دقّت ساعة الحقيقة الفلسطينية!

بقلم : نصر شمالي

بصفته خطّ الدفاع الأول عن الوجود الأميركي/الأطلسي في بلادنا، نجح النظام الرسمي العربي في تثبيت هذا الوجود وتحصينه ولو إلى حين، فقد دقّت ساعة الحقيقة المرّة في فلسطين خاصة، وينبغي أن نصيخ بسمعنا جيداً وأن لا نتجاهلها أبداً، ففلسطين هي معيار التقدّم والتراجع والنجاح والفشل للعرب جميعاً، بل هي معيار حياتهم وموتهم، إن نجت نجوا وإن هلكت هلكوا، وإذا كان ثمّة تقهقر على جبهات المقاومة الأخرى، في العراق وغير العراق وفي الميادين الحربية وغير الحربية، فلا بدّ من تفحّص أسباب ذلك على الجبهة الفلسطينية، حيث هذه الجبهة هي مركز الثقل الأساسي للوجود الأميركي/الأطلسي في المنطقة كلّها مجسّداً بالاستيطان الإبادي الإسرائيلي، وحيث هذه الجبهة، في المقابل، هي مركز الثقل الأساسي للوجود العربي الأولي بمجمله!

نقول أنّ ساعة الحقيقة دقّت في فلسطين لتعلن أنّ هذا النظام الرسمي العربي البائس، هذا النظام الجليدي ، الأصم الأبكم الأعمى، هذا النظام الأداة الذي يعطي الأعداء دون أيّ مقابل حتى ولا مجّرد الشكر، مثلما لا يشكر البلطجي هراوته والجزّار سكينه، هذا النظام الرسمي العربي أفلح في أسر عشرة ملايين عربي فلسطيني، وفي حشرهم كالمواشي في الحظائر وكالدواجن في الأقفاص!

متى حدث ذلك وكيف حدث؟

لقد حدث هذا التقهقر المخيف المحزن على الجبهة الفلسطينية في لحظة تاريخية مواتية للتقدّم إلى الأمام، فالمقاومة العراقية حقّقت في مواجهة الاحتلال الأميركي ما لم يتحقق مثله في أية بقعة من بقاع الأرض، والمقاومة اللبنانية حققت في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ما لم يتحقق مثله في أية حرب نشبت من قبل بين العرب والإسرائيليين، وكان المتوقع بداهة أن يعزّز ذلك صمود الشعب الفلسطيني ويشدّ من أزر مقاومته، وإذا بالنظام الرسمي العربي يهبّ لنجدة الأميركيين والإسرائيليين انطلاقاً من فلسطين بالذات وليس من غيرها! أمّا كيف حدث ذلك، فقد حدث نتيجة نفوذ هذا النظام في المنظمات الفلسطينية السياسية والعسكرية بمعظمها، بجميع أشكالها وألوانها، خاصة المنظمات السلطوية الأكبر التي تشكّل امتداداً رسمياً عربياً في فلسطين، وعندما نقول امتداداً رسمياً عربياً فهذا يعني، دون أدنى ريب، امتداداً أميركياً أطلسياً، وإسرائيلياً أيضاً! وسرعان ما انعكس التقهقر الفلسطيني القسري سلباً على الجبهات العربية الأخرى التي كان المفترض أن ينعكس تقدّمها إيجاباً على الجبهة الفلسطينية، فالنظام الرسمي العربي بنفوذه الفلسطيني الطويل الأمد نجح في قلب الموقف رأساً على عقب، وها نحن جميعاّ مدعوون اليوم لإيقاف المقاومة ضدّ المحتلين والمستوطنين، ولخوض حروب داخلية تحت رايات دينية وإقليمية، من أجل انتصار هذا المذهب ضدّ ذاك وانتصار هذا القطر العربي البائس ضدّ ذلك القطر الآخر غير العربي، البائس بدوره مهما تظاهر بالتعملق!

بفضل نفوذه في المنظمات الفلسطينية، الذي هو أقوى في بعضها من نفوذ قياداتها، نجح النظام الرسمي العربي (ومن ورائه الأميركي الأطلسي الصهيوني) في وضع فلسطين على لائحته السياسية، وهي المغتصبة ويا للعجب، وإذا بها تجاريه رسمياً في مواقفه الإقليمية والدولية، غير قادرة على مواجهته شعبياً وميدانيا، فكان ذلك مأساة ما بعدها مأساة!

الجزائر وفلسطين بصورة معكوسة!

في نهايات حرب التحرير الجزائرية كان لفرنسا في الجزائر جيشاً ضخماً تعداده حوالي نصف مليون، مشكّل في معظمه من الجزائريين، غير أنّ معظم أولئك الجزائريين في الجيش الفرنسي كان موالياً للثورة الجزائرية، وكانت قيادة الثورة (في تكتيكاتها العبقرية) تلحّ عليهم في تأكيد ولائهم ميدانياً وقتالياً للفرنسيين، وقد استمرّ الحال كذلك فعلاً حتى اللحظة الأخيرة من حرب التحرير، حين دقّت ساعة الحقيقة الجزائرية، فأصدرت قيادة الثورة تعليماتها للجنود الجزائريين في الجيش الفرنسي بالانسحاب منه، وإذا بذلك الجيش الضخم ينهار في معظمه دفعة واحدة، وإذا بالرئيس الفرنسي الواقعي الجنرال ديغول يدعو إلى البدء بمحادثات إيفيان فوراً، معترفاً بقيادة الثورة طرفاً يمثّل الشعب الجزائري، وممهّداً للانسحاب السريع من الجزائر، ومتحوّلاً إلى الاشتباك مع المستوطنين الفرنسيين الذين تصدّوا له بالطبع! ولقد لعب النظام الرسمي العربي في فلسطين اليوم تلك اللعبة الجزائرية الذكية نفسها، مع فارق بسيط هو أنّه لعبها لصالح الأميركيين والإسرائيليين مستخدماً نفوذه الكامن منذ عشرات السنين في المنظمات الفلسطينية!

مصير فلسطين وملايينها العشرة!

من دون الحديث عن فلسطينيي الشتات بملايينهم التي تزيد على الخمسة، والتي نجح النظام الرسمي بوضعها في أقفاص مغلقة، وفي شحنها إلى مناطق أبعد فأبعد، حيث آخر شحنة أرسلت إلى إيسلاندا قبل أيام، فإنّ سبعين أو ثمانين بالمائة من العرب في فلسطين المحتلة يعيشون على حافة الهلاك جوعاً وعطشاً ومرضاً! إنّ 80% من مياه فلسطين مستولى عليها تماماً من قبل الإسرائيليين، ليس مياه الشرب فحسب بل مياه الزراعة والصناعة أيضاً! وبالإضافة إلى ذلك تعجز القرى الفلسطينية المحاصرة بالقوات الإسرائيلية عن القيام بنشاط زراعي يتجاوز تأمين الحاجات الخاصة في حدّها الأدنى! وفي المقابل يتكفّل النظام الرسمي العربي بسدّ جميع طرق الإمداد التي يمكن عبرها سدّ رمق الفلسطينيين! وبينما الحال كذلك، والناس تعيش كلّ يوم بيومه، يأكلون اليوم ولا يدرون إن كانوا سيأكلون غداً، تدير المنظمات الفلسطينية ظهرها للمقاومة وتنهمك في الصراع حول السلطة وحول مستقبل "الدولة الفلسطينية" الوهمية المزعومة، بينما الصهاينة يواصلون إقامة المستعمرات وقضم ما تبقى من الأرض الفلسطينية وابتلاعها وهضمها قطعة فقطعة، بحيث لم تعد ثمّة أرض كافية ومناسبة لإقامة أيّ شكل هزلي من أشكال الدولة!

لقد نجح الأميركيون والإسرائيليون والرسميون العرب في قلب الموقف الفلسطيني رأساً على عقب، متواطئة معهم الأطراف الأخرى في "اللجنة الرباعية" الدولية، غير أنّه نجاح مؤقّت، لسبب بسيط، هو أنّ القضية لا تتعلّق بمصير عشرة ملايين فلسطيني بل بمصير مئات ملايين العرب الذين سوف يبقى الفلسطينيون طليعتهم وخطّهم الأمامي، والذين سوف تبقى فلسطين جزءاً لا يتجزّأ من أوطانهم، إن هلكت هلكوا وإن نجت نجوا!

     [email protected]

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1