مركز الصين إزاء الدول الثماني !
بقلم : نصر شمالي
لم يعد بإمكان الدول الصناعية الثرية الثماني، الأوروبية/الأميركية واليابان، تجاهل الحضور العظيم للصين الشعبية في الأسواق الدولية، بل إنّ الجميع بلا استثناء يسعون إلى استرضائها لكسب أسواقها الداخلية الهائلة، أمّا اليابان فقد تراجع وزنها السياسي الدولي مع نهوض الجار الصيني الاقتصادي العملاق الذي بدأ يستقلّ عن التكنولوجيا اليابانية بعد أن كان حتى الأمس القريب في قبضة اليابان الصناعية، المستثمر والمصنّع الأكبر في الصين، وهاهي اليابان تستعدّ لانعقاد قمّة الدول الصناعية الثرية على أراضيها، في السابع من تمّوز/يوليو القادم، بينما الصينيون يجوبون شوارع مدنها سوّاحاً ورجال أعمال، والبضائع اليابانية المصنّعة في الصين تحتلّ مكانها في الأسواق اليابانية متقدّمة على البضائع الأوروبية كما تقول صحيفة "الأخبار" البيروتية (25/6 – رسالة بسّام الطيارة من أوساكا)! إنّ الصين، في رأي اليابانيين، تقف اليوم ندّاً وإن أقلّ تطوّراً إزاء الدول الصناعية الثماني، بعد أن كان اليابانيون يعتقدون أنّها ستبقى لسنوات طويلة قادمة سوقاً يحتاج إلى استثماراتهم الصناعية والتجارية، لكنّهم يقرّون الآن أنّهم بحاجة إليها مقدار حاجتها إليهم إن لم يكن أكثر، حيث الصين تحتلّ مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، بينما اليابان تتطلع لاحتلال مثل هذا المقعد وتحتاج الصين من أجل ذلك، وهكذا تتوالى مظاهر التعامل الندّي الإيجابي مع الصين في معالجة مشاكل الجوار والمصالح المتداخلة المتضاربة، مثل الاتفاق على تقاسم حقل غاز كبير كان موضع خلاف منذ عقود!
دور اليابان يتحوّل إلى نقيضه!
ولكن، ما موقف الإدارة الإمبراطورية الأميركية من هذه التطوّرات، وكيف تترك طوكيو شبه المستعمرة تطبّع علاقاتها مع الصين وهي التي أهّلتها بعد الحرب العالمية الثانية لمحاصرة الصين؟
قبل الإجابة سوف نعود إلى العام 1938 لنرى كيف كانت واشنطن تستعدّ لقيادة العالم، فقد صرّح حينئذ أحد شخصياتها (والتر ليجان) بما يلي: "سوف نشاهد في عصرنا هذا بزوغ فجر يتحقق فيه وجود قوة جديدة مقدّر لها أن تخلف روما (القديمة طبعاً) وبريطانيا، وأنا أشير إلى الولايات المتحدة، وإنّه لمن الأفضل لها أن تلعب هذا الدور وهي على علم به من أن تساق إليه، ورغم أنّ العديد من الأميركيين قد يبغضون هذا الدور فإنهم لا يستطيعون رفضه، لأنّ عظمتهم ومكانتهم وقوتهم بين شعوب الأرض تحتّم عليهم قبول ما هو مقدّر لهم"!
وبالفعل بدأ العصر الأميركي في عام 1945 مدشّناً بالقنابل النووية التي ألقيت على المدن اليابانية وأزهقت مئات ألوف الأرواح! وانطلقت واشنطن لتحويل المحيط الهادي إلى بحيرة أميركية، ولاجتياح آسيا بمجملها، لولا أن اعترضتها العقبة الصينية التي أربكت مشاريعها الإمبراطورية، فقد انتصرت الثورة ونهضت الصين الشعبية في العام 1949 بينما كانت واشنطن تأمل أن تكون الصين قاعدتها الضخمة التي تبتلع بواسطتها آسيا كلّها! ونتيجة لذلك ظهر اتجاهان أميركيان: الأول يقول بالاعتماد على الهند وإندونيسيا كقاعدة، والثاني يقول بالاعتماد على اليابان، فكان أن وقع الاختيار على اليابان التي تطبّع اليوم علاقاتها مع الصين خلافاً لدورها التاريخي الذي حدّدته لها الإدارة الأميركية!
بداية نهاية قانون التفاوت!
على مدى الستين عاماً الماضية استكملت واشنطن صعودها الإمبراطوري إلى الذروة، ثمّ بدأت الانحدار الذي لم يعد خافياً وبات واضحاً للعيان منذ مطلع القرن الجديد، وتحديداً منذ الاحتلال الفاشل للعراق، وخلال أكثر من عقدين بعد الحرب العالمية الثانية كان الحصار الأميركي محكماً ضدّ الصين التي عانت قبله دهوراً من الاستعمار المباشر والإذلال والقهر، لكنّ ميزان القوى الدولي يميل اليوم موضوعياً لصالحها، بينما الأوروبيون الغربيون، الشركاء التاريخيين للولايات المتحدة في استعباد ونهب العالم، يستمعون (في العام 2003) إلى وزير الدفاع الأميركي وهو يخاطبهم بوقاحة لا مثيل لها قائلاً أنّ أوروبا مجرّد قارة عجوز ومجرّد عقار قليل الأهمية ديموغرافياً وسياسياً! وقد حدث ذلك في وقت كانت واشنطن تسعى فيه إلى استبدال شركائها الأوروبيين بشركاء آسيويين ناهضين بحيوية وقوة، مثل الصين والهند، معتقدة أنّ بإمكانها وضعهم بدورهم تحت جناحها في قرن أميركي عالمي جديد، مخيّرة إياهم بين صراع حتمي لا يطيقونه وبين التعاون معها لإقامة نظام دولي جديد على طريقتها! فهل يقبل الصينيون والهنود الاشتراك في نظام دولي احتكاري يواصل التدمير الشامل للأمم المستضعفة ولكوكب الأرض بمجمله؟ أعتقد أنّ الجواب هو النفي، وأنّ الدول الناهضة لن تخون نفسها ولن تنسى المعاناة الرهيبة لشعوبها على مدى قرون من الظلم الأوروبي/الأميركي، وأنّها تتطلّع إلى نظام دولي جديد منطقي وعادل ينهي العمل بقانون النموّ والتطور المتفاوت الذي فرضه الأميركيون والأوروبيون على العالم قروناً طويلة.
القوة الذاتية والتطورات الموضوعية!
لقد خرجت الصين بقوّتها الذاتية على القانون العبودي الظالم، قانون النموّ والتطوّر المتفاوت المعمول به بحزم من دون إعلانه رسمياً، وهاهي تحتلّ سلمياً الموقع الدولي الذي يليق بها، وبالطبع فقد ساعدتها التطورات العالمية الموضوعية وأولّها تهتّك النظام الدولي السائد الفاسد، وعجزه عن قهر المقاومة في المنطقة العربية والإسلامية، خاصة في العراق، ودخوله عموماً مرحلة التخبّط والتعثّر التي سوف تقوده إلى الانكفاء والانحسار، وليس أدلّ على ذلك من حماسة اليابان لضمّ الصين إلى قمّة الدول الصناعية الثرية، حيث يقول اليابانيون أنّ قمّة من دون الصين ليست قمّة، ومن انهماكها في تطبيع العلاقات بينهما والتعامل تعامل الأنداد!
إنّ اليابان، التي ما زالت إلى حدّ كبير قاعدة عسكرية واقتصادية وسياسية للأميركيين، تبدو اليوم غير ملتفتة لما يفترض من اعتراض أميركي غاضب، أمّا إذا لم يكن ثمّة اعتراض أميركي فإنّ لذلك مدلوله الأعظم، فهو يعني الإقرار والتسليم بصمت بالمستجدّات الدولية، وهذا احتمال وارد جدّاً حسب البراغماتية الأميركية التي أحسن الجنرال الفيتنامي جياب فهمها ووصفها، وإلاّ فكيف يذهب رئيس تايوان إلى بكين ويبدأ بتطبيع العلاقات معها دون ظهور أيّ اعتراض أميركي على مثل هذه الخطوة، وتايوان قاعدة أميركية شبه مغلقة؟