رسالة كاراكاس إلى الخائفين!
بقلم : نصر شمالي
دأبت صحف كثيرة في بلادنا على استخدام مصطلحات ومفردات الرأسماليين الاحتكاريين في تناولها للبلدان والأمم الناهضة، الساعية إلى الانعتاق من نير عبودية الاحتكارات، فالصين الشعبية هي "التّنين الأصفر"! الشّره الذي يسعى على الأقل إلى التهام أفريقيا وآسيا، والإيحاء المتكرّر الذي يؤكّد ضمناً أنها مجرّد وحش مفترس! وروسيا هي كذلك "الدبّ القطبيّ"! الذي يهدّد باجتياح المياه الدافئة في آسيا وأفريقيا، وتبديد دفئها، وتحويلها إلى صحارى جليدية! ويهدف هذا الأسلوب الدعائي الخبيث إلى إشغال الضحايا عن عدوّهم الذي يفترسهم على مدار الساعة ومنذ عهود طويلة، وتحويل أنظارهم إلى خطر وهمي ، بل تعبئة ما تبقّى من قواهم ضدّ أمم إن لم تكن مظلومة مثلهم وصديقة لهم فهي بالتأكيد عدوّة لعدوّهم الرهيب، الذي هو من يلتهم آسيا وأفريقيا وهو من يسمّم المياه الدافئة حقّاً وفعلاً!
هناك ضحايا أدمنوا حياة العبودية التي اعتادوها أزمنة طويلة، فهم يتعلقون بمستعبدهم ويحترمونه، ويردّدون مصطلحا ته ومفرداته وأقواله حتى التي يطلقها ضدّهم، فإذا صنّف هذا العدو يساريّتهم: "يسراوية شمولية بغيضة"! وقوميتهم: "قومجية شوفينية كريهة"! ومقاومتهم: "إرهاباً إجراميّاً عدميّاً"! وافقوه على الفور ووقفوا معه ضدّ أنفسهم، فكيف لا يكون موقفهم كذلك ضدّ الأمم الأخرى؟!
اندثار الجنس البشري خطر حقيقي!
ولكنّ محاباة الاحتكاريين الرّبويين، ومجاراتهم في خطاباتهم، وتجاهل جرائمهم، تستمرّ اليوم في لحظة تاريخية لم تعد تسمح بالتّورية والمحاباة، فالمخاطر الجدّية المحدقة بالجنس البشري أصبحت واضحة تماماً، وأصبح مصدرها ومسبّبها أكثر وضوحاً، وهاهي إدارات الولايات المتحدة تعمل جهاراً نهاراً من أجل الاستيلاء المباشر على الموارد الطبيعية للعالم أجمع، وها هي في اجتياحها للبلدان لا تستثني حتى بلدان الحكومات المتعاونة معها، وآخر مثال هو الباكستان، هذا البلد الذي أقحم في نزاع لا يدّ له فيه كما يقول الرئيس كاسترو، والمهدّد بإعادته بدوره إلى العصر الحجري، كما يحاولون في العراق! ومن الواضح أن ما يحدث في باكستان هو محصّلة للسياسات المغامرة والحروب التي تشنّها الولايات المتحدة على البلدان المحيطة به، والتي ينعكس أثرها المباشر على أسعار النفط وأسعار الأسهم في البورصات المالية، بحيث لا يمكن لأيّ بلد في العالم أجمع تفادي العواقب الخطيرة الناجمة عن تلك السياسات والحروب!
ومن جهة أخرى يحيق بالبشرية خطر حقيقي بيئي مناخي يهدّد فعلاً باندثار الجنس البشري، فالشروط الطبيعية للحياة البشرية يجري تدميرها على يدّ الاحتكارات الأميركية وحليفاتها والعاملين في ركابها! إن الولايات المتحدة، التي رفضت التوقيع على معاهدة كيوتو في اليابان عام 1992، هي أكبر مصدّر لثاني أكسيد الكربون، حيث تطلق سنويّاً إلى الفضاء ستة آلاف مليون طن من هذه المادة التي تفعل فعلها المدمّر في الغلاف الجوّي! ولإعطاء فكرة أوضح عن هذه المسألة نشير إلى أنّ ما تطلقه آسيا وأوقيانوسيا كلّها من هذه المادّة المدمّرة للغلاف الجوّي هو أقلّ من ثلاثة آلاف مليون طن، وأنّ ما تطلقه أفريقيا كلّها هو أقلّ من ألف مليون وربع ، أما الولايات المتحدة، التي يشكل سكانها نسبة 6% فقط من سكان العالم أجمع، فتطلق لوحدها كما أشرنا ستة آلاف مليون طنّ!
التضامن الأممي لمواجهة الأخطار الماحقة!
لقد بلغ الخطر الذي يهدّد كوكب الأرض والحياة عليه حدّاً لم يعد معه النظام الاقتصادي العالمي السائد الجائر، الذي فرضه المسرفون إلى حدّ التبذير والتبديد للطاقة، قابلاً للديمومة ! وقد أعدّ جوزيف ستيغليتز مؤخّراً كتاباً عن هذه الكارثة الكونية الماحقة المتوقّعة أشار فيه بوضوح إلى مسؤولية الولايات المتحدة عنها. والمهمّ هنا هو أنّ المؤلّف الأميركي كان نائباً لرئيس البنك الدولي ، ومستشاراً اقتصادياً للرئيس كلينتون، وهو حائز على جائزة نوبل، لكنّ ذلك كلّه لم يشفع له، فقد طبعت من كتابه آلاف قليلة من النسخ، فكأنما هو لم يصدر، لأن قادة الولايات المتحدة يحجبون الحقائق الخطيرة التي تدينهم!
إنّ طبقة الأوزون ، الواقعة في الطوق الخارجي على مسافة تتراوح ما بين 15 – 50 كيلو متراً من الأرض، هي التي تحمي كوكبنا من الإشعاعات الشمسية التي يمكن أن تكون ضارّة للبصر والجلد وبالتالي لنظام المناعة عند الإنسان، أي مهدّدة لحياته، فإذا دمّر الصناعيون الاحتكاريون طبقة الأوزون إلى حدّ معيّن لحق الدّمار بجميع أنواع الحياة على وجه الأرض! وكانت كوبا على لسان رئيسها قد نبّهت إلى هذه الأخطار الماحقة منذ عام 1983، ودعت إلى تضامن أممي لمواجهتها بغضّ النظر عن المواقف السياسية، لأنها إضافة إلى السياسات الاحتكارية والحروب العدوانية تطال بخطرها الوجود البشري برمّته، غير أنّ أجهزة الدعاية الاحتكارية تصوّر كوبا على أنها هي الخطر على الحياة، وعلى هذا الأساس تضرب حولها حصاراً محكماً منذ حوالي خمسين عاماً، ويجاريها في موقفها من كوبا أبناء ضحايا الاحتكارات في بلدان أخرى ويا للعجب!
شعوب أميركا الجنوبية أمة واحدة!
في مؤتمر القمة الذي عقدته دول البحر الكاريبي في كوبا مؤخّراً، في 21/12/2007، قال الرئيس الفنزويلي شافيز: "هذا الاجتماع ليس مؤتمراً دوليّاً بل اجتماع أمة واحدة. جميعنا ننتمي إلى أمة واحدة. إمّا أن نكون أمة واحدة وإمّا أن نكون لا شيء. لا يمكن لأيّ منّا وحيداً أن يبني وطناً. الإمبراطورية (الأميركية) تزرع الشّقاق وتدسّ الدّسائس وتهدّد وتضغط لكي تحول دون وحدتنا الفعليّة الخلاّقة، وهي تستعمل اليانكيز الصغار (عملاءها) باعة الوطن، فيقولون للبوليفيين: " امبريالية فنزويلية"! ويقولون للفنزويليين: " امبريالية كوبيّة"! كل ذلك من أجل نسف جهودنا في سبيل وحدة حقيقية لشعوب أميركا الجنوبية، وصدّنا عن مشروعنا المشترك للتنمية والاستقلال والتحرير. ليكن هذا المثال (المشروع الوحدوي التحرّري الأميركي الجنوبي) حافزاً للذين يرتابون ويخافون، فنحن لم نعد نعيش أزمنة الخوف والريبة! وكان الرئيس الكوبي كاسترو قد تحدّث أكثر من مرّة خلال العقد الأخير من القرن العشرين عن استعداد بلده للتنازل عن علمه ونشيده في سبيل نهوض وطن أميركي جنوبي كبير تحت راية واحدة لأمة واحدة، فهل ثمّة آذان عربية تسمع؟!
أخيراً، لا بدّ من توجيه الشكر الجزيل للسيد نور الدين عوّاد الذي عمّم من كوبا رسالة هامة تضمّنت معلومات هامّة رائعة عن التطورات الإيجابية التاريخية في تلك القارّة، والتي حملت عنواناً موحياً موجّهاً للعرب، وهو: "هكذا تبنى الأوطان"!