة جهداً لتفادي محاولة "الاوبيك" التخلص من الورقة الخضراء كعملة الاحتياط الخاصة بها. ان الهجوم على العراق وارساء نظام تابع فيه قد يكونان ذا مفعول وقائي. فهو سيضمن بالتأكيد عودة العراق الى استعمال الدولار ويؤمن مثالاً عنيفاً لاي دولة اخرى في المنطقة تفكر في الانتقال الى الاورو. كما سيسمح نظام سياسي مدعوم من اميركا في العراق للولايات المتحدة بالقضاء على سيطرة "الاوبيك" على اسعار النفط. وتستطيع الولايات المتحدة او النظام التابع لها زيادة انتاج النفط العراقي الى مستويات تتخطى كوتا "الاوبيك" فتؤدي الي خفض الاسعار عالمياً واضعاف اقتصادات الدول المنتجة للنفط، وهكذا تقلل  من احتمال تخلي "الاوبيك" عن الدولار. اما التأثير فسيكون قصير الامد بالنسبة الى خفض ارباح الشركات النفطية المحلية، وطويل الامد في ما يتعلق بضمان سيطرة اميركا الاقتصادية.

وقد تكون اشاعة اليسار المتكررة التي ترتكز على ان هذه الحرب تشن لضمان عائدات النفط لشركات النفط الاميركية تحمل في طياتها بعض الحقيقة. غير ان تفسيراً اكثر معقولية قد يكون ان ادارة بوش تشن الحرب لحماية الدولار والقضاء على سيطرة "الاوبيك" على اسعار النفط العالمية.

هذه حرب يتعدى الهدف منها "هاليبورتون" او ايكسون: انها حرب تشن للحفاظ على موقع اميركا في العالم.

خلال حضوره قمة الارض في الريو في العام ،1992 قال جورج بوش الاب للعالم ان "طريقة العيش الاميركية لا يمكن التفاوض بشأنها". فيما تنهمر صواريخ الكروز على العراق نتعلم كم "لا يمكن التفاوض" حقاً بشأن طريقة العيش هذه.

ترجمة نادين نصرالله

 

امير بتلر هو المدير التنفيذي للجنة الاسترالية الاسلامية للشؤون العامة، ويكتب لـatrueword.com

 

Hosted by www.Geocities.ws

1