لماذا تعثّرت الحركات القومية والإسلامية ؟
على مدى القرن العشرين، طغت على سياسات الحركات والأنظمة العربية، الليبرالية والقومية والاشتراكية، فكرة رئيسية ملحة هي: اللحاق بالعصر الأوروبي الأميركي بعد ردم الهوة الفكرية والمادية، الواسعة والعميقة، التي تحول دون تحقيق ذلك! لقد اعتبر اللحاق بالعصر الصيرورة المنطقية الطبيعية للشعوب والأمم، واعتبر ردم الهوة تغلّباً على التخلف الذاتي الذي هو نتاج التراث والعادات القديمة!
أما الحركات العربية الإسلامية فقد طغى على سياساتها عموماً هاجس الخطر المحيق بالمجتمعات الإسلامية، القادم من الشمال، ووهم النظر إلى العالم الواحد على الأرض باعتباره عالمين متقابلين، متمايزين، متصارعين!
وفي ما بعد، خلال الربع الأخير من القرن، جاءت النتائج العظمى، المذهلة، لتكشف الافتقار إلى رؤية متماسكة، كافية وقريبة من الصحة، سواء في ما يتعلق بالأطوار والعصور البشرية التاريخية، أو في ما يتعلق بموقع الأمة العربية والإسلامية في العصر الحالي وبطبيعة ووظائف هذا العصر!
كان الفريق الأول، الليبرالي القومي الإشتراكي، يتطلع إلى الاندماج في العصر الأوروبي الأميركي بعد إلحاق الهزيمة بسياساته الاستعمارية، حيث لا مأخذ له يستحق الذكر على هذا العصر سوى هذه السياسات، بل لقد قطع الفريق الأول شوطاً بعيداً على طريق تمثّل العادات والتقاليد وأنماط التفكير الحديثة الأوروبية، أما الفريق الثاني، الحركات الإسلامية عموماً، فقد تطلعت إلى عالم إسلامي مستقل، حصين وعزيز، يعلي راية الإسلام، حتى أن بعضها كان جاداً في العودة إلى نظام الخلافة!
ولكن، تجدر الإشارة هنا إلى أن الانقسام بين الفريقين لم يكن قاطعاً وحاسماً، حيث هناك إسلاميون قالوا بالانفتاح على منجزات العصر الأوروبي الأميركي بهذا القدر أو ذاك، وحيث هناك قوميون واشتراكيون أولوا التراث الإسلامي قدراً كبيراً من اهتمامهم وجهودهم، بل لقد ضمت الحركات القومية والاشتراكية عدداً كبيراً من المسيحيين والمسلمين الأتقياء، بعضهم من رجال الدين.
بلبلة واسعة واضطراب عظيم !
لقد حدثت البلبلة الواسعة ووقع الاضطراب الكبير لأول مرة مع اشتداد الهجمة الأميركية الأوروبية ضدّ البلاد العربية في مطلع التسعينات، وجاء تصريح الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، عن قيام نظام عالمي جديد، مفاجئاً ومذهلاً، ثم تلت ذلك الانهيارات في المعسكر الإشتراكي، التي لم تكن متوقعة ولا في الخيال، والتي بلغت ذروتها بسقوط موسكو الشيوعية، لتزعزع أركان الفكرة القائلة بوجود عالمين متقابلين، اشتراكي ورأسمالي، كل منهما مستقل بذاته! لقد كان صعباً على القوميين، والإشتراكيين استيعاب حقيقة أن المعسكر الإشتراكي لم يكن سوى تمرد محاصر طوال الوقت في نطاق النظام الرأسمالي العالمي الذي بقي موحّداً وسائداً عالمياً، أي أنه لم يكن ثمة عالمين أحدهما اشتراكي والآخر رأسمالي، بل كانت هناك تجربة ومحاولة اشتراكية مطوّقة من الداخل والخارج!
من جهة أخرى فهم الكثيرون خطأ تصريح بوش الأب عن قيام نظام عالمي جديد، فقد عنى التصريح "نظاماً دولياً" وليس "نظاماً عالمياً"، حيث النظام العالمي موجود وقائم منذ خمسة قرون، منذ قيام العصر الأوروبي الأميركي، فهما ينهضان معاً استناداً إلى عقيدة واحدة، ويضمحلان ويزولان معاً باضمحلالها وزوالها.
إن النظام العالمي هو الوجه الواقعي التنفيذي لعقيدة العصر، أما النظام الدولي فهو مرحلة من مراحله، حيث تاريخ النظام العالمي يتألف من سلسلة من الأنظمة الدولية، يعبّر كل واحد منها عن نفسه من خلال تغيير الحدود الجغرافية، والتوزع الديمغرافي، والسياسات الدولية. وإن انتقال العاصمة العالمية الأولى من بلد إلى بلد، أو من قارة إلى قارة هو تغيير في النظام الدولي وليس العالمي، فقد حدث أن كانت العاصمة الأولى في إسبانيا والبرتغال لمدة قرن من الزمان تقريباً، ثم انتقلت إلى بريطانيا، وبعدها إلى القارة الأميركية، فكان ذلك تغيّراً في النظام الدولي وليس العالمي، تماماً مثلما كان الانتقال من يثرب الراشدية، إلى دمشق الأموية، إلى بغداد العباسية، لا يعني تغيّراً في النظام العربي الإسلامي العالمي، بل في النظام الدولي، لأن العقيدة بقيت هي ذاتها بغض النظرعن الصراعات الحربية والانتقالات المركزية!
عقيدة واحدة لأنظمة متحاربة !
إن من دلائل النقص الفادح في رؤية الحركات العربية عموماً للعالم تلك النظرة التي تميّز وتفرّق بين العهود والأنظمة الدولية لهذا العصر الأوروبي الأميركي الواحد بسبب الحروب الرهيبة فيما بينها. فالنظر إلى المرحلة اللاتينية الكاثوليكية، التي كان للبابوية دوراً بارزاً فيها، والتي سادت منذ أواخر القرن الخامس عشر، يتناولها منفصلة ومستقلة في حدّ ذاتها، وكذلك الأمر بالنسبة للمرحلة البيورتيانية الانجلوسكسونية التي بدأت تسود منذ القرن السابع ومازالت! وجدير بالانتباه أن التجربة السوفييتية كانت، عموماً، تجربة سلافية أرثوذكسية، لم يتح لها أن تكون قيادة عالمية مستقرة! لقد أدى الفصل، والتمييز من حيث الأساس التاريخي، بين أطراف العصر الواحد والنظام العالمي الواحد إلى هذا الاضطراب الهائل والتعثر المفجع في صفوف الحركات العربية بمختلف اتجاهاتها!
وعند التعامل مع المرحلة البيوريتانية (البروتستانتية) الانجلوسكسونية، سواء في عهدها البريطاني أم الأميركي، أغفلت الحركات العربية دور "العهد القديم" الأساسي والثابت في سياساتها الداخلية والدولية! لقد كان الشائع والطاغي هو الإعجاب بالتقدم المادي والاجتماعي البريطاني الأميركي، وكان الاحتجاج مقتصراً على الغزوات الاستعمارية، وبالطبع فإن الفصل بين التقدم في المراكز والاستعمار في الأطراف كان ساذجاً ومحزناً، حيث كلُ منهما يشترط الآخر، وحيث "العهد القديم" الذي اعتمدته لندن وواشنطن بتعصب مفرط أقنعهما أكثر أنهما مخوّلتان بالتصرف بالآخرين وبأوطانهم حسبما تقتضي مصالحهما، خاصة وأن "يهوه" اعتبر إلهاً بيوريتانياً، انجلوسكسونياً، فصار من حق الإنكليز، في بريطانيا وفي الولايات المتحدة، المضيّ قدماً بحزم في عمليات الإبادة والاستيطان التي ترضي "الربّ" الانجلوسكسوني! أما اليهود فقد جنّدوا لاحقاً في هذا المضمار!
القسّام كان مدركاً الحقيقة!
كان التمييز، ولا يزال، مستحيلاً بين التقدم المادي و"الحضاري" لبلدان اوروبا الغربية والولايات المتحدة وبين سياساتها الاستعمارية، ولم يلحظ بصورة عملية كافية النزوع العقيدي إلى احتكار العلوم والآداب والثروات، وإلى استبعاد العدالة الدولية، حيث الأمم الأخرى كائنات أدنى غير قابلة لإنتاج "الحضارة الرفيعة" بل مسخّرة لخدمتها فقط كالقطعان! أما الإسلاميون فقد ميّزوا وفرّقوا بين عالمين: غربي وشرقي، إسلامي وأوروبي أو مسيحي! غير أن مثل هذين العالمين لا وجود لهما إطلاقاً على أرض الواقع، فالعالم الرأسمالي الأوروبي الأميركي يشتمل على البلدان الإسلامية ويحتويها بإدخال ودمج قوتها البشرية والاقتصادية في صلب قوته، وبإدخال إداراتها ومثقفيها عموماً في صلب إدارته وثقافته، سواء وعت ذلك أم لم تعه، وسوء أعجبها ذلك أم لم يعجبها!
لقد كان لهذا القصور المعرفي نتائجه الميدانية الوخيمة في الأقطار العربية والإسلامية، وخاصة في فلسطين، حيث كانت الحركات القومية والاشتراكية والإسلامية تعتبر الانتداب الإنكليزي والحكومة البريطانية طرفاً ثالثاً إزاءها وإزاء المستوطنين اليهود، وكانت تحاور سلطات الانتداب على هذا الأساس في ما يتعلق بالاستيطان الصهيوني اليهودي، ناظرة إلى الإنكليز باعتبارهم مجرّد انتداب عابر، غافلة أو متغافلة عن الوقائع التي تؤكد أن المشروع الاستيطاني هو مشروعهم، وبسبب ذلك انصرفت تلك الحركات إلى محاربة المستوطنين اليهود بلا هوادة وإلى معارضة الإنكليز كمحتلين مؤقتين، ومحاورتهم كطرف ثالث يمكن أن يكون حكماً منصفاً إزاء كارثة الاستيطان! لقد كانوا قلة أولئك الذين رأوا العدو على حقيقته، باسمه الحقيقي وحجمه الطبيعي وعنوانه الصحيح، على رأسهم وأبرزهم الثوري الاستثنائي الكبير الشهيد الشيخ عز الدين القسام، فقد حاول القسام إقناع القيادات العربية العليا أن الحرب يجب أن تخاض ضدّ الإنكليز واليهود ضمنهم، فوجد القادة أنفسهم عاجزين عن الاستجابة لدعوته الصائبة، لأن ترتيباتهم الجهادية عموماً تتعارض مع مواجهة الحقيقة!
أوهام ما بعد الحرب الثانية
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، توهمت الأوساط القيادية في المستعمرات، ومنها العربية، أن نتائج الحرب تسمح لها بالاستقلال السياسي والاقتصادي، وأنه آن أوان برامج التنمية لردم الهوّة التي تفصل بلدانها عن البلدان المتقدمة، فراحت تتصرف كأنما المسألة إرادية محضة، وكأن الطرف المتقدّم، وخاصة الولايات المتحدة، لا يمانع في تقدمها إن هي كانت أهلاً لذلك!
لقد جلد المثقفون والمصلحون والسياسيون شعوبهم البائسة الصابرة جلداً متواصلاً، وأنّبوها بقسوة وهم يحثونها على النهوض في حدود ذاتها، باعتبارها عالماً متخلفاً مستقلاً بذاته! وبالطبع، لم يكن ذلك ممكناً أبداً قبل نيل الحرية الحقيقية وإحراز الاستقلال الحقيقي، حيث النواقص جميعها يمكن تداركها بسرعة قياسية بعد نيل الحرّية والاستقلال الحقيقيين. غير أنه لم يكن واضحاً، كما ثبت في ما بعد، أن النواقص هي حالة مرعية ومحمية من إدارات النظام العالمي، فليس ثمة نقص أصلي، نفسي أو روحي أو ذهني، عند أمة من الأمم، بل هناك نقص سياسي مفروض من قبل قوى دولية ومحلّية، حتى أننا لو وضعنا الإنسان الأوروبي الأميركي داخل حالة النقص، التي يعيش فيها العربي أو الهندي، فإنه سوف يؤدي أداءهما المتخلف ذاته، بدليل أنهما ينجحان ويتفوقان عندما يندمجان في حياة البلدان المتقدمة!
انكشاف شبكة النظام العالمي
لقد كانت برامج حركات التحرر عموماً قاصرة في ما يتعلق بوعي العالم، فقد غلبت عليها الطوباوية والرومانسية، بما فيها تلك الحركات التي نهضت على أساس عقائد متكاملة، دينية أو علمانية أو ماركسية. ففي سورية مثلاً، أثناء الاحتلال الفرنسي، كان العدو يتجسد في ذلك الجندي السنغالي في الجيش الفرنسي، الذي سيق عنوة وقسراً إلى ميادين القتال، مخلفاً في السنغال أسرة تعاني من الجيش الاستعماري ذاته! وقد اقتصر الهدف الوطني عموماً على جلاء السنغالي/الفرنسي، حيث غيابه عن الأنظار الوطنية هو معيار الاستقلال وأقصى المنى! وكانت البلاغة الخطابية في المظاهرات، والاشتباك المحدود مع دورية أو ثكنة، ودخول السجن لمرة واحدة ولبضعة أيام، كافياً كي يحتل صاحبه مواقع قيادية!
وبعد الاستقلال، أو الجلاء العسكري في الحقيقة، كانت الحركات السياسية عموماً ترى في الحكومات الوطنية مجرّد حكومات فاسدة، أو متواطئة، يتوجب تقويمها أو استبدالها، لا أكثر ولا أقل، كي يصلح كل شيء ويصبح على ما يرام! وبالطبع، فإن الأمر لم يكن كذلك، وكان هناك قلائل، من أمثال الشهيد عز الدين القسام، يعون أن الأمر أكبر من ذلك بكثير. لقد كانوا ندرة من الرجال، ولم يكن أمامهم من خيار سوى ركوب طريق الاستشهاد في ميادين القتال، علّهم بذلك يضيؤون الحقائق الكبرى التي تحجبها الظلمات!
بكلمة أخيرة، كان يجب اعتبار الجبهة المعرفية جبهة الحرب الرئيسة الأولى، فالحسم فيها ضرورة ملحة، غير أن ذلك لم يكن متاحاً لأسباب كثيرة لا مجال لاستعراضها هنا، فظلت وحدة شبكة النظام العالمي مموّهة، وظلّ ممكناً إشغال الناس في الثانويات والجانبيّات، وبما لا يخرجها في المحصلة من الشبكة الرّبوية العالمية!
لقد أهدرت جهود عظيمة، وضاعت فرص نادرة، وتبدّدت ثروات ثمينة، أما اليوم فقد بات واضحاً أنه لم يعد ثمة عذر، فوحدة شبكة النظام العالمي لم تعد مموهة، فهي واضحة ومقروءة من دون منظار!
اليوم، تتحمل الأمة العربية والإسلامية وحدها تقريباً الضغوط الرئيسة لهذه الشبكة، وأولها الضغوط العسكرية، ولعلها تتحمل بذلك أيضاً شرف أعباء عملية خلاص الإنسان في كل مكان!
www.snurl.com/375h