اعتقال رؤساء الدول ومحاكمتهم وإعدامهم!
بقلم : نصر شمالي
حتى الأمس القريب بدا أنّ حكومات الدول في جميع القارات لم تعد قادرة على التحكّم بتحركات وعمليات رأس المال الدولي الإمبراطور، المتجسّد في قطاع من البشر الذين لا ملامح لهم ولا هوية ولا وطن ولا عقيدة، فنرى نتائج أفعالهم ونسمع عويل ضحاياهم لكننا لا نرى وجوههم ولا نسمع أصواتهم ولا نعرف عنواناً محدّداً لهم، وهكذا بدا كأنّما أسقط في أيدي الحكومات الثريّة والفقيرة، فهي عاجزة عن مواجهتهم مباشرة وبالتالي مقاومتهم، وصار يقال أنّ اختيار الرئيس الأميركي وانتخابه يتمّ بـتأثير رأس المال الدولي وبفعل التحويلات المالية الأجنبية، الأمر الذي أوحى للبعض بفكرة "نهاية التاريخ"، وللبعض الآخر بفكرة "تجاوز مفهوم الدولة/الأمة" الذي عفا عليه الزمن! وبينما خلصت الفكرة الأولى إلى دعوة الأمم للاستسلام، خلصت الفكرة الثانية إلى الدعوة لتأسيس قوة عالمية معارضة، أي إلى عولمة النضال ضدّ الرأسمالية والتخلّي عن أشكال النضال القومي والإقليمي والعالم ثالثي..الخ! أمّا عن الحركات اليسارية فهي لن تنبثق من جديد بالصورة التي كانت عليها قبل انهيار المعسكر الاشتراكي، كما تشرح الفكرة الثانية، بل ينخرط اليساريون بصورتهم الجديدة في الحركة العالمية المعارضة للرأسمالية الليبرالية!
لقد كان المشهد الدولي يبدو للكثيرين في نهايات عقد التسعينات الماضي كما عرضناه، وبالفعل كان رأس المال الدولي، ممثّلاً بعصابة المحافظين الأميركيين الجدد الصاعدة، قد أعدّ لوائح تتضمّن آلاف الدول التي سوف يتشكل منها العالم المعولم، وكانت عمليّة التفتيت قد بدأت فعلاً بيوغوسلافيا منذ مطلع تلك التسعينات لتحقق بسرعة النتائج المطلوبة، بأن تحوّلت يوغوسلافيا أخيراً إلى ستّ دول قابلة للزيادة، وقد ترافقت عملية تفتيتها مع اعتقال رئيسها ومحاكمته أمام قضاة رأس المال الدولي ووفاته في السجن، وهاهي الكيانات التي انبثقت من ذلك الدمار الشامل، وآخرها كوسوفو، لا تملك من خصائص الدولة سوى الاسم، فهي حقول منجمية صناعية/تجارية تحرسها قوات رأس المال الدولي ويديرها وكلاؤه!
غير أنّ عمليات تفتيت ما بعد يوغوسلافيا، في إندونيسيا وأفغانستان، وفي العراق وفلسطين ولبنان وفي السودان والصومال، لم تندفع بالقوة ذاتها بل تعثّرت وتباطأت، وبرزت مؤخّراً أعراض فشلها وإن استمرّت رعايتها، ففي إندونيسيا تكشّفت "دولة" تيمور الشرقية التي أقاموها، في نظر سكّانها قبل غيرهم، عن كونها مجرّد عملية نصب واحتيال دولية ربويّة بمعنى الكلمة، حيث الأستراليون الذين أوكل إليهم أمر حراستها وإدارتها نيابة عن رأس المال الدولي ينهبون نفطها وغازها بالكامل تقريباً، بعد أن أشعلوا نيران الفتن والحرب الأهلية بين سكانها الذين عددهم في حدود المليون، والذين ينهكهم اليوم الفقر والذلّ مضافاً إليهما الإحساس الرهيب بالغربة والضياع، وإنّه لمن الواضح أنّ النزعات الانفصالية في إندونيسيا قد همدت بعد المصير التعيس الذي آلت إليه أوضاع تيمور الشرقية في ظلّ حكم رأس المال الدولي الربوي!
أمّا في العراق فقد اختلف الوضع تماماً، وفشلهم في تفتيت العراق أدّى إلى انتكاسة مشروع تفتيت العالم إلى آلاف الدول، فقد احتلوا العراق، وأسروا الرئيس، وحاكموه وأعدموه كخطوة على طريق إعدام العراق بتفتيته إلى "دول" اسمية شكلية تابعة، غير أنّ شعب العراق العظيم أفشل محاولاتهم وردّ كيدهم إلى نحورهم، فهم يتخبّطون اليوم فيه وفي كلّ مكان آخر من العالم بسببه! كذلك حاولوا وما زالوا يحاولون تمزيق وتفتيت لبنان وفلسطين، غير أنّ المقاومة الباسلة في البلدين أحبطت وتحبط محاولاتهم المستمرّة التي أصبحت مرتبكة وشبه يائسة، حيث يسعون من أجل تشكيل كانتونات طائفية في لبنان، ومن أجل الفصل بين الضفة والقطاع وبين الداخل والخارج في فلسطين!
وأمّا في السودان فقد أقدموا مؤخّراً على خطوة تصعيدية، غريبة وغير متوقّعة، بإعلانهم عن قرار بإحالة الرئيس السوداني إلى ما يسمّى محكمة الجنايات الدولية، بحجة وقوع جرائم حرب في إقليم دارفور السوداني الذي يريدونه "دولة مستقلة" مثل إقليم كوسوفو اليوغوسلافي، فقد جرت العادة، كما حدث في يوغوسلافيا والعراق، أن يقدموا على مثل هذه الخطوة بعد أن يصبح البلد المستهدف تحت رحمتهم ورئيسه في متناول يدهم، ولا يبدو مثل هذا الشرط متوفّراً لهم في السودان، فلماذا فعلوا ذلك إذن، وكيف يصدرون قراراً لا يبدو تنفيذه ممكناً، اللهم إلاّ إذا كانوا على وشك احتلال السودان، أو يتوقّعون انقلاباً وشيكاً فيه لصالحهم، فإذا لم يكن الحال كذلك فلا بدّ أنّهم يتخبّطون وقد فقدوا زمام الموقف؟!
نعود إلى ما بدأنا به فنقول أن خطة تفتيت العالم إلى آلاف الدول قد فشلت، ومعها عملية اعتقال الرؤساء ومحاكمتهم وإعدامهم التي انتهت في العراق، فخطة التفتيت لم تنجح في تجاوز حدود الكانتونات اليوغوسلافية، وهكذا فإنّ الفكرة القائلة بنهاية التاريخ قد ثبت خطؤها، وكذلك الفكرة القائلة بتجاوز مفهوم "الدولة/الأمة"، فهاهو رأس المال الدولي الربوي يصطدم بنهوض الأمم في الصين والهند وروسيا وغيرها، وبمقاومة الأمم الأخرى وفي مقدّمتها الأمة العربية والإسلامية، وقد أصبح واضحاً أكثر من أيّ زمن مضى أنّ البعد الأممي للنضال الإنساني لا يتحقّق إلاّ بالبعد القومي، حيث الأمم لا يمكن أن تتحوّل إلى سديم وذرّات وهباء، كما يريد رأس المال الدولي، إلاّ إذا كانت رميماً، فالجملة الإنسانية تتكوّن وتنمو متكاملة عبر تفاعلاتها القومية، والقوميات تتطوّر وتتقدّم عبر تفاعلاتها الإنسانية، فلا سديم ولا ذرّات ولا هباء ولا رميم!
غير أنّ ما ينبغي التأكيد عليه هو أنّ رأس المال الدولي الربوي يشبه تلك الوحوش التي تجتذبها رائحة دماء الفريسة، فلا يكفي أن تكون للبلد المنكوب قيمة إستراتيجية من حيث موقعه وثرواته كي ينقضّ عليه الوحش المالي الدولي المفترس، بل ينبغي أن تنبعث منه روائح الدم والفساد، وأن يكون ضعفه وتخاذله دليلاً على جاهزيته للالتهام، وأن تكون بنيته الداخلية الاجتماعية مهشّمة بفعل الاستبداد والظلم الداخلي!