النظرية المالتوسية سياسية لا اقتصادية!
بقلم : نصر شمالي
هل يتوجّب بالضرورة أن يتحقق التقدم المادي الكمّي، الرائع والمروّع في آن، على حساب التقدّم الإنساني النوعي الأخلاقي؟ لقد تحّدث ماركس وأنجلز عن نظام العشيرة البدائي المشاعي القديم بعذوبة وتعاطف، بسبب التضامن الاجتماعي والمساواة فيه، وتحدثا عن النظام الصناعي الحديث فأبديا إعجابهما بإنجازاته المادّية المذهلة، وعبّرا في الوقت نفسه عن سخطهما وعدائهما لعلاقاته الداخلية الاستغلالية، فهما تطلّعا إلى تكامل العلاقات الإنسانية الإيجابية للعصر القديم مع الإنجازات المادّية العملاقة الرائعة للعصر الحديث، واعتقدا بإمكانية تحقيق ذلك، لكنّ هذه الإمكانية تبدو اليوم كأنّما هي مستبعدة، حتى لا نقول غير ممكنة، في ظلّ الأزمات الرهيبة المتنوّعة التي تعصف بالبشرية جمعاء، خاصّة الأزمة الغذائية التي تتفاقم يوماً بعد يوم!
إنّ أسوأ ما في الحال البشري اليوم هو أنّ إدارات الدول الثرية، أي إدارات خمس سكّان العالم، لا تزال تعتبر المدنيّة والحضارة والتقدّم العلمي وقفاً على شعوبها وحدها، وأنّ الشعوب الأخرى بربرية أو همجية غير مؤهّلة أصلاً للإسهام في عملية التقدّم التاريخية، بل هي خطر على العملية بحيث ينبغي تقييدها وضبطها وإدارة شؤونها نيابة عنها، وأنّها إذا ما هدّدت الحضارة بالتمرّد على نظام سادة الحضارة، الذي ينصّ على التطوّر المتفاوت بين الأمم، فلا ضير على الإطلاق في إبادتها جزئياً أو كلّياً! مع أنّ المدنيّة والحضارة والتقدّم العلمي هي جميعها نتاج جهود جميع الأمم عبر جميع العصور، وإن انتقلت مراكزها إلى هذا البلد أو ذاك وإلى هذه القارة أو تلك!
مسؤولية الأزمة على عاتق الجوعى!
وأغرب ما في الأمر أنّ حاجة الشعوب الفقيرة ، أي أربعة أخماس البشرية، للغذاء تعتبر اليوم من وجهة نظر الإدارات الثّرية تهديداً للحضارة! حتى أنّ أحد كتّاب صحيفة "الحياة" كتب بتاريخ 21/4/2008 يقول أنّ المحتاجين الذين صاروا قادرين على الإنفاق وزيادة الاستهلاك في الدول الناشئة يستهلكون حصّة لم تكن مخصصة لهم من قبل (يقصد الهند والصين) وأنّ الفقراء الذين حصلوا على مساعدات من صناديق منظمات تابعة لهيئة الأمم المتحدة، أو من حكومات أو من جمعيات خيرية ومنظمات غير حكومية، توفّرت لهم حصص من مخزون زراعي كان مخصصاً بكامله للقادرين على الإنفاق..الخ! وهكذا يصبح المسؤول عن الأزمة العالمية الغذائية الحالية هو المحتاج إلى الغذاء الذي لا يحقّ له حتى لو كان معرّضاً للموت جوعاً أن يتناول غذاءه على حساب الأثرياء الذين يستحقونه! وبالطبع فإنّ الكاتب العربي نقل وجهة نظر الأثرياء وإن هو أظهرها كأنّما هي نتاج تحليله الشخصي، ويا للبؤس والعار!
البقاء للأقوى والحروب ضرورية!
من الواضح أنّه، مثلما تحدّث ماركس وأنجلز عن الفضائل الأخلاقية الاجتماعية لنظام المشاعية القديم، يمكن الحديث أيضاً عن فضائل عصر السندباد قياساً بشرور عصر شايلوك الذي تلاه، فما أعظم الفارق الإنساني الأخلاقي بين هذا وذاك، حيث السندباد رمزاً للحرية والإيثار والتواضع والانفتاح الكامل على الغير من كل جنس ولون، وحيث شايلوك رمزاً للعبودية والأنانية والتكبّر والانغلاق العنصري الإقليمي! وإنّه لمن المروّع أنّ الإدارة الإمبراطورية البريطانية (الحديثة النعمة والعلم ) وهي في أوج قوتها وثرائها وعظمتها كانت تنظر إلى المستقبل بقلق أقرب إلى الذعر وهي تفكّر في ازدياد عدد سكان العالم حسب المتواليات الهندسية، وتعتقد بخطر ذلك على ثرائها ورفاهها مستقبلاً، فظهرت نظرية مالتوس العنصرية الرهيبة وغيرها من النظريات التي تتحدّث عن قانون الاصطفاء الطبيعي والبقاء للأقوى، وعن ضرورة الحروب الشاملة للحدّ من تزايد سكّان العالم، وهاهي الإدارة الإمبراطورية الأميركية تسير اليوم على المنوال نفسه!
الشايلوكية المالتوسية هي المشكلة!
يقول الكاتب إيّاه في صحيفة "الحياة" أنّ سبب الأزمة الغذائية الراهنة هو الثراء والفقر والغنى والحرمان، وأنّ الطفرة المالية العالمية، والنموّ الاقتصادي المستمرّ بوتيرة عالية، وزيادة موارد ثروات الأفراد، أسفرت عن تكوين قدرة شرائية كبيرة رفعت الطلب العالمي وتسبّبت بزيادة الأسعار، وأنّ النظرية المالتوسية توشك أن تتحقّق في الربط بين تكاثر السكان حسب نظام المتوالية الهندسية ونموّ الإنتاج الزراعي (المتدنّي) حسب نظام المتوالية الحسابية، وأنّ الأزمة التي تتلخّص في أنّ الفقراء أكلوا أكثر مما ينبغي قد قوّضت جهود الأمم المتحدة خلال عشرات السنين الماضية من أجل خفض عدد الجائعين وتقليل عدد المحتاجين ..الخ! لقد ذهب الكاتب العربي بعيداً ليس في تبنّي النظرية المالتوسية الشايلوكية فقط، بل في إظهار ما يقوله كأنّما هو اجتهاده ووجهة نظره شخصياً ويا للغرابة! مع أنّ الجميع يعرفون، حتى الاحتكاريون الذين يكابرون، أنّ أربعة أخماس البشرية لا تحظى سوى بخمس مجمل الإنتاج والاستهلاك العالمي، وأنّ الخمس الذهبي يستأثر بأربعة أخماس الإنتاج والاستهلاك، والجميع يعرفون أنّ الثروات والسلع المكدّسة في البلدان الثريّة، وما ينفق على الحروب بتريليونات الدولارات (بآلاف المليارات) يكفي لصيانة كوكب الأرض، ولجعل الحياة البشرية طبيعية ولائقة وطيبة بمجملها، إلى مدى غير منظور ومهما تزايد عدد السكان، فإذا كان عدد سكان العالم سيرتفع إلى ثمانية مليارات نسمة في العام 2020، وأنّ زيادة الإنتاج الزراعي ينبغي أن ترتفع نحو خمسين في المائة، فإنّ ذلك لا يعني شيئاً قياساً بثراء العالم الطبيعي واتساعه الهائل أفقياً وعمودياً، حتى أنّ الكاتب العربي نفسه نسي وتحدّث في المقال ذاته عن المساحات الهائلة من الأراضي غير المزروعة لأسباب لم يذكرها، وأولّها أنّ شايلوك الاحتكاري العنصري المرابي يحول دون زراعتها بشتّى الطرق بما فيها الحرب، والعراق والسودان أقرب وأوضح مثال! وهكذا فإنّ المشكلة ليست في التذرّع بتزايد عدد السكان ولا في الزعم بتناقص الموارد، بل في شايلوك وإدارات شايلوك ، التي هي وحدها الخطر على البشرية وعلى كوكب الأرض بمجمله!