الحلم الأميركي باسترداد إيران!

بقلم : نصر شمالي

 

وافق أقطاب في الكونغرس الأميركي، من الجمهوريين والديمقراطيين، نهاية العام الماضي على طلب الرئيس بوش الحصول على تمويل من أجل تصعيد كبير في العمليات السرية ضدّ إيران، بهدف زعزعة نظامها، وقد تحدّث الكاتب الأميركي سيمور هيرش في تقرير أعدّه ونشرته مجلّة "نيويوركر" قبل أيام عن "مرسوم تنفيذي رئاسي عالي السرية" وقّعه الرئيس  مؤخّراً من دون إطلاع الزعماء الديمقراطيين والجمهوريين على مضمونه حسبما يقضي القانون الأميركي، مع أنّهم وافقوا عموماً على توجهاته ووافقوا على رصد مبلغ 400 مليون دولار لصالحها، الأمر الذي أقلق هؤلاء الزعماء مرّتين: بسبب عدم ثقتهم في صحة ما يفعله الرئيس في الخفاء، وبسبب تجاهله للأصول القانونية في علاقته بالكونغرس! ويظهر القلق من حماقة بوش وقد بلغ مداه عندما نطالع ما قاله وزير الدفاع روبرت غيتس عن الضربة التي قد توجهها إدارة بوش لإيران، فقد قال غيتس في اجتماع رسمي: "سوف تخلق (الضربة) أجيالاً من الجهاديين وسوف يتصارع أحفادنا مع الأعداء هنا في أميركا"! ويقول تقرير هيرش أنّه، بالإضافة إلى احتمال تنفيذ الضربة الجوية ضدّ المنشآت النووية الإيرانية، فإنّ العمليات السرية الأميركية داخل إيران قطعت شوطاً في دعم القوى الإيرانية المعارضة في جميع أنحاء إيران ..الخ!

في الحقيقة ليس ثمّة جديد في التصريحات الأميركية ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فهي تطلق تباعاً منذ سنوات، سوى أنّها أصبحت اليوم أكثر حدّة وتحديداً، وأنّها اقترنت بإجراءات عملية، مثل رصد المبلغ اللازم وتوقيع "المرسوم التنفيذي الرئاسي العالي السرية"، ويعزى هذا التطوّر إلى عدّة أسباب، منها ما يتعلّق بمصالح الكيان الصهيوني تحديداً، ومنها ما يذهب أبعد من ذلك فيرى الحلم الأميركي/الإسرائيلي باسترداد إيران الشاهنشاهية خلف هذه التطورات، أمّا الأقرب إلى الواقع، من وجهة نظرنا، فهو أنّ واشنطن تمارس الضغط الإرهابي ضدّ طهران بهذا المستوى من الحدّة والتحديد من أجل تمرير اتفاقيتها الاستراتيجية وعقودها النفطية في العراق، فالرئيس الأميركي ونائبه تشيني من كبار تجّار النفط، وهم اليوم في آخر أشهر ولاية إدارتهم يريدون ضمان تحقيق مصالح شركاتهم ولو على حساب الشعب الأميركي، الأمر الذي يدفعهم إلى ارتكاب الحماقات، أمّا الحلم باسترداد إيران فقد فات أوانه!

لن تعود أوضاع إيران أبداً إلى ما كانت عليه قبل الثورة، ونظرة سريعة نلقيها على بعض الوقائع التاريخية تؤكد لنا ذلك، ففي حزيران/يونيو 1950 اعترف الشاه محمد رضا بالكيان الإسرائيلي، وراح يبالغ في إظهار كراهيته للعرب وفي تأجيج نيران العداء بينهم وبين إيران، ولا يوفّر جهداً في محاربة التطلعات الوطنية والقومية العربية، وفي المقابل انخرط في حلف الناتو كتابع، وانهمك في تعزيز علاقاته مع الإسرائيليين ومع الصهاينة داخل إيران، كلّ ذلك على حساب الشعب الإيراني الذي كان يسربله الشقاء وتخنقه الغربة في وطنه، وقد كان الأميركيون والإسرائيليون أوفياء لحليفهم، فقام الموساد الإسرائيلي  بدور بارز في العملية القذرة التي نظمتها وقادتها الحكومة الأميركية للإطاحة بحكومة الدكتور مصدّق الوطنية (العلمانية الديمقراطية) عام 1953!

لقد كان محمد رضا يحلم في نطاق الهيمنة الأميركية على بلاده باحتلال موقع متميّز كموقع الإسرائيليين في الدائرة الخاصة الأميركية/الأوروبية. إنّه حلم بعض الأتراك وبعض المصريين الساداتيين أيضاً! فالأجهزة السرّية الأميركية والأوروبية ترعى الكيان الإسرائيلي المزروع في المنطقة لحماية مصالح بلادها، وقد سعى الشاه بقوة لتشمله مثل تلك الرعاية وياللعجب، أمّا الشعب الإيراني فكان يرى ما يحدث ويستعدّ ليوم الحساب العسير!

لقد استطاع الإسرائيليون الحصول على النفط الإيراني مباشرة عن طريق الشاه، وتحوّلت إيران في عهده إلى سوق لتصريف البضائع الإسرائيلية، وأنشئت شركات إسرائيلية/إيرانية أخذت على عاتقها بناء المدن والأبنية الحكومية وشقّ الطرق وبناء السدود وتطوير الزراعة..الخ، وبعد حرب 1973 اتفق الطرفان على تأسيس شركة نقل ملاحية (ترانس اسباتيك) لشحن النفط الذي ارتفعت أسعاره كثيراً من ميناء عبادان إلى ميناء إيلات، إضافة إلى مدّ خطّ أنابيب لنقل النفط الإيراني من إيلات إلى عسقلان وحيفا! ولننتبه الآن أنّ الإسرائيليين الذين خسروا النفط الإيراني يتطلعون اليوم إلى أنبوب يوصل النفط العراقي إلى حيفا المحتلة!

وفي ما بعد شمل التعاون بين الشاه والإسرائيليين تدريب الطيارين الإيرانيين على الفانتوم، والتعاون لتطوير الصواريخ البلاستية الإيرانية لإنتاج صاروخ "زوهر" القادر على حمل رؤوس نووية! وقد وقّع شيمون بيريز، وزير الدفاع آنذاك، على الاتفاق عام 1977 من دون أن يتعرّض الشاه لأية احتجاجات من قبل الحكومات العربية التي لم يظهر عليها أي أثر للقلق! بل لقد حصلت الشركات الإسرائيلية حينئذ على عقود لإقامة المطارات والقواعد البحرية الحربية الإيرانية ، وافتتحت في طهران مراكز ومكاتب تابعة لمؤسسات التصنيع العسكري الإسرائيلية دون أن يحدث ذلك أيّ أثر سلبي في العواصم العربية!

لقد كتب الإسرائيلي أوري لوبراني، الذي كان يصول ويجول في جنوب لبنان قبل ظهور المقاومة الإسلامية، أنّ الإسرائيليين احتلوا في العام 1979 معظم المراكز الاقتصادية الهامة في إيران: المصارف وشركات التأمين وقطاع الفنادق والسياحة ..الخ! لقد كانت إيران تفرّغ من ثرواتها وثقافتها على أيدي الأميركيين والإسرائيليين وحليفهم محمد رضا وأوساطه التابعة، غير أنّ الشعب الإيراني كان لهم بالمرصاد، مدركاً تماماً أبعاد ما يرتكبونه من جرائم، ضدّهم وضدّ إخوانهم العرب في فلسطين خاصة، فكانت الثورة الإسلامية التي قلبت الوضع في إيران رأساً على عقب، والتي جعلت استردادها إلى الحظيرة الأميركية الإسرائيلية حلماً يستحيل تحقيقه، وهو الحلم الذي انتعش باحتلال العراق، والذي كان تحقيقه ممكناً ربّما لو أنّهم نجحوا في السيطرة على العراق، لكنّه سرعان ما تبخّر بفضل نيران المقاومة العراقية الباسلة!

             [email protected]

 

Hosted by www.Geocities.ws

1