إما أمّة واحدة أو لاشيء إطلاقاً!

بقلم : نصر شمالي

لكي لا ينزعج إخواننا الليبراليون العرب وليس العرب عموماً، ولكي لا يمتعض إخواننا الحزبيون الأكراد وليس الأكراد عموماً، نسارع إلى القول أنّ عنوان هذه المقالة مأخوذ بالحرف تقريبا عن خطاب ألقاه الرئيس الفنزويلي شافيز مؤخّراً في مؤتمر القمة الذي عقدته دول البحر الكاريبي في كوبا بتاريخ 21/12/2007، فالرئيس شافيز هو الذي يقول أنّ شعوب أميركا الجنوبية هي أمة واحدة ، فإمّا أنّها كذلك وإمّا أنها لا شيء على الإطلاق! فإذا كان هذا القول ينطبق على جميع شعوب أميركا الجنوبية من دون استثناء، بكل تلاوينها ومعتقداتها وأصولها المتعدّدة المتناقضة القريبة العهد، فإن أي كلام يشكّك في الانصهار التاريخي بين العرب والأكراد، وفي كونهم ينتمون إلى أمّة واحدة ، يصبح مجرّد لغو باطل وجهد مريب! أما عن الليبراليين العرب ، دعاة حقّ تقرير المصير، فإنّ لهم وضعاً آخر يفتقر كلّياً إلى مبدأ الحوار لتبيان الخطأ من الصواب!

لقد ارتكبت أحزاب كردية جناية كبرى بحقّ الأكراد والعرب، أي بحقّ الأمة الواحدة الموحّدة على مدى عصور، وذلك بتصدّيها للاستبداد الداخليّ كأنما هو مقتصر على الأكراد وحدهم، وباتّكائها على هذه الذريعة الواهية لخلق روح انفصالية كرديّة لا أساس لها في التاريخ، ناهيكم عن استعانتها بألدّ أعداء الأكراد والعرب والأمة جمعاء لتحقيق أهدافها، وهي الأهداف التي  لا تتعدّى في محصّلتها طموحات المغامرين والمستبدّين من العرب وغير العرب إلى السلطة والجاه الفارغ، والتي لا تأبه للمأساة التاريخية التي سبّبها الأوروبيون والأميركيون واليهود الصهاينة لأمتنا ولغيرها من الأمم، ولا تريد أن ترى في معاناتنا الداخلية الرهيبة دور العدو الخارجي كسبب من الدرجة الأولى! وبما أن الحال هو كذلك حقّاً فإننا نستطيع الجزم بأن بعض الحركات السياسية الكرديّة، ذات الأفق الانفصالي المموّه أو الصريح، هي حركات أحزاب كرديّة وليست حركات مجتمعات كرديّة، وأنّ المجتمعات الكرديّة تتعرّض للتضليل والإيهام والإرهاب، فهي مثل المجتمعات المنصهرة معها عبر العصور الطويلة، تؤمن بأمة واحدة كبيرة وبوطن واحد كبير، لأنّها في أمسّ الحاجة إلى نهوض الأمة الكبيرة التي أنهكها العدو الخارجي والاستبداد الداخلي، وإلى توحيد الوطن الكبير الذي يلبّي احتياجاتها الكبيرة كما يفهمها أي فلاّح أو عامل أو تاجر بسيط (سوق واسعة الأرجاء على الأقلّ!) وليس الحاجة إلى الكانتونات الضيّقة الخانقة التي صنعها العدو الخارجي والاستبداد الداخلي، والتي تسعى أحزاب كردية، يؤازرها ليبراليون انتهازيون مريبون من العرب، إلى زيادة عددها وإلى تثبيتها وترسيخها! أي إلى تثبيت وترسيخ وجود العدو الخارجي المباشر وغير المباشر ومعه الاستبداد الداخلي!

لقد أقام الأميركيون الشماليون أمة واحدة ووطناً واحداً ودولة واحدة عن طريق الحرب الأهلية التي أهلكت مئات الألوف من البشر، وهم يباهون بالأمة التي صنعوها عبر المذابح الرهيبة، فما بالنا نسعى إلى التجزئة عن طريق المذابح، وننشد العون من الأميركيين بالذات ويا للعجب؟ لماذا نفرّط بوحدة أمتنا التي مازالت تمتلك معظم الشروط الموضوعية التاريخية للوحدة، والوحدة مصدر قوة الولايات المتحدة والهدف المركزي لجهود الأمم الأوروبية ؟ هل الاستبداد سبب كاف لمثل هذا التوجّه، وهل الخلاص من مختلف أشكال معاناتنا التي لا تطاق يتحقق بالتجزئة؟ بالكانتونات؟!

ولكن ، هاهي شعوب أميركا الجنوبية تعاني مثل ما نعاني: الوضع السياسي والاقتصادي والجغرافي نفسه، والمعاناة الداخلية في مختلف جوانب الحياة اليومية نفسها، وأخيراً العدو الأميركي الصهيوني نفسه!فإلى أين تتجه هذه الشعوب لتحقيق خلاصها؟ إلى الوحدة طبعاً، رغم أنها لا تمتلك معظم الشروط التاريخية للوحدة التي تمتلكها أمتنا! وأغرب ما في الأمر أن الأسباب ذاتها، التي تحرّض أحزاباً كردية على العمل من أجل التجزئة الإضافية، تحرّض الأميركيين الجنوبيين على تحقيق الأمة الأميركية الجنوبية الموحّدة الواحدة! وتأتي عدوانية الولايات المتحدة ووحشيتها في طليعة الأسباب الموجبة للوحدة. يقول الرئيس شافيز: "علينا أن نزرع الوعي بأننا أمة واحدة . إن فنزويلا جزء من الوطن الكبير ومن الأمة الواحدة. فلنعزّز وعينا بأننا أمة واحدة، لا يمكن لأيّ منّا وحيداً أن يبني وطناً، الإمبراطورية الأميركية تزرع الشقاق وتدسّ الدسائس وتهدّد وتضغط كي تحول دون وحدتنا الفعليّة الخلاّقة، فيقول عملاؤها للبوليفيين: "امبريالية فنزويلية"! ويقولون للفنزويليين: "امبريالية كوبيّة "!

يستعير الرئيس شافبز من القائد التاريخي بوليفار قوله: "نحن لسنا أوروبيين ولا أميركيين شماليين ولا أفريقيين ولا آسيويين، بل مزيج منهم جميعاً. أنا أول حالم في هذا الجزء من العالم بتشكيل أعظم أمة في الكون"! هذا عن القائد بوليفار قبل حوالي قرنين من الزمن، فماذا يقول الرئيس كاسترو اليوم؟ يقول كاسترو أن كوبا على أتمّ الاستعداد للتنازل عن علمها ونشيدها في سبيل وطن قومي كبير تحت راية واحدة لأمّة واحدة! فما بال بعض إخواننا من العرب والأكراد يستخلصون من الآلام والمعاناة ذاتها عكس ما استخلصه الأميركيون الجنوبيون؟ فإذا كان العذر هو الخطابات والممارسات الشوفينية لبعض العرب فأمثال هذا العذر موجودة أكثر بما لا يقاس في أميركا الجنوبية، حيث بقايا السكان الأصليين والأفارقة الذين شحنوا حديثاً نسبيّاً إلى أميركا لاستهلاكهم كعبيد أو أدوات! وحيث ما لا يحصى من التناقضات والتعقيدات التي لا تعالج بالمزيد من الانكفاء والتقوقع، بل بإلحاق الهزيمة بجذر الشرور التي تعاني منه أميركا الجنوبية وأمتنا العربية  و الإسلامية والبشرية جمعاء : الإمبراطورية الأميركية الصهيونية!

يقول الأستاذ نور الدين عوّاد، الذي أسعدنا بتعميم أخبار قمة دول البحر الكاريبي التي انعقدت الشهر الماضي في كوبا: "في النصف الشرقي من العالم، وتحديداً في العالم العربي الإسلامي، وعند انتصار الدعوة الإسلامية في القرن السابع الميلادي، عارض سيّدنا محمد بن عبد الله (صلعم) مفهوم القومية العربية (الجيوسياسية) تجنّباً للتعصب والشوفينية، واستعاض عنه بمفهوم الأمة الإسلامية (الروحية) التي انصهرت فيها مختلف الأمم والأعراق، إلاّ أنّ تطوّر البشريّة اللاحق أدّى إلى تفسّخ عرى هذا النوع من الأمم بفعل الرأسمالية وامبرياليتها وتداعياتها، وتسود منطقتنا حاليّاً نزعتان من التنظير، والمداخل الأساسية بهذا الصّدد: الإسلاميّون الذين يتبعون النظرة النبوية، والقوميّون الذين يدافعون عن الموقف الآخر، ولكلّ خصائصه، كذلك تلاحظ  إرهاصات لنزعة ثالثة تربط جدليّاً بين النزعتين السابقتين"! ثم يرى الأستاذ عوّاد العمل على إنجاز المهمّة التاريخية العظيمة في توحيد الأمتين العربية والأميركية اللاّتينية! إنه يبدو كأنما ذهب بعيداً جداً، ولكن من يدري؟ لعلّه محقّ تماماً بصورة من الصّور المعاصرة المدهشة!  

     [email protected]

   

 

 

     

Hosted by www.Geocities.ws

1