الجذور الواحدة لكلّ من لندن وواشنطن!

بقلم : نصر شمالي

 

قبل أيام قليلة وقف وزير الخارجية البريطاني أمام برلمان بلاده، وأدلى ببيان عبّر فيه عن أسفه الشديد لأنّ وكالة المخابرات المركزية الأميركية استخدمت بعض الموانئ الجوية البريطانية في نشاطاتها ضدّ من تسمّيهم بالإرهابيين، لأنها فعلت ذلك خارج الأصول ، ومن دون معرفة وموافقة الجهات الرسمية المعنية العليا في لندن! ولكن على الرغم من الأداء الناجح للوزير الذي بدا كأنما هو مفجوع حقاً، وعلى الرغم من أنّ ذلك حدث في عهد حكومة توني  بلير السابقة، ومع الأخذ بالاعتبار أنّ العهد لا يزال عمّالياً، الأمر الذي يفسّر انزعاج الوزير أو تظاهره بالانزعاج، فإنّ هذا المشهد البرلماني البريطاني لا يتعدّى حدود المسرحية، فما فعلته الاستخبارات الأميركية كان حتماً بعلم وموافقة الجهات البريطانية المعنية التي لا تستطيع أن تبرّر حدوثه بمعرفتها، لكنّها تستطيع لاحقاً تمريره برلمانياً وديمقراطياً كمخالفة حدثت من وراء ظهرها! وماذا سيفعل البرلمان البريطاني؟ يطرد البعثة الدبلوماسية الأميركية؟ إنّه لن يفعل شيئاً سوى تسجيل استغرابه واستهجانه وينتهي الأمر، وليس من شك في أنّ غالبية أعضائه مرتاحة لما حدث!

والحال أنّ العلاقة التاريخية بين بريطانيا والولايات المتحدة هي علاقة عضوية مصيرية تصهر نسغها جذور مشتركة تعود في أصولها إلى ولادة الإمبراطورية الأميركية من رحم الإمبراطورية البريطانية، فهما الأم والابنة (و"إسرائيل" هي الحفيدة!) ولا يغيّر في جوهر الأمر أنّ الابنة تولّت مهام إدارة الإمبراطورية بدلاً عن والدتها العجوز، أما ما يسمّى بالاستقلال الأميركي عن بريطانيا فلم يكن أكثر من عملية قطع حبل السّرة الذي يربط المولود بوالدته! وجدير بالذكر أنّ الغالبية الساحقة من رؤساء الولايات المتحدة عبر تاريخها هم من أصول إنكليزية، ابتداء بالرئيس المؤسس جورج واشنطن الذي انحدرت أسرته من منطقة صغيرة في إنكلترا اسمها واشنطن تقع في أحد أطراف مقاطعة نيوكاسيل! ولقد حدث بعد الحرب العالمية الثانية أنّ بريطانيا غدت، برضاها، كأنما هي ولاية أميركية، غير أنّ ذلك لا يقلّل من شأنها ولا ينال من مكانتها الفعالة في إدارة النظام الاحتكاري الربوي الدولي!

إنّ الإنكليز الذين يحكمون المملكة المتحدة البريطانية على اختلاف بلدانها وأعراقها ودياناتها هم من أصول عرقية ودينية توحّدهم مع الإنكليز الذين يحكمون الولايات المتحدة على اختلاف أعراقها ودياناتها! وبريطانيا تنعم بما تنعم به الولايات المتحدة، ففيها ثاني أكبر سوق مالية دولية (بورصة لندن) بعد سوق نيويورك، وفيها أكبر سوق معادن دولي (بورصة الذهب والنفط وغيره) وفيها أكبر سوق للعملات الدولية أيضاً! وليس خافياً أنّها تحتفظ بمسافة بينها وبين الاتحاد الأوروبي وأنّها من جميع النواحي أقرب إلى الولايات المتحدة، أما حكاية أنها كانت تستعمر الولايات المتحدة لعشرات السنين فهي تشبه حكاية استعمارها المزعوم للكيان الصهيوني في فلسطين العربية المحتلة! ألم يحمل الإسرائيليون السلاح ضدّ بريطانيا ليحققوا استقلالهم كما يتشدّقون؟

إنّ الكثيرين يتوهّمون أنّ لندن هي تابع أعمى لواشنطن ولا تنال منها إلاّ الفتات، ولكن هناك كثيرون أيضاً يقولون أنّ الولايا ت المتحدة ليست سوى مخلب من مخالب الكنيسة الأنجليكانية الإنكليزية التي يزعمون أنها الحاكم الفعلي للبلدين بل للعالم أجمع، وأنها تفعل ذلك عبر أذرعها الاقتصادية (أسواق المال والشركات) وعبر أذرعها العسكرية (الجيوش الأميركية وحلف الأطلسي) وعبر أذرعها الأمنية (المخابرات الأميركية والموساد الإسرائيلي والمنظمات الماسونية)! نعم هناك من يعتقد أنّ الأمر كذلك! ويضيفون أنّ القواعد العسكرية الأميركية في بريطانيا هي في خدمة بريطانيا، وأنّ الشركات متعدّدة الجنسية التي تهيمن اليوم على الاقتصاد العالمي نهضت بالأموال البريطانية التي أسّست قاعدة هونغ كونغ الصناعية العملاقة، وصنعت تايوان واستراليا وكندا وحتى دول النمور الآسيوية! إنهم يخلصون إلى أنّ إمبراطورية صاحبة الجلالة الإنكليزية هي التي رسمت الخارطة السياسية والاقتصادية الحالية لكوكب الأرض! غير أنّ الوقائع التاريخية تؤكد أنّ القضية ليست قضية تابع ومتبوع، حتى ولو حدث وظهرت الصورة أحياناً كأنّما هي كذلك، بل قضية نظام عالمي واحد موحّد يتحكّم تطوّره وتتحكّم احتياجاته المصيرية في تعيين مراكزه الرئيسية التي تسهر على أمنه ومصالحه واستمراره بكفاءة!

لقد نهض هذا النظام العالمي، بخصائصه العنصرية الربوية الاحتكارية، منذ أواخر القرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر، وكان مركزه لشبونة البرتغالية ومدريد الإسبانية في بداياته، وقد حاولت باريس أن تكون كذلك، ومنذ القرن السابع عشر انتقل المركز الرئيسي إلى لندن اللوثرية الأنكلوسكسونية وخرج من أيدي اللاتين الكاثوليك، واستمرّ الحال هكذا حتى القرن العشرين، حيث سلّمت لندن الراية لابنتها واشنطن أقوى عواصم هذا النظام العالمي الجائر وآخرها!

لقد ورثت الولايات المتحدة المستعمرات البريطانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي جملتها الكيان الإسرائيلي، وقد تنازل الرئيس البريطاني الشهير ونستون تشرشل عن مركزه الأول في قيادة النظام العالمي لزميله الأميركي طوعاً لا كرهاً، مسلّما لاحتياجات النظام التي تستدعي قيادة فتية قوية وثرية تكفل استمرار السيادة العالمية للغرب عموماً وللأنكلوسكسون اللوثريين خصوصاً، أما هو وحكومته فقد انصرف لترميم وإصلاح الشأن البريطاني بعد ويلات الحرب، ولإعداد بريطانيا للدور الجديد الضروري الذي سوف تلعبه إلى جانب الولايات المتحدة، وقد تجلّى هذا الدور أكثر ما تجلّى في التعاون بين رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر والرئيس الأميركي رونالد ريغان، وهو التعاون الذي أسهم في تقويض الاتحاد السوفييتي، حيث الهاجس الذي يجمع العاصمتين أكبر بما لا يقاس من الاعتبارات الآنية والمصالح القطرية الضيقة، فهو يتعدّاهما إلى المصلحة التاريخية للنظام العالمي الذي نهض منذ قرون وينبغي أن يستمر قرناً فقرناً وإلى الأبد إن أمكن!

إنّ التعاون البريطاني الأميركي، الذي ينطلق من وحدة الجذور والمصالح والمآل، يعبّر عن نفسه في بلادنا من خلال الدعم المطلق للكيان الصهيوني، والحرص المطلق على بقاء العرب ممزّقين متناحرين وإدارة شؤون بلدانهم نيابة عنهم في المسائل الجوهرية العميقة، والاندفاع الشرس بلا هوادة ولا مراعاة للأصول لتدمير أية محاولة للنهوض والاستقلال يحاولها هذا القطر العربي أو ذاك، ولنا في العراق اليوم أعظم مثال على ذلك، حيث الدور الرئيسي في احتلاله وتدميره يعود إلى كلّ من واشنطن ولندن.. وتل أبيب! لقد صرّح توني بلير في معرض تأييده وانضمامه إلى الأميركيين في الحرب ضدّ العراق قائلاً: "ينبغي أن نبقى أقرب الحلفاء إلى الولايات المتحدة، ليس لأنّ الأميركيين أقوياء، بل لأننا نشاطرهم قيمهم"! وإنّه لقول بليغ وصحيح يؤكد ما عرضناه وما ذهبنا إليه!

[email protected]

 

 

 

 

Hosted by www.Geocities.ws

1