الأميركيون في فلسطين عام 1840!
بقلم : نصر شمالي
يأمل الأميركيون أنهم أوشكوا على هضم فلسطين بعد ابتلاعها عن طريق شدقهم الإسرائيلي، وما يشير إلى ذلك هو انهماكهم في تشجيع المفاوضات السلمية وعقد المعاهدات الرسمية بين السلطة الفلسطينية والإسرائيليين بينما المقاومة المسلحة محاصرة في كلّ مكان، وقد انحسرت أو تكاد، بفعل قيادات فلسطينية وعربية أكثر من فعل القيادات الأميركية والإسرائيلية! إنّ انحسار المقاومة والتوجّه إلى طاولة المفاوضات والمعاهدات يذكّر الأميركيين بأمجادهم ونجاحاتهم في ابتلاع شمال أميركا واستكمال عملية هضمه قبل حوالي قرنين من الزمان، فهناك توالت المفاوضات وتوالى توقيع المعاهدات بلا توقف ولا انقطاع عبر مسيرة الإبادة والاستيطان الطويلة الرهيبة، ليبلغ عددها في النهاية 370 معاهدة، كلّ واحدة منها تبدو كأنّما هي الأخيرة، فهي مستكملة جميع الأصول والشروط القانونية وتبدو غير قابلة للنكوص والانتهاك، لكنها انتهكت جميعها، الواحدة تلو الأخرى، وتحوّلت إلى مجرّد حبر على ورق وإلى مجرّد محفوظات في الأرشيف الحكومي الأميركي! أما الهدف من وراء تشجيع الفريسة على الانخراط في المفاوضات السلمية وعقد المعاهدات الرسمية فقد تبيّن بعد فوات الأوان أنّه لتشويش الضحايا وإنهاكهم وشلّ مقاومتهم، ريثما يتحقق القضاء النهائي التام عليهم بأقلّ تكلفة وبأقصر زمن!
بحكم المعلومات التاريخية الناقصة أو المحرّفة، وبحكم الأوهام المستشرية ومنها الانبهار أمام "الحضارة الديمقراطية" الأميركية، قد يبدو أننا نبالغ في إعطاء الأولوية للأميركيين (الأنكلوسكسون) على اليهود الصهاينة في ميدان اغتصاب فلسطين وابتلاعها وهضمها، غير أنّ الوقائع التاريخية المؤكّدة، المدوّنة، تقول أنّ المستوطنين الإنكليز ما كادوا يستكملون استيلاءهم على شمال أميركا وإبادة شعوبه، وهو ما تحقق نهائياً في عهد الرئيس المبجّل إبراهام لينكولن، حتى توجّهوا بأنظارهم وسفنهم إلى البلاد العربية عامة وإلى فلسطين خاصة، فالقارة الأميركية كانت بالنسبة إليهم أرض الميعاد الافتراضية، وكانت شعوبها الأصلية كنعانية افتراضياً، حيث ارتكب اللوثريون الإنكليز جرائمهم الهائلة في أميركا بناءً على فرضيات تلمودية، وبحماسة منقطعة النظير يفتقر اليهود إليها تماماً، وهكذا ما كادوا ينجحون في أرض الميعاد الافتراضية حتى تحوّلوا إلى أرض الميعاد "الواقعية" حسب الخرافات والأساطير، وهذا الحلم باغتصاب فلسطين كان قد راودهم في إنكلترا وحملوه معهم إلى أميركا، وهو تحوّل إلى برنامج سياسي، منذ استيلاء اللوثريين البيوريتان على السلطة في لندن، في عهد أوليفر كرومويل، فأصدروا في العام 1749 أول بيان يطالب بعودة اليهود إلى "أرض أجدادهم" في فلسطين، في زمن لم يكن يوجد فيه على الأراضي الإنكليزية يهودي واحد، لأنّ دخول اليهود إنكلترا كان محرّما بموجب قرار ملكي قديم!
في عام 1840 قرّر جوزيف سميث، مؤسس الكنيسة المورمونية اللوثرية الأميركية، التحول بنظره وجهده الاستئصالي الاستيطاني إلى فلسطين، فالرجل الورع لا يستطيع التوقف عن خدمة الرب التوراتي المحارب "يهوه"، وإذا كان القضاء على "الكنعانيين" في أميركا قد تمّ أو أوشك أن يتمّ، وإذا كانت جذوة الحرب المقدّسة قد خمدت في أرض الميعاد الأميركية، فينبغي الانتقال والمتابعة هناك، في فلسطين! وعلى هذا الأساس بعث سميث تلميذه أورسون هايد إلى القدس من أجل "تسهيل نبؤة بعث إسرائيل"! ومن بين كتب التوصية التي حملها هايد كتاب من وزير الخارجية الأميركي وآخر من حاكم ولاية آلينوي! وفي عام 1850 قام وارد كريسون قنصل واشنطن في القدس بتأسيس مستوطنة زراعية لاجتذاب اليهود إليها، وخطط لتأسيس مستوطنات أخرى، وحاول الحصول على دعم اليهود في القدس لكنهم لم يستجيبوا رغم تحوّله عن دينه المسيحي إلى الدين اليهودي!
وفي شهر تموز/يوليو 1867 وجّه مجموع المستوطنين الأميركيين المقيمين قرب يافا رسالة إلى عضوي الكونغرس، فسندون وموريل، يشرحون فيها وضعهم ويطلبون التدخل لدى السلطات الأميركية لتخليصهم من الحالة الرهيبة التي وجدوا أنفسهم فيها! وذكر الموقّعون السبعون أنهم استشاروا السفير الأميركي في القسطنطينية، مستر موريس، قبل إرسال رسالتهم! وفي 22/9/1867 جاء الردّ من الخارجية الأميركية إلى عضوي الكونغرس، وفيه أنّ الوزارة متشكّكة في صحة نوايا موقّعي الرسالة، وأنّ جزءاً مهماً من المستوطنين (الأميركيين في فلسطين) ما زال متمسّكاً باستمرارية المشروع الاستيطاني، وأنّ مجموعة جديدة من المستوطنين تتأهّب للانطلاق من ولاية ماين إلى يافا، ولذلك فإنّه من غير المناسب لحكومة الولايات المتحدة التورّط في إعادة المستوطنين الخائبين في الوقت الذي تتوجّه فيه سفينة من ولاية ماين حاملة دفعة جديدة من المستوطنين ليحلوا محلّ المستوطنين العائدين! ( من حديث للحاخام الأميركي إسرائيل غولدشتاين، نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" في 7/8/1976).
بالطبع، ينبغي النظر إلى ذلك الذي أشرنا إليه انطلاقاً من فهم النزعة الإمبريالية الإنكليزية البيوريتانية، التي سعت وما زالت تسعى لاستعباد الأمم جميعها، مستندة كذريعة إلى النصوص التلمودية التي تعتبرها ربّانية مقدّسة، وهو ما واصل الرئيس بوش التعبير عنه ولم يبدأه، فالإنكليز البيورتان هم "شعب الرب المختار" الجديد، وهم يهود الروح، الأفضل من يهود الدم الذين تخلّوا عن خدمة الربّ "يهوه" كما ينبغي، والذين لم تبق لهم من مهمة سوى تجمّعهم في فلسطين كشرط لعودة السيد المسيح وبدء الألف عام السعيدة! ويالها من ذرائع لاستعباد الأمم مضحكة ومخيفة!
في عام 1917، تبادل الوزير الإنكليزي آرثر بلفور الرسائل مع الرئيس الأميركي تودور ولسون، للاتفاق على الصيغة النهائية لما عرف لاحقاً بتصريح أو وعد بلفور، بصدد إنشاء ما سمّي "الوطن القومي اليهودي"! وقد وافق الرئيس الأميركي سرّاً على مشروع التصريح/الوعد، وظلّت موافقته طيّ الكتمان بسبب موقع الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى، وبسبب موقعها في السياسة الدولية عموماً، حيث كانت تتظاهر بتبني حقوق الإنسان وحقّ الشعوب المستعمرة في تقرير مصيرها، ولكن ما أن تأكّد انهيار الرابطة العثمانية حتى أعلن ولسون، في آب/أغسطس 1918، مايلي: أعتقد أنّ الأمم الحليفة قد قرّرت وضع حجر الأساس للدولة اليهودية في فلسطين، بتأييد تام من حكومتنا ومن شعبنا"!
نختم بالقول أنّ الأمم الحليفة التي أشار إليها ولسون هي بالضبط ما يسمّى اليوم: "المجتمع الدولي"! إنّه المجتمع الدولي الذي يتطلع إليه البعض لتحقيق العدالة في فلسطين وغيرها بالمفاوضات السلمية!