غزة المُقاومة و الأمة المحاصَرة
د. ثائر دوري
في اللحظات التاريخية الكبيرة يتكثف التاريخ إلى لحظة واحدة ، و تجتمع الجغرافيا في نقطة واحدة . كما تتحول أعقد البرامج السياسية و الأفكار إلى فعل بسيط تقوم به الجموع بعفوية.
هذا أقل ما يقال في وصف غزة و مشهد النسوة الفلسطينيات ، المتجمعات عند حاجز رفح الفاصل بين قطاع غزة و مصر ، و هن تحاولن اقتحام هذا الحاجز ليكسرن الحصار المفروض على القطاع.
فمن ناحية التاريخ و الجغرافيا فإن رفح هي آخر نقطة من جغرافيا بلاد الشام و بعدها تبدأ سيناء ، التي تنتمي تاريخيا لجغرافيا مصر ، لكن هذا الفصل بين مصر و بلاد الشام قبل سايكس بيكو كان فصلاً نظرياً بحتاً إذ لم يكن هناك حدود بالمفهوم السائد اليوم أبداً ، فلا أسلاك شائكة ، و لا جدران عازلة ، و لا جواز سفر . فلو كانت هناك حدود تفصل ين بلاد الشام و مصر ، كما الحال اليوم، لما بنى أهل رفح مدينتهم بحيث يشطرها خط الحدود . لكن كيف لهم أن يتخيلوا أنه سيوجد هذا الشيء الرهيب الذي يسمى الحدود ، فيشطر الأرض و يفرق البشر و يمنع تواصلهم ، فالأرض دائماً كانت واحدة و الشعب موحد عبر آلاف السنين ، و لنتذكر هنا أن إحدى وظائف الكيان الصهيوني هي منع تواصل عرب الشام مع عرب مصر ( حاجز بشري غريب يفصل مصر عن الشام ). و حال أهل غزة و أهل رفح بمعاناتهم من حدود سايكس بيكو ليس فريداً ، بل هو حال جميع أبناء الأمة،الذين يُفصلون عن بعضهم بالحدود التي يسهر عليها النظام الرسمي العربي و النظام الدولي . ففي غزة اليوم تتلخص معاناة الأمة من تمزق جغرافيتها بالحدود المصطنعة .
كما أن حال أهل غزة اليوم تحت الحصار كحال أي فرد من أفراد هذه الأمة ، فهم محاصرون من جهتين ، الجهة الأولى النظام الرسمي العربي ، و الجهة الثانية النظام العالمي ، و لولا التواطؤ بين الطرفين لما كان لأي حصار من قبل أي قوة دولية أن ينجح ، و لنتذكر أن النظام الرسمي العربي هو الذي أشرف على حصار العراق طيلة عقد التسعينات . إن غزة تكثف تاريخ الأمة المحاصرة منذ مائة عام ونيف بواسطة حكامها و بواسطة النظام الدولي .
أما نسوة غزة اللواتي يضربن بوابة الحدود بأيديهن كي يفتحنها فهن يلخصن قصة كفاح طويل خاضته أجيال من أبناء أمتنا على امتداد القرن الماضي و على مساحة تمتد من الخليج إلى المحيط ، و نشأت من أجله أحزاب ، و كُتبت برامج ، و جُربت نظريات كل ذلك لأجل كسر هذه الحدود و تدمير هذه السجون التي اسمها الدول في سبيل فك الحصار عن الأمة . لقد حولت نساء غزة هذه الأفكار و هذه التضحيات و هذه البرامج إلى فعل عفوي بسيط عبر تدفقهن إلى بوابة الحدود لفتحها كي يكسروا الحصار المزدوج الصهيوني – الرسمي العربي ، لكن عفويتهن عفوية تختزن ورائها خبرات تاريخية و كفاح طويل و دماء شهداء سالت على هذا الدرب . فأيدي نسوة غزة بعفوية تدرك أن أول ما يجب كسره لإزالة الحصار الصهيوني هو كسر بوابة رفح لأن هذه الحدود هي النصف المكمل للكيان الصهيوني ، فالكيان الصهيوني و الدول القطرية هما توأمان سياميان خرجا من رحم سايكس بيكو ، فهما يعيشان معاً و يموتان معاً ، بحيث لا يصح نضال ضد هذا الكيان دون أن نكسر هذه الحدود .
غزة الجغرافيا و التاريخ و نساء غزة يلخصون حكاية الأمة و آمالها و أحلامها لكسر الحصار المفروض عليها داخلياً و خارجياً ، فحالهم حال الأمة التي تريد أن تتحرر من ترتيبات سايكس بيكو و بلفور ، غزة في حصارها اليوم و مقاومتها للحصار مرآة لأي فرد من أبناء هذه الأمة من المحيط إلى الخليج .