الإسرائيليون والنتائج الدولية لحرب 1967

بقلم : نصر شمالي

 

كانت نتائج حرب حزيران/يونيو 1967 انتصاراً أميركياً بجميع المقاييس الإقليمية والدولية، والانتصار الإسرائيلي لم يكن في حقيقته وفي محصلته سوى مظهر من مظاهر الانتصار الأميركي، فإذا كانت حرب 1956 ضدّ مصر حرباً أوروبية شارك فيها الإسرائيليون فإنّ حرب 1967 كانت حرباً أميركية شكّل الإسرائيليون واجهتها وقناعها ليس إلاّ، بل هي كانت انتصاراً للأميركيين على الأوروبيين في فلسطين المحتلة أيضاً، حيث تحوّل الكيان الصهيوني إلى قاعدة أميركية خالصة بعد أن كان موضوع شراكة أوروبية /أميركية، وبالطبع فإنّ نتائج حرب 1967 كانت في أحد أهمّ وجوهها استكمالاً أميركياً لكنس ما تبقّى من نفوذ أوروبي في المنطقة العربية!

غير أنّ الإسرائيليين أسكرهم ذلك الانتصار السهل وأفقدهم صوابهم، حيث اعتبروه انتصارهم وحدهم، مع أنّ ذلك ما كان ليتحقق بجهودهم وبإمكانياتهم وحدها مهما أوتوا من قوة ومهما بلغ ضعف العرب، فالقوات الإسرائيلية، في جميع الحروب العربية/الإسرائيلية، كانت جزءاً لا يتجزّأ من القوات الأوروبية والأميركية والأطلسية عموماً التي تشكّل عمقها العميق، غير أنّ نتائج حرب 1967 أحدثت شرخاً في الموقف الأطلسي من الإسرائيليين لأنّها كانت في أحد وجوهها هزيمة للأوروبيين، فقبل تلك الحرب كان الموقف الأوروبي من الإسرائيليين يتراوح بين الدعم القوي من قبل بريطانيا وفرنسا وبقية دول أوروبا الغربية، وبين التعامل الطبيعي والمودة والعطف من قبل الدول الأوروبية الاشتراكية الشرقية والاتحاد السوفييتي، بل إنّ الموقف الدولي عموماً كان يبدو متواطئاً معهم إلى هذا الحدّ أو ذاك، أمّا بعد حرب 1967 فقد قطعت مجموعة الدول الاشتراكية (عدا رومانيا) علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الإسرائيلي، وبدأت مظاهر الحنق وأصوات الغضب تتردّد في أوروبا الغربية، خاصة في فرنسا الديغولية!

لقد كانت تلك الحرب مناسبة لفضح كثير من الأسرار والخفايا المتعلّقة بالكيان الصهيوني الذي أصبح أميركياً، وأذيعت الحقائق المذهلة حول تفاصيل الحرب، فالدول الأوروبية المتضرّرة أشدّ الضرر من إغلاق قناة السويس أميركياً بواسطة الإسرائيليين راحت تتابع بقلق شديد تعاظم الهيمنة الأميركية على مصادر النفط العربية، وعلى مصادر المواد الخام الاستراتيجية والأسواق في أفريقيا التي اجتاحها الإسرائيليون نيابة عن الأميركيين وضدّ الأوروبيين، وهكذا فقد تغيّر عالم الإسرائيليين بعد حرب 1967 تغيّراً جذرياً، وراح الديغوليون في فرنسا يقولون دون مواربة أنّ السيطرة على قناة السويس وما يحيط بها، بغية الهيمنة على مجموع العالم القديم بما فيه أوروبا، هو ما أمسى وما سيبقى الهمّ الأكبر لواشنطن، وهو بالضبط مفتاح الحرب بين العرب والإسرائيليين، فالنظام العسكري الأجنبي الذي أقامته وزارة الدفاع الأميركية في فلسطين (الكلام للديغوليين) يهدّد في وقت معاً أوروبا والبلاد العربية والتقاليد الآسيوية، ولذلك فمن الطبيعي أن نرى جميع القوى التي ترفض الخضوع للقوة الاستعمارية الجديدة المتمثلة بالولايات المتحدة، في أوروبا وفي الشرق الأدنى وفي الشرق الأقصى، تتحالف ضدّ هذا النظام العسكري الأجنبي الإسرائيلي!

لقد راح الديغوليون يعبّرون عن اعتقادهم بأنّه لا بدّ من التخلّص من تلك الأسطورة السائدة في الغرب، القائلة بأنّ الولايات المتحدة عندما تنحاز إلى الإسرائيليين فلأنهم غربيون ثقافياً وبشرياً وعقائدياً، ولأنّهم الحصن الحصين للغرب على أرض كافرة، فذلك غير صحيح تاريخياً، والولايات المتحدة لم تدافع عن الغرب في أية بقعة من الأرض، وكلّنا يعلم (الكلام ما زال للديغوليين) بأيّة ضراوة قاتلت دبلوماسية واشنطن سيادة فرنسا في الجزائر، وكلّنا يعلم أيضاً بأيّ عزم تصدّت للعمليات العسكرية (البريطانية والفرنسية) في السويس عام 1956، وكيف أنّ ذلك التصدّي كان بمثابة إنذار، ثمّ من الذي اقتلع هولندا من إندونيسيا، ومن الذي طرد إيطاليا من ليبيا والصومال والحبشة، ومن الذي طرد البريطانيين، في السرّ والعلانية، من "ممتلكاتهم" في الهند وإيران ومصر وسورية، ثم من الخليج "الفارسي" ونيجيريا وغيرها؟ ماذا تعني إذن الخرافة التي تنسب الإسرائيليين إلى الغرب؟ إنّها لا تعني سوى أنّ الولايات المتحدة تقصد بالغرب الولايات المتحدة نفسها! إنّ واشنطن لا تقاتل إذن لأنّ "إسرائيل" غربية بل لأنّها خضعت لها وصارت أداة لتوسّعها، ونحن على يقين أنّه إذا خطر للإسرائيليين في المستقبل ممارسة سياسة مستقلّة فإن ّوجودهم لن يكون بالوزن الثقيل، وسوف نرى حينئذ كيف سيكنسون من الشرق كما كنست فرنسا من الجزائر وهولندا من إندونيسيا!

لقد قال الديغوليون الفرنسيون الكثير، والكثير جداً، بعد حرب 1967 ضدّ الإسرائيليين وأسيادهم الأميركيين، لكنهم لم يستطيعوا فعل الكثير، وقد رأينا المتاعب الشديدة المختلقة التي واجهتها حكومة الجنرال شارل ديغول، ثمّ رأينا كيف أحال الرجل نفسه على التقاعد مستسلماً أمام تلك الموجة الخبيثة العاتية التي أطلقها ضدّه الأميركيون وعملاؤهم اليهود الصهاينة، فالانفعالات والطموحات الأوروبية كانت وما زالت تصطدم بالسقف العسكري الأميركي، وبالهيمنة الاقتصادية الأميركية خاصة في ميدان النفط، أمّا عن الوضع الإسرائيلي المستجدّ فقد أوجزه الديغوليون على النحو التالي: "ليس هناك من نظام ثقافي أو عقائدي يحكم الصلات بين الولايات المتحدة والإسرائيليين، فالمجتمع اليهودي الأميركي مرتبط أكثر من أي شيء آخر بالوطن الأميركي وبالمصالح الأميركية وبالتوسّع الاستعماري الأميركي، فلا يمكن فصله أبداً عن إستراتيجية الولايات المتحدة، وليس هناك ما هو موضع جدل أكثر من القول أنّ موقف الولايات المتحدة من الإسرائيليين هو عطف خاص، لأنّ هذا النوع من الشؤون لا يعالج أبداً من زاوية عاطفية، وما يجري بكل بساطة هو أنّ المجتمع اليهودي يستأثر بقدر هام من مقررات رأس المال الأميركي لأنّه يهيمن على المصارف، وعلى شبكات الاستهلاك ومكاتب الدراسات الاقتصادية، غير أنّه لا يعمل كقوّة مالية مستقلّة، لأنه ليس في حدّ ذاته سوى موجة في مدّ الإمبريالية الأميركية وجذرها!

[email protected]

   

 

Hosted by www.Geocities.ws

1