مشروع كيان صهيوني ثنائي القومية !
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أصبح الهمّ الأول للولايات المتحدة الأميركية هو بسط هيمنتها على منطقة جنوب شرق المتوسط العربية خصوصاً وعلى مناطق أخرى واسعة في آسيا وأفريقيا عموماً، ولقد نهض الكيان الصهيوني اليهودي كواحدة من القواعد المتقدمة، والأدوات الرئيسية الممتازة، لتحقيق هذه الهيمنة. فبعد انتهاء الحرب أعلن هربرت فيس، أحد كبار موظفي الحكومة الأميركية، مايلي:" يسود اعتقاد قوي في عدد من دوائر الحكومة بضرورة البحث عن قواعد برّية وبحرية وجوية في منطقة الشرق الأوسط والإستحواذ عليها، فللولايات المتحدة مصلحة حيوية في مستقبل المنطقة، لدرجة أنها ستجد نفسها مضطرة للدخول في صراع من أجل خدمة نفوذها، ولذلك يجب عليها وضع نفسها في الموقف الذي يجعل وجهات نظرها فعالة"! وفي عام 1951، أعلن الرئيس الأميركي آيزنهاور ما يلي:" ليس هناك، في ما يتعلق بالقيمة الخالصة للأرض، منطقة في العالم أكثر أهمية استراتيجية من الشرق الأوسط، فهذه المنطقة عظيمة الأهمية في ما يمكن أن تساهم به في مجهودنا (العالمي) بأكمله"!
مصير المحطة الأوروبية الأميركية؟
لقد تأسس الكيان الصهيوني اليهودي في ذلك السياق التاريخي، وعلى ذلك الأساس بالضبط، ففكرته أطلقها الإنكليز الصهاينة غير اليهود في لندن، في القرن السابع عشر (عام 1649 تحديداً) واليهود الذين اعتبروا أنفسهم دائماً خارج التاريخ البشري – حسب ناعوم غولدمان- ونظروا إلى الآخرين ككائنات أدنى، كانوا ضدّ مشروع الدولة اليهودية، لكن السياسية الإنكليزية الطويلة المدى روّضتهم وأخضعتهم، فنشأ كيانهم على الحاجة الدائمة للحروب التي توحّد قواهم وتصلّبها، وتحكم ربطهم بالمشاريع الاستعمارية. وقد قال غولدمان أنه ليس متأكداً من أن "إسرائيل" تستطيع البقاء في ما لو أصبحت دولة مثل الدول الأخرى! وكان تيودور هرتزل واضحاً حين أعلن أمام المؤتمر الصهيوني الأول ما يلي:" إنه لمن مصلحة الأمم المتحدة (الأوروبية) ومن مصلحة المدنيّة تأسيس محطة حضارية عبر أقصر الطرق إلى آسيا. إن فلسطين هي تلك المحطة. ونحن اليهود حملة الحضارة مستعدين لبذل أملاكنا وأرواحنا من أجل تكوينها"!
أما كيف صار وضع "المحطة الحضارية" الصهيونية بعد قيامها فيوجزه بيير روسيه في كتابه "مفاتيح الحرب" على النحو التالي:"إن المجتمع اليهودي مرتبط أكثر من أي شيء آخر بالمصالح الأميركية وبالتوسع الاستعماري الأميركي، فلا يمكن تمييزه ولا فصله أبداً عن الاستراتيجية الأميركية. إنه، في حدّ ذاته، ليس إلا موجة في مدّ الإمبريالية الأميركية وجزرها"!
حق الكيان الصهيوني في الوجود؟
وهكذا، فإن الحسابات الخاصة لليهود لا أهمية لها قياساً بالحسابات الاستراتيجية الأميركية، الصهيونية غير اليهودية، فإذا ما اقتضت المصالح الأميركية العليا أن يكون الكيان يهودياً خالصاً انطلق العمل على هذا الأساس، وإذا اقتضت الحدّ من خصوصيته، بل إلغائها، فإن واشنطن لن تتردّد في فعل ذلك، وها نحن نتابع اليوم فعلاً تلك الحملة الإعلامية، التي يسهم فيها عدد كبير من اليهود، والتي تعلن أنه :"لم يعد لإسرائيل حق في الوجود"!
اليوم، تشهد الولايات المتحدة وأوروبا سيلاً من المقالات والدراسات، اليهودية في معظمها، تتساءل عما إذا كان من الخطأ أصلاً قيام "دولة إسرائيل" على أساس عرقي يهودي! ففي مجلة "نيويورك ريفيو أوف بوكس" كتب البروفسور اليهودي طوني جاوت:"إن تصرفات الدولة التي تعتبر نفسها يهودية تؤثر سلباً على الطريقة التي ينظر بها الآخرون إلى اليهود، والحقيقة القاطعة هي أن إسرائيل صارت اليوم ضارة لليهود! ليس من السهل تحويل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، غير أن ذلك ليس مستحيلاً، بل إن هذه الصيرورة بدأت عملياً، ولا يملك أي شخص أعرفه فكرة أفضل من هذه الفكرة! إن دولة ثنائية القومية في الشرق الأوسط (يهودية وعربية) تتطلب قيادة أميركية حازمة! إن أمن اليهود والعرب على حدّ سواء يحتاج إلى ضمانة قوة دولية، حيث البدائل الأخرى أسوأ بكثير"!
أما في فلسطين المحتلة فقد كتب يونتان روزنبلوم في صحيفة "معاريف" بتاريخ 3/11/2003 يقول:"كثيرة هي أسباب الدعوة إلى نزع الشرعية عن إسرائيل، لكن واحداً من الأسباب لم يحظ بالإنتباه الكافي، وهو تناقص قيمة الدولة القومية، فالصهيونية انبثقت من داخل الحركات القومية الأوروبية، ومن منطلق معاناة اليهود في اوروبا، ويشير البروفسور مارك ليلا من جامعة شيكاغو إلى المفارقة الكامنة هنا بقوله: ذات يوم كانوا يهزأون من اليهود لأنه ليست لديهم دولة، واليوم ينتقدونهم لأنهم يملكون هذه الدولة"!
كيان ثنائي في منطقة متصهينة!
إن فكرة كيان ثنائي القومية في فلسطين المحتلة باتت مطروحة على بساط البحث أوروبياً وأميركياً، ونظرية جاوت عن قيام مثل هذه الدولة تضع شرطين لتحقيقها: الأول، نشوء طبقة سياسية جديدة في صفوف اليهود والعرب على حدّ سواء مقتنعة بذلك، وتدين بالولاء للولايات المتحدة، والثاني هو أن أمن اليهود والعرب في كيانهم المشترك سوف يكون تحت الإشراف الدائم لقوة دولية، هي واشنطن بالطبع!
في الواقع، يتوجب علينا الإعتراف أن التهيئة في أوساط النخب لقبول فكرة كيان صهيوني أميركي ثنائي القومية قطعت شوطاً لا بأس به، فالتناقضات الغامضة داخل الإدارات اليهودية وداخل الإدارات الفلسطينية تشير إلى ذلك، حيث الإدارة الأميركية ترعى على مدار الساعة أوساطاً قيادية يهودية وعربية تبدو مستعدّة للسير في هذا الإتجاه، غير أن تحقيق مثل هذا المشروع ليس حتمياً من جهة، ولا خياراً أميركياً وحيداً من جهة أخرى، لأنه لا يمكن أن يكون مقتصراً على أوضاع فلسطين المحتلة وحدها، بل هو متصل بمسار الإحتلال الأميركي للعراق وما يليه، وما يترتب عليه، ومتوقف على مدى نمو وسيطرة أوساط عربية، رسمية وغير رسمية، متصهينة أميركياً ومستعدّة للإنتقال إلى مرحلة "ما فوق القوميات" أي إلى مرحلة "العولمة"، ولا تتورّع في التخلّي عن هوية ووحدة أمتها، والإنخراط في المشروع الصهيوني الأميركي للمنطقة بمجملها، باعتبارها أجزاء منفصلة وليس كتلة عربية واحدة!
الذين يفضلون انتصار الغزاة!
لكن المشاريع الأميركية الصهيونية المعدّة للمنطقة العربية ليست قدراً لا مهرب منه، سوى لأولئك الذين يريدونها كذلك، فقد صار مستقبل الولايات المتحدة وراءها، وكذلك مستقبل نظامها الربوي العالمي، أي أنه صار من الماضي، أما مستقبل أربعة أخماس البشرية فهو أمامها. وبينما تتهاوى وتتلاشى أدوات ووسائل الدفاع عن الماضي فإن أدوات ووسائل بناء المستقبل البشري العام تتوالد وتتعاظم، بعكس ما توحي به الظواهر الآنية المخادعة.
إن الأمة العربية، المكبّلة والمكمّمة والمغلوبة على أمرها، والتي يعتقد الغزاة أنها على وشك الإندثار، هي في الحقيقة والواقع على وشك النهوض والإنطلاق في مقدمة الركب البشري، ولن تعيق نهوضها وانطلاقها قلة من المنحرفين الضالين الذين يفضلون انتصار الغزاة على انتصار أمتهم، بل هي سرعان ما ستنجب ما يكفي من الأبناء البررة الذين يضيفون إلى عظمة وقوة تراثها العربي الإسلامي عظمة وقوة الحداثة الإنسانية، لكنها الحداثة التي تتكامل مع تراثها و لاتتناقض معه، وليست"الحداثة" الربوية الصهيونية التي يتعلق المنحرفون بها ويدافعون عنها!