ثلاثة شروط لديمومة الظلم!

بقلم : نصر شمالي

 

يعيش الظلم ويفرّخ ويتشعّب ويستمر طويلاً، بل دهوراً، ما دام المظلومون غير ملمّّين بآلياته وطرائقه، وبتركيبته وأطرافه. وسواء أكان الظلم خارجياً استعمارياً أم داخلياً اجتماعياً فلسوف تدهشنا الخصائص المشتركة التي تجمع بينهما وتوحد أهدافهما، ولو تناولنا فلسطين كمثال فسوف يروّعنا، مهما كانت سوية وعينا، أن نرى المصالح الاجتماعية الفلسطينية الداخلية المحدودة وهي تبدو ميالة لممالأة العدو الصهيوني الاستعماري على حساب شعبها وأمتها، فهي لا تتورع عن لوم شعبها المظلوم المقاوم دفاعاً عن أوهامها في إمكانية الوصول إلى حلّ يحفظ مصالحها، معتبرة هذه المصالح كأنما هي مصالح الشعب عموماً! إن المشاهد المأساوية التي تطالعنا يومياً في الداخل وفي المنافي، حيث كتل الشعب الفلسطيني المظلوم تتابع الاجتماعات والمفاوضات مع عدوها ألاستئصالي الرهيب، مشفقة على قياداتها وغير متهمة إياها، تعطينا فكرة محزنة جداً عن المدى الذي يمكن أن يبلغه الظلم بوجهيه الداخلي والخارجي قبل أن تكتشف بصورة كافية خصائصه المشتركة وآلياته وطرائقه التي تكفل ديمومته، وبما أن الشعب الفلسطيني يتميز بمقدار كبير من الوعي، بسبب محنته الوجودية وصموده وبطولته النادرة، فإن مثاله يصبح نموذجياً في موضوعنا هذا!

التفوّق العسكري خصوصاً والمادي عموماً!

لقد اعتمد الاستقرار الإمبريالي عالمياً وتاريخياً على تفوّق تشكيلاته العسكرية المدعومة بتفوقه المادي، ومن أجل تحقيق هذا الشرط حرص على تطوير آلاته الحربية وتدعيم بنيته المادية التحتية باستمرار، وبناء على ذلك تنفق الولايات المتحدة اليوم على جيوشها ما يتجاوز إنفاق دول العالم أجمع في هذا الميدان، وتراها على صعيد بنيتها المادية التحتية تستأثر لوحدها بحوالي ربع الإنتاج والاستهلاك العالمي! وعند التدقيق في مصادر إمدادها ودعمها المتواصل لهذين القطاعين العظيمين نكتشف ببساطة مذهلة أن دلك يتحقق من أموال ضحاياها، فالشعوب المظلومة هي التي تمد ظالمها بأسباب القوة والجبروت والديمومة، وقد رأينا الرئيس الأميركي يعود من جولته مؤخراً في بلادنا بغنائم هائلة قدمت له طوعاً، سواء في ميدان استيراد النفط الذي يدعم بنيته المادية أم في ميدان بيع السلاح الذي يدعم قواته العسكرية! وعلى ذكر السلاح فإن الإدارة الإمبريالية في حرصها على التفوق العسكري لا تكتفي بتطوير عتادها الحربي وقواتها المحاربة، بل تعمل بالحرص نفسه على حرمان ضحاياها تماماً من امتلاك أية أسلحة فعالة، وعلى منعهم من تشكيل أية قوات نظامية مقتدرة، فإذا ابتكروا أسلحتهم البسيطة البدائية إنما الفعالة اتهمتهم بالتخريب بل بالتدمير الشامل، وإذا شكّلوا قواتهم الخاصة المتواضعة إنما الباسلة اتهمتهم بالإرهاب! لكنها في الوقت نفسه لا تتردّد في بيع بعض حكومات بلدان الضحايا أسلحة متطورة جداً بأسعار باهظة جداً، لأنها مطمئنة سلفاً أن هذه الأسلحة سوف تكون في إمرتها وسوف لن تستخدم أبداً إلا بمعرفتها ولمصلحتها، فكأنما هي قبضت أثمانها واحتفظت بها، بل وفّرت على نفسها عبء حفظها وعناء صيانتها وأيضاً تكاليف استخدامها! إن ضمان التفوّق العسكري والمادي بالمستوى وبالطرائق التي أشرنا إليها هو الشرط الأول من شروط الاستقرار الإمبريالي المستمر مند عهود طويلة جدا!

الإدارة الماهرة للشعوب المظلومة!

ومن أجل الحفاظ على الاستقرار الإمبريالي العالمي أيضاً، تعتمد الإدارة الدولية على أجهزة الاستخبارات وشبكات الدعاية والإعلام والمؤسسات والهيئات التابعة لها في البلدان المظلومة، فهذه القطاعات وغيرها توفر لها ما يمكّنها من أن تكون "إدارة ماهرة"! إنه المصطلح الذي استخدمه المفكر والمسؤول الكبير في الإدارة الأميركية زبيغنيو بريجنسكي، وإنه لمن المثير حقاً أن نسمع على مدار الساعة قيادات وشخصيات وأجهزة وطنية تردّد مصطلحات الظالمين التي تلحّ على السّكينة والاستقرار والأمن في المنطقة، موجّهة خطابها إلى الشعب الفلسطيني المعرّض للاستئصال من جذوره، وإلى الشعب العراقي الذي يرزح تحت أفظع احتلال عرفه تاريخ العالم المعاصر، وأيضاً إلى الشعب اللبناني الذي عانى عقوداً طويلة من التهديدات والاجتياحات الإسرائيلية، فلما تحققت له مقاومته الوطنية القادرة على صدّ العدوان الخارجي، صار الشغل الشاغل للأميركيين والإسرائيليين، وللذين يشتركون معهما في خصائصهما من العرب، هو تجريده من مقاومته لأنها تهدّد " السّكينة والأمن والاستقرار والسلم الأهلي" ويا للعجب! والحال أنّ "الإدارة الماهرة" التي تحدث عنها بريجنسكي في كتابه الأخير (الفرصة الثانية) ليست سوى محصلة وضع المجتمع المظلوم في حالة من التسليم والسكون والقناعة بأقل من حياة القطيع الحيواني! والمهارة المقصودة هي تلك التي تمكّن الإدارة الإمبريالية من السيطرة على الشعب المظلوم بقواه الذاتية، أي بقواه الاجتماعية المحدودة التي توحّدها مع العدو الخارجي خصائص وأهداف مشتركة، فإذا توفّرت لها مثل هده القوى المحلية الناجحة استطاعت أن تمارس مهارتها، وضمنت الشرط الثاني من شروط ديمومتها!

سلبية الشعوب تجاه السياسة!

يتساءل بريجنسكي في كتابه الذي أشرنا إليه قائلاً: " هل تمارس الولايات المتحدة اليوم قيادتها الدولية بمسؤولية وفعالية، أم تمارسها باعتباطية وغرائزية وبنظرة مصلحية ضيّقة سوف تؤدّي إلى أفول نجم الإمبراطورية؟"، وهو يطرح تساؤله قلقاً، لأنه يرى شروط الهيمنة الإمبراطورية تضمحل وتتهاوى، فالشعوب الخاضعة التي شكّلت سلبيتها السياسة شرطاً من شروط الهيمنة الإمبريالية على مدى العهود الطويلة الماضية لم تعد سلبية سياسياً الآن! يقول بريجنسكي أنّ شعوب العالم ترفض اليوم بشكل متزايد آليات الهيمنة الأميركية وترفض أدواتها العسكرية والاقتصادية على حدّ سواء، ولذلك جاء عنوان كتابه تحذيرياً: "الفرصة الثانية"! ويعني بها انهيار الكتلة الاشتراكية السوفييتية الذي أتاح للأميركيين إمكانية الانفراد بقيادة النظام العالمي كفرصة نادرة  أضاعتها تماماً إدارة جورج بوش الابن بمغامراتها العسكرية، خاصة في العراق، محذّراً من إضاعة الفرصة الثالثة والأخيرة، التي يعتقد بريجنسكي أنها ما تزال متاحة لكنها عرضة للضياع بدورها، بما يترتب على ذلك من أفول إمبراطوري أميركي سريع، "لأننا نعيش في زمن تتسارع فيه الأحداث بوتيرة لم يكن تصورها ممكناً قبل بضعة عقود" حسب قوله!

على أية حال، إن ما يهمنا هنا هو إشارة بريجنسكي إلى السلبية السياسية العامة الشعبية كشرط للهيمنة الإمبريالية، وهي الإشارة التي تقودنا إلى التأمّل بأسى في ممارسات مؤسساتنا العربية القيادية التي تأخذ على عاتقها توفير هدا الشرط الأساسي من شروط ديمومة الظلم، والدي أوردناه هنا كشرط ثالث!

 إن أية قضية عادلة، على مدى العصور البشرية، لم تحقق انتصارها إلا بعد انخراط شعبها بكامله في معمعان السياسة، أي في وضعية الإلمام الكافي بما يحدث والتفاني الكامل لتحقيق الأهداف الواضحة بالطرائق المفهومة المجدية، فما بال مؤسساتنا القيادية والحاكمة تحاول بشتى الوسائل إقناع شعوبها بالاستكانة، والابتعاد عن السياسة، وبأنّ كل شيء سيكون على ما يرام شرط أن يبقى الشعب بعيدا عما يجري؟ وما بالها تستقبل رأس الظالمين في العالم بالترحاب والإجلال كأنما هي تستقبل محرّراً مخلّصاً، وتدعو شعوبها إلى تبنّي سياساته الإجرامية المموّهة بالكلمات المعسولة البرّاقة؟ غير أن الشعوب العربية تأتي اليوم في طليعة شعوب العالم التي قال بريجنسكي أنها ترفض آليات الهيمنة الأميركية وأدواتها العسكرية والاقتصادية على حد سواء، وهي اليوم معنية بالسياسة كما لم يكن حالها من قبل أبداً، لأنّ عنايتها الراهنة تنطلق من وعي متقدم جداً يجعلها تعرف جيداً أعداءها مهما بالغوا في تنكّرهم، وتعرف جيداً أيضاً وسائل مواجهتهم والتحرّر منهم، وإذا كانت ثمة نواقص فادحة في جاهزية الشعوب العربية وفي جاهزية قواها المناضلة المتقدمة فقد صار ممكناً حقاً تلافي مثل هده النواقص بسرعة قياسية لا تخطر في بال الضالين الغافلين، فالسلبية السياسية لم تعد خياراً إرادياً كما كان حال المظلومين المحبطين في الماضي، بل العكس هو ما يحدث الآن، والعدو صار يعرف هذه الحقيقة قبل الصديق.    

                

Hosted by www.Geocities.ws

1